الشاعر والكاتب الإماراتي محمد سعيد الضنحاني: القصيدة تولد من مدن العشق

الشاعر والكاتب الإماراتي محمد سعيد الضنحاني: القصيدة تولد من مدن العشق

الزمان – الفجيرة

عندما يُذكر محمد سعيد الضنحاني يحضر الشعر النبطي: القصيدة الوطنية الإماراتية، وقصائد العشق والمقالة، ويحضر المسرح: الرائد للمسرح، والكاتب والسيناريست. وتحضر الدراما التلفزيونية: كاتب مسرحي  ومنتج، وتحضر الاغنية الخليجية : قصيدة الغناء ،وتحضر مدينته الجميلة (دبا الفجيرة) الرابضة في أحضان الفجيرة، والواقعة على بحر العرب، والتي جمعت بين التاريخ والجغرافيا والطبيعة في لوحة واحدة، وتحضر شهادته في الجيولوجيا من جامعة الامارات،وتحضر مهماته الإدارية والثقافية الكثيرة : مديراً للديوان الأميري لصاحب السمو حاكم الفجيرة، ونائباً لرئيس هيئة الفجيرة للثقافة والإعلام، ورئيساً لمهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما وغيرها، كل ذلك في أذهاننا ونحن نلتقي معه، ولدينا السؤال الأهم: كيف ولدت هذه الثقافات المتنوعة: القصيدة والمسرح والدراما في وعي الضنحاني الحالم بالقصيدة والحياة ومدن البحر؟

 تحدث الظنحاني عن تجربته في الثقافة والفنون، تلك التي وصفها بالناجحة، حيث بدأت من خلال مجموعة من الشباب في المدرسة الابتدائية التي هي الحاضنة الحقيقية للإبداع، حينذاك شارك الظنحاني في احتفالات اليوم الوطني في الفترة الواقعة بين (1975 – 1986) ومنذ ذلك الوقت انطلق بصحبة زملائه التلاميذ لتحقيق حلمه في المدينة التي لم يكن فيها أي مسرح فلجأ إلى المقهى الشعبي مقدماً هو وزملاؤه العديد من المسرحيات وصولاً لمرحلة الاحتراف وتأليفه للعديد من المسرحيات التي شاركت في أيام الشارقة المسرحية، من خلال فرقة دبا الفجيرة، ويعد إنشاء مسرح دبا الحالي ترجمة الكثير من المقترحات والأفكار منها ابتعاث طلاب لدراسة المسرح في مصر، واستجلاب متخصصين في المسرح العراقي لينشطوا عمل فرقة دبا، بعد ذلك، خرجت الفرقة بأعمالها من المحيط المحلي إلى العالمي فعرضت في إيطاليا، وكانت المرة الأولى التي يعرض فيها عمل إماراتي على المستوى العالمي . في الجانب الشعري كانت البداية منذ عام 1985 حين كان طالباً في الجامعة، وكان حينها رئيساً لجمعية الجيولوجيين، وبعد نضوج تجربته اهتم بتقديم قصائد شعرية من أجل خدمة الفعل الدرامي في كثير من الأعمال المسرحية. وعن سر هذا التنوع الثقافي في فنون الجمال والحضور الشعري المتألق يقول الضنحاني، لقد شكل المكان لي حافزا كبيرا في تأسيس مداركي الثقافية ، وتعميق الإحساس الشعري بالمكان كرمز اجتماعي ونفسي وثقافي، والمكان كما أرى عنصر مؤثر ، وهو يتأثر بالشخصية لأنه يمنحها هويتها وارتباطها به كارتباطه بالحدث ، كما يكتسب المكان اهميته و ديمومته بتماثله بدرجة او بأخرى مع العالم الحقيقي خارج النص والذي يتم من خلال الية الوصف التي لها الدور الكبير في تجسيد معالم المكان و تمثيله في فنون الادب والمسرح .باختصار وظائف فالمكان هو  الوعاء الذي تزداد قيمته كلما كان متداخلا بالعمل الفني والثقافي ، هو الكيان الاجتماعي الذي يحتوي خلاصة التفاعل بين الانسان و مجتمعه ،اي ان المكان يعد عنصرا مؤسسا لنص ابداعي قائم بذاته له دلالته الخاصة به و تفاعلاته مع بقية العناصر المولدة له مثل الزمن ، الشخوص الاحداث.  وهذا يعني أن مكان الميلاد والشباب (دبا الفجيرة) فجرت فيك حب الاستطلاع الثقافي والاجتماعي، وحب التعبير بلغة الادب والمسرح؟

– أنا اعتقد أولا أن المكان يكتسب دلالة رمزية مشحونة بمعان ذاتيّة تعبّر عن أحاسيس الحبّ والوفاء والولاء للمكان بوصفه جزءا من هوية الشعب والوطن، وثانيا ان المكان، وهي منطقة (دبا الفجيرة) المطلة على بحر العرب، وطبيعتها الخلابة، وانسانها البسيط، وتضاريسها المتنوعة، هي حالات شحن عاطفي ومعرفي لتحريك الذات، باتجاه تفجير قدراتي في التعبير للتأكيد على هويتي وانتمائي للمكان. لذلك لا اخفيك بأن مدينتي هي الوحيدة التي نسيت فيها قلبي. فأنا لست صوفيا انا انسان حسي حتى النزيف لذلك أغلي المدن تلك المدن التي نسيت فيها صباي، أي تلك التي فرطت عنقود العمر.

{ ولماذا التعبير بالشعر النبطي؟

– قلت ان المكان يشكل دائما بيئة الكاتب الثقافية والمعرفية، بمعنى ان التعبير ينبغي ان يكون متناسقا مع البيئة ومتطلباتها، ومتكيفا مع اتجاهاتها الاجتماعية والنفسية، لهذا كنت حريصا على مخاطبة اهل مدينتي بلغتهم واحاسيسهم  ، خاصة ان الشعر النبطي من الفنون الأدبيّة الشعبيّة شائعة الاستخدام في منطقة الخليج العربية ، وعلى الرغم من كثرة الانتقادات الموجّه إلى هذا النوع من الشعر -ومنها أنّ هذا النوع من الشعر وُجد للقضاء على اللغة العربية الفصحى- إلا أنّه تطور وحظي بمكانة جيّدة بين أنواع الشعر الأخرى في مختلف الأزمان، فقد تبيّن أنّ الشعر النبطي يستخدم قواعد وأصول الشعر العربي الفصيح.  ومن صفات الشعر النبطي أنّه عبارة عن شعر عربي ذي لحن، مليء بالأصوات والمفردات العامية شائعة الاستخدام، ويعدّ من أشهر أنواع الشعر غير الفصيح عند العرب، ويسمّى بعدّة أسماء منها: الشعر الشعبي، والملحون، والحميني، والبدوي، والعامي.

{ وماهي حكاية المسرح والدراما التلفزيونية؟

 – هي امتداد لكتابة الشعر ، وامتداد للمكان ، وتعبير عن الذات ،والتفاعل مع الناس بشكل مواجهي ، وهي تراكم للثقافات التي كنت أقرأها ، ولحركة التغيير المجتمعي ،فقد كانت البداية مع زملاء لي يحلمون نفس الحلم والرؤية ، وكانت المقهى المكان الأول لعرض المسرحيات والتفاعل مع الناس ، ثم كبر الحلم ، ونضجت الرؤية ، وكانت اللحظة الفارقة في حياتي هي تأسيس فرقة مسرحية ، فكانت مرحلة بناء العلاقات مع الأردن والمغرب، والاستفادة من التجربة المسرحية في كل منهما، ثم التوجه إلى الفن المونودرامي، وهو فن برزت فيه دول أوروبا الشرقية، فأعلن عن مهرجان المونودراما في الفجيرة من خلال مهرجان المسرح الأردني في 2001 تم بعدها افتتاح مسرح دبا الجديد في عام 2002 وفي العام الذي تلاه أقيمت الدورة الأولى لمهرجان المونودراما، وكان التحدي والإصرار ثمرة النجاح الذي تحقق، بتنظيم الدورة الثانية في ،2005 وكانت النقلة النوعية لهذا المهرجان بتحويله إلى منصة دولية بقرار من صاحب السمو حاكم الفجيرة، وهو الذي استتبع بإنشاء هيئة الفجيرة للثقافة والإعلام، التي احتضنت المهرجان، وتوسعت نشاطاته على المستوى الدولي بعد تأسيس جائزة الفجيرة للنصوص الدرامية وجائزة الفجيرة للإبداع المسرحي التي تمنح للمتميزين على مستوى العالم وأعطيت جائزتها الأولى للبريطاني بيتر بروك والثانية للكويتي عبدالحسين عبد الرضا، وتابع الظنحاني بالحديث عن إطلاق جائزة باسم المسرحي الروسي فاليري كازنوف رئيس الرابطة الدولية للمونودراما لدوره في التعريف بتجربة الفجيرة المسرحية في الخارج، وأحد داعمي مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما، وهو الذي استكمل بإنشاء مجموعة الفجيرة للإعلام التي تضم 6 محطات إذاعية ومحطات تلفزيونية خاصة إضافة إلى محطة الفجيرة الرسمية كما حصلت على جائزة أفضل مؤلف عن مسرحية (الغافة)، وذلك في حفل ختام أيام الشارقة المسرحية في دورتها الرابعة والعشرين.

واشعر اليوم بالسعادة الى ما وصلت إليه الحركة المسرحية في الفجيرة من تطور نوعي ،وتوسيع مظلة المشاركة الدولية ودعم الشباب المسرحي في كل مكان، وهو الذي رسخ العلاقات الدولية لمهرجان الفجيرة مع الاتحاد الدولي للمونودراما، بعد أن فازت الإمارات برئاسة الهيئة الدولية للمسرح خلال انتخابات المكتب التنفيذي للهيئة والمنعقد في العاصمة الأرمينية، يريفان، بعد أن حسم المرشح الإماراتي محمد سيف الأفخم النتيجة النهائية للانتخابات من الجولة الأولى متفوقاً على منافسيه من ست دول عريقة بهذا المجال، بأكثرية الأصوات ليكون العربي الوحيد الذي يتبوأ هذه المكانة في تاريخ هذه الهيئة الكبيرة .

{ وما يتعلق بالدراما التلفزيونية؟

– شعرت مبكرا بأهمية العمل الدرامي في حياة الناس، وبأهمية الدراما كرسالة إعلامية للتوعية والتثقيف، مما دفعني الى خوض تجربة الكتابة والإنتاج، واحمد الله انني نجحت في هذه التجربة باقتدار، لأنها أصبحت لها حضورا متميزا في الحياة الفنية والثقافية، واكتسبت شعبية جماهيرية اثناء عرض الاعمال الدرامية التي كتبتها لأنها كانت تعبيرا حقيقيا عن البيئة الإماراتية ومعاناة العائلة، وهموم الشباب ومشكلاته. وقد حصلت هذه الاعمال الدرامية جوائز محلية وعربية واوربية كألمانيا.

{ وكيف ترى ادب وفنون منطقة الخليج العربي، هل هناك ما يميزه؟

يقول الضنحاني، في تقديري أن من أهم القضايا التي تحولت إلى سمة رئيسة في أدب المنطقة هي قضية التحضر، أو قضية المرور عبر برزخ الحداثة من مجتمعات بدوية أو زراعية أو بحرية بسيطة وشبه متحضرة إلى مجتمعات تعيش إشكاليات التحديث في القرن العشرين ثم الواحد والعشرين. هذه قضية كبرى ليس في أدب المنطقة فحسب، وإنما أيضاً في مناطق كثيرة من مناطق الوطن العربي وفي ما يعرف بالبلاد النامية ككل وإن تفاوتت في الأشكال والمستويات والآثار. البعد الجغرافي يقول لنا بوضوح إن منطقة الخليج منطقة صحراوية أولاً وريفية وبحرية ثانياً. وأدب المنطقة مضطر للتعامل مع هذا الواقع لأن البيئة تفرض نفسها سواء وعى الكاتب ذلك أم لم يعه، لكن الكتاب المتميزين بالوعي وبالإمكانيات الأدبية الخلاقة واعون دائماً بتلك الإشكالية وإن تعاملوا معها بطرائق مختلفة. لذلك فأن انتشار السرد في أدب منطقة الخليج مؤشر بحد ذاته على التحول المدني وعلى نوع مختلف من الإسهام الإبداعي الذي تقدمه المنطقة باقتدار إلى أدبنا العربي. لكن الإسهام يظل في مجمله متنوعاً وثرياً ليس بأشكاله المختلفة فحسب أو بلغته، وإنما بذلك الاختلاف الذي سعت الملاحظات السابقة إلى تبينه ورسم ملامحه، أقصد صدور الأدب عن بيئته الخاصة بدلاً من محاكاة بيئات أخرى، الأمر الذي يمنحه شخصيته المتفردة ضمن التنوع الواسع في المحيط العربي.

باختصار، يمكن القول ان محمد سعيد الضنحاني، الشاعر والرائد المسرحي والكاتب الدرامي، هو من أبرز وجوه الثقافة في منطقة الخليج العربي صوتا وحضورا، واستطاع تحويل المفردة النبطية لتكتسب بعداً إنسانياً وحياتياً، إضافة الى براعته في تجسيد مشاعره بأسلوب أقرب إلى السهل الممتنع موظفا اللهجة العامية أو اللغة الفصحى أحيانا في قالب موسيقي درامي، حيث تلتقي في مفرداته كل المشاعر، فنجده مجموعة إنسان!