دفاتر مايا.. يحيي ذكريات جيل لبناني مرهق في افتتاح مهرجان برلين

654

برلين‭-(‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬انطلق‭ ‬مهرجان‭ ‬برلين‭ ‬السينمائي‭ ‬الاثنين‭ ‬بنسخة‭ ‬افتراضية‭ ‬بالكامل‭ ‬مع‭ ‬فيلم‭ “‬دفاتر‭ ‬مايا‭” ‬الذي‭ ‬اضطر‭ ‬مخرجاه‭ ‬الزوجان‭ ‬جوانا‭ ‬حاجي‭ ‬توما‭ ‬وخليل‭ ‬جريج‭ ‬لمواجهة‭ ‬تبعات‭ ‬الانفجار‭ ‬المدمر‭ ‬في‭ ‬مرفأ‭ ‬بيروت‭ ‬والجائحة‭ ‬لإنجاز‭ ‬أول‭ ‬عمل‭ ‬لبناني‭ ‬ينافس‭ ‬على‭ ‬جائزة‭ “‬الدب‭ ‬الذهبي‭” ‬منذ‭ ‬أربعة‭ ‬عقود‭.‬

هذا‭ ‬الفيلم‭ ‬الذي‭ ‬يحمل‭ ‬عنوان‭ “‬ميموري‭ ‬بوكس‭” ‬بالإنكليزية‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬15‭ ‬عملا‭ ‬مشاركا‭ ‬في‭ ‬المنافسة‭ ‬على‭ ‬الجائزة‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬يمنحها‭ ‬الجمعة‭ ‬مهرجان‭ ‬برلين،‭ ‬أول‭ ‬حدث‭ ‬سينمائي‭ ‬أوروبي‭ ‬بارز‭ ‬خلال‭ ‬العام‭.‬

وعلى‭ ‬غرار‭ ‬مهرجان‭ “‬ساندانس‭” ‬خلال‭ ‬الشتاء،‭ ‬اختار‭ ‬القائمون‭ ‬على‭ ‬الحدث‭ ‬الألماني‭ ‬إقامة‭ ‬نسخة‭ ‬افتراضية‭ ‬بالكامل‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬محاولة‭ ‬الجهات‭ ‬العاملة‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الإبقاء‭ ‬على‭ ‬عجلة‭ ‬الإنتاج‭ ‬لتلبية‭ ‬متطلبات‭ ‬الجماهير‭ ‬المتعطشة‭ ‬للترفيه‭ ‬خصوصا‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬الحجر‭ ‬المنزلي‭ ‬وإغلاق‭ ‬قاعات‭ ‬السينما‭.‬

وتعود‭ ‬آخر‭ ‬مشاركة‭ ‬لفيلم‭ ‬لبناني‭ ‬في‭ ‬المسابقة‭ ‬الرسمية‭ ‬لمهرجان‭ ‬برلين‭ ‬إلى‭ ‬39‭ ‬عاما،‭ ‬مع‭ “‬بيروت‭ ‬اللقاء‭” ‬للمخرج‭ ‬برهان‭ ‬علوية‭.‬

ويستند‭ ‬فيلم‭ “‬دفاتر‭ ‬مايا‭” ‬إلى‭ ‬قصة‭ ‬حقيقية‭ ‬عن‭ ‬اكتشاف‭ ‬مجموعة‭ ‬رسائل‭ ‬وأشرطة‭ ‬كاسيت‭ ‬كانت‭ ‬حاجي‭ ‬توما‭ ‬أرسلتها‭ ‬إلى‭ ‬صديقة‭ ‬لها‭ ‬خلال‭ ‬سنوات‭ ‬المراهقة‭ ‬في‭ ‬ثمانينات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬إبان‭ ‬الحرب‭ ‬اللبنانية‭.‬

وفي‭ ‬الفيلم،‭ ‬يصل‭ ‬الطرد‭ ‬المشحون‭ ‬برائحة‭ ‬الماضي‭ ‬إلى‭ ‬مونتريال‭ ‬في‭ ‬منزل‭ ‬مايا‭ ‬وهي‭ ‬لبنانية‭ ‬هاجرت‭ ‬إلى‭ ‬كندا‭ ‬تعيش‭ ‬مع‭ ‬ابنتها‭ ‬المراهقة‭ ‬أليكس‭. ‬ويدفع‭ ‬إحياء‭ ‬هذه‭ ‬الذكريات‭ ‬القديمة‭ ‬بمايا‭ ‬إلى‭ ‬البوح‭ ‬عن‭ ‬أسرارها‭ ‬ومكنوناتها‭ ‬بشأن‭ ‬تجاربها‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬الحرب‭.‬

‭- ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬الصدمة‭ -‬

وقالت‭ ‬حاجي‭ ‬توما‭ (‬51‭ ‬عاما‭) ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬عبر‭ “‬زوم‭” ‬من‭ ‬باريس‭ “‬أحيانا‭ ‬أبناؤنا‭ ‬هم‭ ‬الذين‭ ‬يدفعوننا‭ ‬إلى‭ ‬استرجاع‭ ‬ذكريات‭ ‬لا‭ ‬نريد‭ ‬رؤيتها‭ ‬أو‭ ‬نرفض‭ ‬عيشها‭ ‬مجددا‭”.‬

وأضافت‭ “‬نحن‭ ‬لا‭ ‬نشارك‭ ‬تاريخا‭ ‬موحدا‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬ولم‭ ‬نُعد‭ ‬التواصل‭ ‬بيننا‭ ‬كمجتمع،‭ ‬ولهذا‭ ‬نحاول‭ ‬العمل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الفنون‭ ‬والأفلام‭ ‬طرح‭ ‬تساؤلات‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭”.‬

وقد‭ ‬حصدت‭ ‬أعمال‭ ‬حاجي‭ ‬توما‭ ‬وجريج‭ ‬ثناء‭ ‬عالميا‭ ‬وعُرضت‭ ‬لهما‭ ‬أفلام‭ ‬في‭ ‬فعاليات‭ ‬ومراكز‭ ‬كبرى‭ ‬بينها‭ ‬مهرجان‭ ‬كان‭ ‬ومتحف‭ ‬تايت‭ ‬مودرن‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬ومركز‭ ‬بومبيدو‭ ‬في‭ ‬باريس‭ ‬ومتحف‭ ‬موما‭ ‬في‭ ‬نيويورك‭.‬

ويتضمن‭ ‬فيلم‭ “‬دفاتر‭ ‬مايا‭” ‬مشاهد‭ ‬استعادية‭ ‬تعود‭ ‬بالمشاهدين‭ ‬إلى‭ ‬بيروت‭ ‬خلال‭ ‬الثمانينات،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬أجواء‭ ‬الحرب‭ ‬القاتمة‭ ‬لا‭ ‬تحجب‭ ‬تعطش‭ ‬أبناء‭ ‬الجيل‭ ‬الشاب‭ ‬للحب‭ ‬وتوقهم‭ ‬لإيجاد‭ ‬متنفس‭ ‬لهم‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬تُعرف‭ ‬بصخبها‭ ‬وحبها‭ ‬للحياة‭.‬

وأشارت‭ ‬حاجي‭ ‬توما‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ “‬الأهم‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬فقط‭ ‬إظهار‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية‭ ‬والصدمة،‭ ‬بل‭ ‬أردنا‭ ‬أن‭ ‬نبيّن‭ ‬جيلا‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يعيش‭ ‬ويحب‭ ‬ويحلم‭”.‬

وهي‭ ‬كانت‭ ‬تعمل‭ ‬مع‭ ‬زوجها‭ ‬على‭ ‬فيلمهما‭ ‬في‭ ‬بيروت‭ ‬عندما‭ ‬عصف‭ ‬انفجار‭ ‬مئات‭ ‬الأطنان‭ ‬من‭ ‬نيترات‭ ‬الأمونيوم‭ ‬بمرفأ‭ ‬بيروت‭ ‬في‭ ‬الرابع‭ ‬من‭ ‬آب‭/‬أغسطس‭ ‬الفائت‭ ‬ما‭ ‬أودى‭ ‬بحياة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مئتي‭ ‬شخص‭ ‬وجرح‭ ‬الآلاف‭ ‬مخلفا‭ ‬الدمار‭ ‬والفوضى‭ ‬في‭ ‬أنحاء‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬العاصمة‭ ‬اللبنانية‭.‬

ولفتت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬شقتهما‭ ‬والاستوديو‭ ‬الفني‭ ‬وشركة‭ ‬الإنتاج‭ ‬التي‭ ‬يملكانها‭ ‬قريبة‭ ‬من‭ ‬المرفأ،‭ ‬وقد‭ “‬أتى‭ ‬الانفجار‭ ‬على‭ ‬المواقع‭ ‬الثلاثة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬بيتا‭ ‬لنا‭ ‬في‭ ‬لبنان‭”.‬

وأضافت‭ “‬كنت‭ ‬في‭ ‬مقهى‭ ‬مجاور‭ ‬وكانت‭ ‬الصدمة‭ ‬قوية‭ ‬للغاية،‭ ‬لذا‭ ‬احتجنا‭ ‬إلى‭ ‬وقت‭ ‬لنبدأ‭ ‬بالتعافي‭. ‬لكننا‭ ‬لا‭ ‬نريد‭ ‬أن‭ ‬نتعافى‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭. ‬لا‭ ‬نريد‭ ‬هذا‭ ‬الصمود،‭ ‬جميعنا،‭ ‬بل‭ ‬نريد‭ ‬المحاسبة‭”.‬

‭- ‬أمل‭ ‬لحزيران‭/‬يونيو‭ -‬

وأشار‭ ‬المخرجان‭ ‬الزوجان‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الانفجار‭ ‬أعاد‭ ‬إليهما‭ ‬ذكريات‭ ‬الحرب‭ ‬اللبنانية،‭ ‬فيما‭ ‬عقّدت‭ ‬جائحة‭ ‬كوفيد‭-‬19‭ ‬إنجاز‭ ‬تصوير‭ ‬العمل‭ ‬ومرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الإنتاج‭.‬

ولفت‭ ‬جريج‭ (‬52‭ ‬سنة‭) ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬أوجه‭ ‬تشابه‭ ‬كبيرة‭ ‬بين‭ ‬صناعة‭ ‬الأفلام‭ ‬والعالم‭ ‬الحقيقي‭.‬

وقال‭ “‬هذا‭ ‬الفيلم‭ ‬يتناول‭ ‬قصة‭ ‬العزل،‭ ‬ويدور‭ ‬حول‭ ‬امرأتين‭ ‬عالقتين‭ ‬بسبب‭ ‬العاصفة،‭ ‬لكن‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نشبّهه‭ ‬اليوم‭ ‬بالعزل‭ ‬الناجم‭ ‬عن‭ ‬الجائحة‭”.‬

وأضاف‭ “‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬انهار‭ ‬عالمنا‭ ‬كله‭ ‬مع‭ ‬الانفجار‭ ‬وبقي‭ ‬الفيلم‭ ‬يردد‭ ‬صدى‭ ‬حاضرنا‭”.‬

وقد‭ ‬حرم‭ ‬فيروس‭ ‬كورونا‭ ‬الزوجين‭ ‬من‭ ‬فرصة‭ ‬السير‭ ‬على‭ ‬السجادة‭ ‬الحمراء‭ ‬في‭ ‬مهرجان‭ ‬برلين‭ ‬السينمائي‭.‬

ويأمل‭ ‬منظمو‭ ‬المهرجان‭ ‬إقامة‭ ‬عروض‭ ‬للعامة‭ ‬وحفل‭ ‬توزيع‭ ‬للجوائز‭ ‬في‭ ‬حزيران‭/‬يونيو‭ ‬إذا‭ ‬سمحت‭ ‬الظروف‭ ‬الوبائية‭ ‬بذلك‭.‬

وقالت‭ ‬حاجي‭ ‬توما‭ “‬الأمر‭ ‬صعب‭ ‬للغاية‭ ‬لأننا‭ ‬لم‭ ‬نشارك‭ ‬الفيلم‭ ‬حتى‭ ‬مع‭ ‬طاقمنا‭ ‬وفريق‭ ‬عملنا‭ ‬وممثلينا،‭ ‬والآن‭ ‬مع‭ ‬الجمهور‭”.‬

وتابعت‭ ‬قائلة‭ “‬لكننا‭ ‬أيضا‭ ‬سعداء‭ ‬لأن‭ ‬نكون‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬المنافسة‭ ‬مع‭ ‬صانعي‭ ‬الأفلام‭ ‬الآخرين‭ ‬الذين‭ ‬نحبهم‭ ‬ونحترمهم‭. ‬ونأمل‭ ‬حصول‭ ‬ذلك‭ ‬حقا‭ ‬في‭ ‬حزيران‭/‬يونيو‭! ‬سيكون‭ ‬الجميع‭ ‬هناك‭ ‬وسيكون‭ ‬الأمر‭ ‬رائعاً‭”.‬

مشاركة