
دفاع عن الحقيقة.. رد على نجل عبد الحكيم عامر -1
عبد الناصر يعّين المشير قائداً للقوات المسلحة إثر خلافاته مع محمد نجيب
حسن عاتي الطائي
بغداد
نشرت جريدة الزمان بعددها الصادر في 7|6|2017 حوارا مع السيد جمال عبد الحكيم عامر نجل المشير الراحل لمناسبة الذكرى الخمسين لعدوان ونكسة الخامس من حزيران عام 1967 اجراه معه مراسل الجريدة في القاهرة مصطفى عمارة اجاب فيه عن عدة اسئلة تتعلق باحداث وقضايا مصرية وعربية كبيرة ومتشعبة غاية في الاهمية وقعت احداثها في خمسينيات وستينيات القرن الماضي مثل العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 والوحدة المصرية السورية عام 1958 وجريمة الانفصال عام1961 وحرب اليمن 1962-1965 وعدوان الخامس من حزيران عام 1967 وانتحار والده (المشير عامر) عقب النكسة المؤلمة التي تسبب بها هو وحاشيته من الضباط غير الاكفاء.
ومن يقرأ الحوار سيصاب بالدهشة والاستغراب والتعجب لما جاء فيه من ادعاءات وافتراءات ومغالطات وتزوير للحقائق محاولا فيه الدفاع عن قرارات والده الخاطئة وتوجيه الاتهامات الظالمة للزعيم الخالد جمال عبد الناصر بغير وجه حق وخاصة اتهامه الباطل له بقتل المشير عامر الذي كان قد انتحر جهارا نهارا في بيته واصبحت عملية انتحاره معروفة ومؤكدة للجميع وتم توثيقها في سجلات الدولة الرسمية يوم وقوع الانتحار..لقد جرى خلال نصف القرن الماضي ازاحة الستار عن كل مايتعلق باسرار تلك المرحلة التاريخية المشحونة بالمعارك والتحديات التي خاضتها الثورة العربية بقيادة عبد الناصر ضد القوى الاستعمارية والصهيونية والرجعية ولم يعد هناك مايستحق ان يبقى خافيا او في طي الكتمان بعد ان كتب عنها المئات من الكتب والمذكرات والالاف من الدراسات والمقالات والتحليلات.. ولهذا فان ماجاء في مقدمة الحوار وماقاله نجل المشير الراحل في ذلك الحوار ليس فيه من الاسرار الجديدة التي لم تعرف اولم يتم الاطلاع عليها خلال تلك السنوات الطويلة الماضية وهو ليس اكثر من اعادة تكرار لافتراءات وادعاءات سابقة لم تعد تنطلي على احد تم كشف زيفها وبطلانها ولامصداقيتها ..ونحن هنا في هذا المقال سنرد على تلك الادعاءات والافتراءات بالادلة الدامغة والحقائق الساطعة يدفعنا الى ذلك الدفاع عن الحقيقة ووضع الامور في مكانها الصحيح احتراما وتقديرا لنضال وكفاح وتضحيات شعبنا العربي وبطله القومي التاريخي الذي كان عنوان ورمز نهضة الامة العربية وتطلعها نحو الوحدة والتقدم..ولإن القضايا التي تم طرحها في ذلك الحوار واسعة ومتعددة الجوانب وتحضى بالاهمية البالغة ولا يمكن تغطيتها او الاحاطة بها بمقال واحد فقد اثرنا ان يكون الرد على ماجاء فيه بست حلقات يرتبط بعضها بالبعض الاخر لكي نلقي فيها الضوء الكاشف على ماجرى من احداث مصيرية وتاريخية في تلك المرحلة الحاسمة من تاريخ النضال العربي التي مازال لها تاثيرها وصداها عند ابناء شعبنا ليس في مصر العروبة لوحدها وانما في سائر اقطار وطننا العربي الكبير..
العدوان الثلاثي عام 1956
من الذي اصدر قرار الانسحاب من سيناء؟
يقول نجل المشير عبد الحكيم عامر في ذلك الحوار ان (المشير هو صاحب قرار الانسحاب من سيناء عام 1956 وهو قرار سليم ولولاه لتم تدمير الجيش المصري بالكامل وهو قرار عارضه عبد الناصر الا انه انصاع في النهاية بعد ان ايد معظم الضباط قرار المشير) وللرد على هذا الافتراء الواضح نقول: كان لتاميم عبد الناصر لقناة السويس في السادس والعشرين من يوليو تموز عام 1956 اثرا بالغا وشديد الاهمية على المستويات الوطنية والقومية والعالمية .فقد جاء التاميم بعد ان سحب الامريكيون والبريطانيون ومعهم البنك الدولي عرضهم بالمشاركة في تمويل بناء السد العالي بعد ان رفض عبد الناصر شروطهم القاسية التي تلحق الاذى بالكرامة الوطنية والاقتصاد المصري ليعيد القناة الى السيادة المصرية بعد ان كانت خاضعة للنفوذ البريطاني والفرنسي منذ انشائها في عام 1869 على يد المهندس الفرنسي(فرديناند دلسبس) وليساهم عائدها المالي في عملية بناء السد العالي حيث ان مصر كان لايصل اليها من ذلك العائد سوى 5% فقط اضافة الى ان القناة كانت بادارتها الاجنبية دولة داخل الدولة المصرية.وعلى المستوى العربي اعتبرت الجماهير العربية يوم التاميم عيدا ونصرا قوميا احتفل فيه من خلال مهرجانات وتظاهرات شعبية عمت ارجاء واسعة من الوطن العربي رافعة صور عبد الناصر الذي اصبح منذ ذلك اليوم بطلا قوميا وزعيما للامة العربية لاينازعه احد في ذلك..وعلى المستوى العالمي نظرت القوى الاستعمارية لتاميم القناة على انه عدوان على مصالحها وحقوقها يجب الرد عليه فورا بعدوان اشد منه واقوى يعيد القناة الى سيطرتهم بالقوة .. وانطلاقا من ذلك فقد بدأت قوى الاستعمار التي فشلت كل محاولاتها السياسية للضغط على عبد الناصر للتراجع عن قراره التاريخي بتاميم القناة بالتأهب لإجباره (على تقيؤ ما ابتلعه) على حد قول انطوني ايدن رئيس الحكومة البريطانية انذاك ..وتم التخطيط لمؤامرة ثلاثية شاركت فيها كل من بريطانيا وفرنسا الى جانب الكيان الصهيوني الذي كان يمثل(مخلب القط) مثلما قال عبد الناصر… وتنفيذا لتلك المؤامرة القذرة قام الصهاينة بالعدوان على مصر ليلة29\30 تشرين الاول عام 1956 حيث تم انزال قوات مظلية صهيونية في (ممر متلا ) واتجهت القوات المصرية المسلحة لمقاتلة العدو الصهيوني الذي لم تكن قواته قد وصلت للقناة كما ادعى العدوانيون كذبا..في تلك الاثناء وحسب الخطة المدبرة مسبقا فقد وجه البريطانيون والفرنسيون انذارا لكل من مصر والكيان الصهيوني مدتة 12 ساعة فقط يطالب بوقف اطلاق النار وسحب القوات المصرية والصهيونية الى مسافة (10 اميال) عن ضفتي القناة في وقت كانت فيه القوات الصهيونية تبعد بما لايقل عن (40)ميلا شرق القناة..(واذا انتهت مهلة ال12 ساعة التي تضمنها الانذار دون ان تنصاع اي من الحكومتين المصرية والصهيونية او كلاهما الى الطلبات السابقة الذكر فان قوات المملكة المتحدة وفرنسا ستتدخل باية قوة تحتمها الضرورة لتامين الانصياع) كما ذكر ذلك(انطوني ايدن) في مذكراته عن حرب السويس . وحسب الخطة العدوانية فقد قبل الكيان الصهيوني بذلك الانذار في وقت رفضه عبد الناصر بشدة لان قبوله من جانب مصر يعني استسلامها واحتلالها مجددا وفقدان استقلالها وارادتها السياسية..في ذلك الجو المتفجر اصدر عبد الناصر(وليس عبد الحكيم عامر)قراره التاريخي الشجاع بانسحاب القوات المصرية من سيناء لانقاذها من الفخ الذي نصبه لها العدوانيون..عن ذلك الانسحاب وخلفياته والاجواء التي صدر فيها يقول محمد حسنين هيكل الكاتب والمفكر العربي الشهير في الصفحة 233 من كتابه المعروف(قصة السويس اخر المعارك في عصر العمالقة) الصادر في بيروت عام 1988 الطبعة الثامنة عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر..( كان جمال عبد الناصر في مقر قيادة القوات المسلحة في كوبري القبة يواجه مواقف بالغة العنف ..دخل الى القيادة وفي ذهنه ان الانسحاب الكامل من سيناء ضروري حتى لاتقع كارثة كان يخشاها ويتحسب لها.. وكان عبد الحكيم عامر يعارض قرار الانسحاب من سيناء . وحاول عبد الناصر ان يتكلم بهدوء في بداية الامر ويقول لعبد الحكيم عامر: (الا ترى ان استمرار تدفق قواتنا على سيناء معناه اننا نجري باقصى سرعة لكي نضع انفسنا في فخ؟ ان قواتنا سوف تجد نفسها والاسرائيليون امامها والانجليز والفرنسيون وراءها ولابد من تجميع القوات كلها في منطقة قناة السويس والى الغرب منها لخوض المعركة ضد العدو الرئيسي وهو بريطانيا وفرنسا وبعدها يكون امر اسرائيل سهلا.) ويقاوم عبد الحكيم عامر لإسباب عاطفية قرار الانسحاب ويصر جمال عبد الناصر ويبعث الاشارات موقعة منه الى قادة الوحدات المتقدمة في سيناء يأمرهم فيها بالانسحاب )…
تطور الأمور
وفي الصفحة 534 \536من كتابه الوثائقي (حرب الثلاثين سنة ملفات السويس ) الصادر عن مركز الاهرام للترجمة والنشر في القاهرة عام 1996 الطبعة الثالثة يلقي هيكل الضوء على مادار في مقر القيادة العامة للقوات المسلحة فيقول (هرع جمال عبد الناصر الى مقر القيادة العامة للقوات المسلحة فقد كان تطور الامور الان يقتضي اعادة النظر في الخطط المصرية.. كان مكتب عبد الحكيم عامر حينما دخل اليه عبد الناصر مزدحما بعدد من الزوار بينهم بعض من اعضاء مجلس الثورة القدامى وعدد من الوزراء وعدد من قادة القوات المسلحة وكان الجو مشحونا بالقلق والعصبية ونتيجة لهما احتدت الاراء وانقسمت الى رأيين غالبين الراي الاول :وقد تبناه عبد الحكيم عامر وهو منطق الوطنية الشهيدة التي يتحتم عليها ان تقاتل في مواقعها ومهما كانت الظروف الى اخر طلقة والى اخر رجل ..والرأي الثاني :وقد تبناه السيد (صلاح سالم) عضو مجلس قيادة الثورة السابق وكان محكوما بالمنطق(الواقعي)الذي وجد مصر تواجه ثلاثة اعداء في وقت واحد بينهم اثنتان من القوى الكبرى وهو حجم من القوة لاقبل لمصر لمواجهته ومن ثم فقد اقترح صلاح سالم ب(اسى وحزن) انه لاخيار امام جمال عبد الناصر غير الاستسلام وبسرعة قبل ان يتمكن الطيران المعادي من تدمير مرافق مصر الحيوية وتمزيق جيشها وتهديم مدنها ..وفي اللحظة التي دخل فيها جمال عبد الناصر القاعة كان صلاح سالم يشرح رأيه الواقعي ولم يتراجع عما كان يقوله وانما كرره امام جمال عبد الناصر واضاف اليه :انك قمت بخدمة عظيمة لهذا البلد وضحيت كثيرا من اجله والان فقد كتبت عليك المقادير ان تضيف لتضحياتك تضحية اخرى وان تقبل تسليم نفسك ..ان (ايدن) اعلن في خطابه ان الحرب تستهدفك انت وليس الشعب المصري فاذا عرفوا انك على استعداد لتسليم نفسك توقفت الحرب على الفور ..ثم استطرد صلاح سالم قائلا: ان السفير همفري تريفيليان السفير البريطاني في القاهرة لم يغادرها بعد واذا توجه جمال عبد الناصر لمبنى السفارة وسلم نفسه فان ذلك كفيل بحل الامور ..لم يفقد جمال عبد الناصر اعصابه لهذا الذي سمعه فقد ادرك ان ابعاد الموقف اهم من اي اعتبار يتعلق بالاشخاص.ومضى يشرح وجهة نظره فقال:انه لو كان يعرف ان المعركة تخص شخصه لإبتعد بأية وسيلة عن مسرح الحوادث ولكن المستهدف هو مصر وشعبها واذا لم يقف الشعب المصري لمواجهة هذا الموقف ويخوض المعركة دفاعا عن وطنه ومستقبله فان مصير الامة العربية كلها يصبح معرضا للضياع …ثم توجه جمال عبد الناصر الى مكتب رئيس هيئة اركان الحرب تاركا زحام مكتب القائد العام.. وهناك دعا الى اجتماع محدود حضره بعض اعضاء مجلس قيادة الثوة السابق المشاركون في الحكم وقتها ودعي الى الاجتماع وزير الخارجية الدكتور محمود فوزي وعدد محدود من القادة العسكريين والمستشارين السياسيين… وكان اتجاه الاجتماع مؤيدا لوجهة نظر جمال عبد الناصر.وطرح جمال عبد الناصر خطته لمواجهة الامر الطارئ وكان اول بند فيها هو ضرورة ارجاع الفرقة المدرعة الرابعة التي عبرت في الليلة السابقة الى سيناء ووقف تقدم كل التشكيلات الاخرى التي كان مفروضا ان تلحق بها وان على الكتائب الست في مواقعها المتفدمة في سيناء ان تواصل مقاومتها كما كان مقررا لمدة 48 ساعة لكي تتمكن الفرقة الرابعة من اتمام انسحابها عائدة الى الدلتا.. واعترض عبد الحكيم عامر لان سحب القوات الان (عار يلحق بنا)ورد عليه جمال عبد الناصر بانه اذا كنت ستنسحب لتقاتل في معركة احسن لك ولمعركتك ولخططك فهذا ليس عارا فالعار هو ان تنسحب للهرب.. ولم يقتنع عبد الحكيم عامر وقرر جمال عبد الناصر ان يتحمل المسؤولية بنفسه فاصدر قراره بالانسحاب من سيناء ووصل به الامر الى حد انه اتصل بنفسه على خطوط الاتصالت العسكرية بعدد من قادة الكتائب يقول لهم ان الخطة المصرية للحرب يجب تعديلها بعد ان اصبح نزول الانجليز والفرنسيين في منطقة قناة السويس محققا واذا حدث ذلك فان الجيش سيجد نفسه مشطورا الى قسمين احدهما يواجه الهجوم الاسرائيلي في سيناء معزولا عن قواعده والثاني يخوض المعركة ضد الغزو الاسرائيلي محروما من نصف قواته وان الاولوية الاولى يجب ان تتركز ضد الغزو البريطاني الفرنسي فاذا ما تم دحره حان الوقت لمواجهة اسرائيل .. كان المنطق بسيطا ومقنعا واستجابت القوات واستعاد عبد الحكيم عامر اعصابه عندما وجد ان تحركات الكتائب الست المتمركزة على خططوط الهدنة شمال سيناء كانت تحارب معركة تمكنت فيها من ايقاف تقدم الجيش الاسرائيلي للمدة التي كان مطلوبا منها ان تقاتل فيها لمنع تقدمه وهي 48 ساعة.. كانت بقية خطة جمال عبد الناصر في المواجهة تقتضي ابعاد الطيران المصري تماما عن المعركة لانها اصبحت غير متكافئة وليس مهما تدمير الطائرات المصرية على الارض لكن المهم الحفاظ على الطيارين المصريين وعددهم المحدود.. وبعد ذلك كانت هناك ضرورات الاستعداد لحرب شعبية ممتدة ضد الاحتلال فيما لو استطاعت قوات الغزو ان تتغلب على القوات النظامية للجيش المصري.).. وعن الموقف المتخاذل لكل من عبد الحكيم عامر وصلاح سالم يقول الكاتب العربي سعيد ابو الريش في الصفحة158\159 من كتابه(جمال عبد الناصر اخر العرب) الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت نيسان2005 الطبعة الاولى..(بقيادته لكل اوجه المعركة وبسيطرته الكاملة على كل شيء بينما كانت الحركة في اوجها فان عبد الناصر استدعى عبد الحكيم عامر وصلاح سالم لمقابلته في بور سعيد وقد عنفهما من دون رحمة امام بعض رفاقهما .. فقد وصلت اخبار اليه بانهما قد قاسيا من شيء قريب من الانهيار العصبي وقد سمعا وهما يتبنيان الاستسلام..وبتكسر يقترب من البكاء كرر عامر دون خجل نداءه بالاستسلام بحظور صديقه. فقد اجاب عبد الناصر: لااحد سيذهب الى الاستسلام ..فوفقا لما يتذكره احمد حمروش فقد قال عبد الناصر:لا احد سيذهب الى الاستسلام او الهرب وان كل فرد سيقاتل..اجمع نفسك على بعض ياحكيم سوف يحول كل الجيش الى قوات حرب عصابات وسينسحبون في العمق المصري ودعوهم يحاربوننا هناك..ان سلوكك لايتصف بالرجولة فلم تكد تطلق الا الطلقة الاولى. وليس فقط انني تسلمت قيادة الجيش بشكل مباشر ولكني لا اريد منكم ياناس ان تصدروا اية اوامر ..لا اوامر تعترض اوامري الاتفهم انهم يحاولون تدمير الجيش؟ انها مؤامرة ثلاثية واذا لم تستطع تقديم ماهو افضل فعليك ان تتسكع كامرأة عجوز ومن ثم سيجري اعتقالك ومحاكمتك.. لم يكن عامر بالتاكيد هو الذي وقف معه في الساعات الصعبة في ازمة السويس. ان الشجعان الذين وقفوا معه من مجلس قيادة الثورة كانو عبد اللطيف البغدادي وزكريا محي الدين والدبلوماسي محمود فوزي.. فقد تم تعيين البغدادي كمسؤول عن تنظيم المقاومة على طول القناة واصبح محي الدين الصديق الموثوق لعبد الناصر وكان مسؤولا عن التأكد من ان جميع اوامر عبد الناصر قد جرى تنفيذها ..وكان فوزي ممثلا متفوقا في الامم المتحدة وكانت القرارات الاستراتيجية الوحيدة التي اتخذت خلال الحرب هي قرارين: اخلاء سيناء واغلاق قناة السويس وكلاهما من صنع عبد الناصر)..وحتى تتضح الصورة تماما بان الرئيس جمال عبد الناصر هو الذي اصدر الامر بانسحاب الجيش المصري من سيناء وهو بطل معركة السويس التي خرج منها منتصرا وبطلا قوميا يقول امين هويدي الذي كان وزير للحربية بعد النكسة في الصفحة93\94 من كتابه (حروب عبد الناصر) الصادر عن دار الطليعة للطباعة والنشر في بيروت الطبعة الاولى تشرين الاول عام 1977..(عقد جمال عبد الناصر اجتماعا في القيادة العامة للقوات المسلحة بكوبري القبة حضره بعض اعضاء مجلس الثورة وحينما اثير موضوع التواطؤ كان من راي عبد الناصر سحب قواتنا فورا من سيناء لانقاذها من الفخ الذي نصب لها قبل فوات الاوان.. وكان عبد الحكيم عامر يعارض في الانسحاب من الناحية العاطفية البحتة ..وكان صلاح سالم يرى ان رفض الانذار البريطاني معناه الانتحار وان بريطانيا وفرنسا اعلنتا انهما لاتعاديان شعب مصر وانما معركتهما مع عبد الناصر فقط .. ومع ذلك فقد اقترح المرحوم صلاح سالم على جمال عبد الناصر ان يذهب الى السفارة البريطانية ويسلم نفسه انقاذا للبلاد من اهوال التدخل البريطاني الفرنسي.. وكاد يصعق عبد الناصر لهذا الاقتراح ورد قائلا: انه لو كان الامر متعلق بشخصي لفعلت ذلك فداء لمصر ولكن الامر اصبح امر مصر ومستقبل مصر .. ولذلك فاننا رفضنا الانذار ) ..وسرعان مااعترف صلاح سالم بخطئه بعد انه هدأت اعصابه الثائرة وتطوع لقيادة منطقة السويس واذكره الان تماما وهو خارج من قاعة الاجتماع وهو يتبسم وسلاحه في وسطه ثم سلم على الجميع واستقل عربة جيب مباشرة من القيادة الى الميدان.. واجتمع بعض رجال الاحزاب المنحلة وقرروا تشكيل وفد منهم لمقابلة عبد الناصر لاقناعه بالموافقة على قبول الانذار.. الإ ان عبد الناصر رفض الاجتماع بهم مهددا بانه سيأمر بقتلهم رميا بالرصاص لو اصروا على موقفهم.
سحب قوات
وذهب بعض اعضاء مجلس الثورة الى الوحدات ليكونوا معها في تلك الفترة العصيبة يحاولون ان يشجعوها على صد التدخل.. واذكر ايضا ان عبد الحكيم عامر امتثل لامر الانسحاب واذكر تماما وهو يخرج برقفة الرئيس عبد الناصر من قاعة الاجتماعات الى البهو الكبير تحت سطح الارض ونحن امام خرائطنا.. وكان الرئيس يبتسم ويضحك واخذ يتبسط مع الجميع فردا فردا ثم وسط ذلك ابلغنا قراراه بسحب القوات.. كان يضحك ويبتسم وكأن هموم الدنيا لم تكن فوق كتفيه.) .. وعن نفس الموضوع يقول احمد حمروش وهو احد الضباط الاحرار الذين شاركوا في قيام ثورة 23 يوليو 1952 في كتابه(مجتمع جمال عبد الناصر) وهو الجزء الثاني من قصة 23 يوليو الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت 1978 صفحة104( تحول جمال عبد الناصر كلية الى مواجهة الموقف العسكري …وتغير تقدير موقفه بعد ان ظهرت كل خيوط المؤامرة ,ووجد ان ارسال قوات الى سيناء يعني التضحية بها بين القوات الاسرائيلية من الشرق والقوات الانجليزية الفرنسية المشتركة التي تستهدف احتلال القنال فتحصرها من الغرب ..وكان جمال عبد الناصر حتى ذلك الوقت قريب العهد من عمله مدرسا في كلية اركان الحرب كما كان عنده ايضا الحسن الشعبي الذي انفعل به من تعاطف الجماهير وتأييدها الجارف …ولذا قرر سحب قوات الجييش الى منطقة القناة لتقف مع الشعب في دفاعه عن حريته وقناته,بدلا من دفعها الى سيناء وهي واحد من ثمانية من مساحة مصر كلها والقوات المتيسرة ليست كافية للدفاع عنها في ظروف تفرض الصحراء فيها متاعب ادارية وفنية كبيرة.. ولم يدرك عبد الحكيم عامر للوهلة الاولى فكرة عبد الناصر من الانسحاب) .. وفي الصفحة105 من نفس الكتاب يقول حمروش (استقرت الخطة الدفاعية على اساس تفكير جمال عبد الناصر واعدت خطة الدفاع عن القناة وبدأ التنسيق بين القوات المسلحة وبين جيش التحرير الشعبي الذي شكل وعين كمال الدين حسين قائدا له في 9 اغسطس(اب)عام 1956 واتخذ من مدينة الاسماعيلة مقرا له ..وعندما بلغ جمال عبد الناصر ان عملية الانسحاب قد تمت قال (شعرت على الفور ان مصر قد كسبت المعركة حين احبطت خطة العدو ولو ان قرار الانسحاب قد تاخر 24 ساعة فقد كان الامر كله قد انتهى)..كان عبد الحكيم عامر القائد العام للقوات المسلحة غير مؤهل في شخصيته لتولي هذا المنصب الخطير ولكن جمال عبد الناصر عينه فيه خلال ازمة التناقض مع محمد نجيب ليضمن السيطرة على الجيش لثقته من ولاء عبد الحكيم له باعتباره صديق عمره ولذا فان مواجهة عبد الحكيم عامر للعدوان لم تكن ايجابية ولاديناميكية).. وعن الانذار البريطاني الفرنسي الشهير وتخاذل عبد الحكيم عامر ودعوته للاستسلام وموقف جمال عبد الناصر الشجاع الرافض لذلك الانذار يقول(انتوني ناثنج) السياسي البريطاني المعروف الذي قدم استقالته من الحكومة البريطانية احتجاجا على العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 والذي قابل عبد الناصر عدة مرات قبل وبعد العدوان في صفحة203\204 من كتابه الشهير (ناصر) الصادر عن دار ومكتبة الهلال في بيروت ومكتبة مدبولي في القاهرة عام 1985 الطبعة الاولى(في خلال دقائق معدودة كان نبأ الانذار البريطاني الفرنسي يدوي في انحاء العالم فبادر عبد الناصر الى دعوة مجلس الوزراء للانعقاد الا انه قبل ان يتسع الوقت امام زملائه لكي يجتمعوا وصل فجأة اللواء عبد الحكيم عامر وبصحبته صلاح سالم وطلبا عقد اجتماع خاص ويندر ان يوجد تناقض في المواقف اشد مما تجلى في تلك المناسبة.. فبالرغم من ان عبد الناصر فوجئ بالنبأ فقد ظل في الظاهر على الاقل محتفظا بهدوئه تماما وكان قد قرر فعلا رفض الانذار فورا لكن عبد الحكيم عامر وصلاح سالم كانا اقرب ما يكونا الى الذعر واعلن كلاهما بلا تردد انه ينبغي ان يتوجه عبد الناصر ورفاقه في الحال الى السفارة البريطانية ويعرضوا مباشرة قبولهم للمطلب المقدم اليه.. لم يرد عبد الناصر ردا مباشرا على هذا الاندفاع العاطفي وانما استدعى البغدادي وطلب من عبد الحكيم عامر وصلاح سالم ان يرددا امامه ماذكراه على التو.. فردد عامر ماسبق ان طلبه من عبد الناصر مضيفا ان الجيش في حالة ميؤوس منها وقد لايستطيع ان يقاوم غزوا تقوم به دولتان استعماريتان وان مصر ستصاب بدمار تام بقصف الفرنسيين والانجليز لها من الجو والبحر مما سيؤخرها الف عام, ولن يسمح له ضميره ان يترك الشعب المصري يتعرض لهذا العقاب.. وعندئذ قال صلاح سالم انه يشارك عبد الحكيم عامر رأيه وان على الحكومة ان تذعن فورا والا فات الوقت للحيلولة دون الدمار الشامل للبلاد..
معركة قادمة
ورد البغدادي على هذا كله بانه ليس المهم الان هو قدرة مصر او عدم قدرتها على الانتصار في المعركة القادمة,فان لم تقاتل مصر الان فلن تتوفر لها مطلقا الارادة لكي تقاتل في المستقبل واكد ربما بشجاعة تفوق المنطق ان واجب قادتها ان يذهبوا الى الجبهة وان يموتوا هناك اذا تطلب الامر.. وانهى حديثه قائلا(ان مكاننا الان على القناة لافي القاهرة فاذا هزمنا ولم يقتلنا البريطانيون يتعين علينا ان ننتحر بدلا من ان نقع في ايديهم اسرى) ..واذ ذاك استدعي زكريا محي الدين وتحدث بنفس الاسلوب الذي تحدث به بغدادي وسرعان مااشار عليهم عبد الناصر باعداد جرعة قاتلة من اقراص (سيانيد البوتاسيوم) لكل عضو من اعضاء مجلس الوزراء ثم التفت الى عبد الحكيم عامر وصلاح سالم واخبرهما بصراحة انه يشارك البغدادي رأيه وانه لا يمكن ان تكون هناك مناقشة للانذار الذي يعد غير مقبول من بدايته الى نهايته وانه لن يقبل شروط الانذار المهينة دون قتال وعندئذ سحب عامر طلبه الخاص بالاستسلام الفوري ووافق على المضي في القتال الا ان صلاح سالم لم يقتنع بالكلمات الشجاعة التي سمعها وكان يبدو وهو يغادر الاجتماع متوجها مع عبد الحكيم عامر الى رئاسة الجيش انه اكثر عصبية عن ذي قبل وقد لاحظ عبد الناصر ذلك وخشي ان يوهن صلاح سالم من عزيمة عبد الحكيم عامر ومقاومته فاصدر تعليماته فورا الى عبد اللطيف البغدادي بان يتحقق من ايفاد صلاح سالم الى منطقة القناة حيث يوضع تحت اشراف كمال الدين حسين الذي كان قد عين مشرفا على المنطقة.. وبعد ذلك عقد عبد الناصر اجتماعا قصيرا لمجلس وزرائه باكمله قبل ان يتوجه هو نفسه الى الجبهة ودون ان يذكر شيئا عما دار بينه وبين قائده العام ابلغ اعضاء المجلس انه يعتزم استدعاء تريفيليان فورا وابلاغه ان مصر ترفض الانذار الانجلو فرنسي ووافق جميع الحاضرين تقريبا على ماقرره عبد الناصر.. وكان عدد قليل من الوزراء يشعر بانه قد تكون هناك مخاطرة في هذا الرفض المباشر واقترح ان يجري بحث الموضوع بصورة اوفى قبل اتخاذ مثل هذا القرار الخطير الا ان عبد الناصر لم يكن بعد الحديث الذي تبادله مع عبد الحكيم عامر ينوي السماح لانتشار الانهزامية فقال انه مطلوب من مصر ان تخر ساجدة امام محتليها البريطانيين السابقين المتحالفين مع عدوها اللدود اسرائيل والفرنسيين الممقوتين وانه لايمكن ان يكون ثمة نقاش في هذا الطلب ومن ثم لزم المتشككون القلائل الصمت ووافق مجلس الوزراء بالاجماع في جو من الهدوء المستسلم للقضاء والقدر على رفض الانذار.. وهكذا دخل المصريون الحرب التي فرضها (ايدن وموليه) عليهم دون استعداد في كل ناحية عدا التصميم الشديد الذي بثه عبد الناصر في نفوسهم على الصمود الى ان تتم تعبئة قوة الراي العام العالمي لانقاذهم.)..وهكذا يتضح لنا ان القائد الخالد جمال عبد الناصر هو صاحب قرار الانسحاب من سيناء اثناء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 وليس المشير عامر كما يدعي نجله في حواره كما ان موقف عبد الناصر الرافض للاستسلام والداعي لمقاومة المعتدين هو الذي حقق النصر السياسي الكبير وافشل خطط العدوان بينما كان المشير عامر منهارا ويدعوا الى الاستسلام دون قيد او شرط لقوى الشر والرضوخ لانذارهم وشروطهم…


















