الروائي المصري محمد جبريل لـ الزمان **
طفولتي نبع أعمالي**
حاوره عذاب الركابي-الاسكندرية
الروائيّ محمّد جبريل.. هو راهب الكلمة بحقّ، محرابه مضاء أبداً بأنوار صلاة الإبداع الحقيقيّ قلت أحاوره، فقضّت مضجعي حيرة عظمى، وكيف أحاور مكتبة سرد متنقلةً؟ أيّ باب ربيعيّ من أبوابها سيقذف بي إلى حدائق روحه ــ إبداعه.. استنشقت في البدء نسمات مشاعره الجياشة، فوجدتني أفتح كتاباً، بعنوان الطيف، سهل الحروف، رشيق الجمل، عميق البلاغة، فسفور حروفه يدلّ على كنوز بحر لا يهدأ. كاتب ومبدع،بسيط وعميق في الآن.. يؤثر الجدية في الإبداع، يسبّح له بنبض القلب، شرط أن تتوفر الموهبة، وتصدق حالة الإلهام، ويأتي الإيحاء موقوتاً..
الروائي محمّد جبريل موجود في كلّ كلمة خطّتها أصابعه، في كلّ جملة نحتها بخشوع برماد جسده، هو موجود في أغلب أعماله، يقول هذا، ولكنّه يخفي صرخة فلوبير أنا مدام بوفاري أحياناً، ولكنّ قاضي البهار ينزل البحر و حكايات عن جزيرة فاروس وغيرها من الأعمال الأوتوبوغرافية تدلّ عليه.. كلّ عمل من أعماله حلم من أحلامه، يحمل رؤاه،وفكره، وأمانيه، هو في الحقيقة نفسه مادة كتابه كما عبّر مونتان
كاتب غزير الإنتاج، قلمه وورقه ذاكرة زهرة ربيعية،، وقريحته صافية كوجه نهر فتيّ،القراءة عادته، صلاته الواجبة، وشغله الشاغل، لحظة اصطيافه الوحيدة.. القراءة عالمه المخمليّ، وهو السندباد العاشق لا كتابة من دون قراءة، هكذا يرى، ولهذا يتوهج، يبدع، يتجدّد في كلّ عمل إبداعي
هذا المبدع الكبير لم يعشق مدينة كعشقه للإسكندرية، فهي الملهمة الأولى، ولولا سحرها الأنثويّ الكونيّ وعطرها النستولوجيّ لما قرأنا هذه الأعمال الإبداعية التي فاضت بها قريحة مبدع وعاشق أسطوريّ اسمه محمّد جبريل.. على صفحات أعماله القصّصية ــ الروائية تتجدّد الإسكندرية، تسعد في ليلها الطويل، وشتاءاتها الدافئة، تفوز بتاج الجمال على مدن تسهر بقلب فينوس، تتفوق إسكندرية محمد جبريل على روما كاليفينو وعلى ماكوندو ماركيز، و باريس أراغون.. هي كلّ هذه المدن مجتمعة، ونواة السحر، عطرها في كلّ الفصول، وساعاتها المخملية تدقّ حتى آخر قطرة حبر في قلم هذا المبدع الكبير
محمّد جبريل الكتابة لديه ليست تسليةً، وليست متنفسا ً، بل وجود.. حرية.. أداة مقاومة فالمقاومة مشروعه الإبداعي فيما كتبه وسيكتبه.. حديثي معه يجتاج إلى إصغاءة فقط.. وبعدها لكم كلّ ما في أعماله من موسيقا وأحلام..
. تأثرت في بدايتي في أيام طه حسين.
الكاتب والروائي الكبير الأستاذ محمّد جبريل مكتبة سرد متنقلة، أكثر من أربع وثلاثين رواية،وثلاث عشرة قصّة قصيرة، وعشر دراسات نقدية مهمّة، وكتاب سيرة ذاتية.. قل لي أيّ مغامرة شاقة ــ عذبة هذه؟ ماذا أخذت منك؟ وماذا أعطتك؟
لا أميل إلى أفعل التفضيل فى نظرتى إلى الإبداع، القصة القصيرة والرواية بخاصة. ربما لأنى أذكر البداية فى قراءات طفولتى وخبراتى الساذجة، حاولت ما ادعيت نسبته إلى هذا الفن أو ذاك، مجرد كتابات غلبت عليها السذاجة، وتأثرت ــ إلى حد المحاكاة ــ بإبداعات طه حسين والحكيم والمنفلوطى والزيات والمازنى وعبد الحليم عبد الله ومكاوى والشارونى وإدريس وغيرهم لم أكن قرأت نجيب محفوظ بعد .
كانت محاولتى الأولى الملاك تاثراً بأيام طه حسين، ما أنهى به الجزء الأول من كلمات مؤثرة، يشكر فيها لزوجته السيدة سوزان رعايتها له، ولابنيه أمينة ومؤنس. أردت أن أعبر عن شعور الفقد بعد رحيل أمى قبل أن أبلغ العاشرة، لجأت إلى كراسة صغيرة، كنت أسجل فيها ما يستهوينى من تعبيرات، صنعت توليفة سردية أقلها من كلماتى، ومعظمها من تعبيرات كبار المبدعين. قصة قصيرة بحجم تلك الأيام، ورواية قصيرة بحجم أيامنا الحالية.
العمل التالى اسمه ظلال الغروب ، تخلصت فيه ــ إلى حد ما ــ من تأثيرات الآخرين، ربما لأنى حاولت التعبير عن مشاعر مراهق فى عامه الرابع عشر.
x بدأت أعمالك بمجموعة قصصية في تلك اللحظة عام 1970، تلتها رواية الأسوار 1972، يجد جلّ مبدعي السرد،وعلى رأسهم الكاتب الكولومبي غارسيا ماركيز، ثمّ ميلان كونديرا إنّ القصّة القصيرة أصعب من الرواية.. ماحقيقة هذا القول؟ وماوجه الصعوبة بالنسبة إليك؟ وما الفارق بين هذين الفنين؟
أرى أن الجدية التى يتطلبها الإبداع لن يستوقفها ما قد ينشأ من صعوبة. أعجب لمن يتصورون فى القصة القصيرة خطوة أولى تسبق كتابة الرواية، هنا تبين ملامح المقصدار الذى يقيس بالمازورة، أعجب كذلك للتصور بأن المراوغة التى يتضمنها فن القصة القصيرة تتيح لفن الرواية مجالاً أرحب.
أومن أن العمل الإبداعى يكتب نفسه، وقد بدأت كتابة روايتى من أوراق أبى الطيب المتنبى كقصة قصيرة، وتخلقت أثناء الكتابة شخصيات وأحداث، شكلت رواية، وكانت قصتى
نبوءة عراف مجنون كلمات استقالة، تحولت ــ فى عملية الكتابة ــ إلى قصة، ثم صارت القصة فصلاً أو فى روايتى مواسم للحنين ، وقصتى متتابعات لا تعرف الانسجام التى نشرت فى الآداب البيروتية، تحولت إلى ما يشبه الاسكتش بلغة الفن التشكيلى حين يسبق رسم اللوحة الفنية.
بصرف النظر عن النوع الأدبى، فإن الصعوبة التى أتـصورها هى فى مدى الجدية التى يلزم بها المبدع نفسه، سواء فى التحصيل المعرفى، أو فى اكتساب الخبرات، أو فى محاولة الإبداع.
لا أفضلية لجنس أدبي آخر
كروائي كبير له حضوره في خريطة السرد المصري والعربي؟كيف تقيّم ما يكتب وما يقع تحي يديك من هذا الفنّ الراقي؟قل لي لماذا يحزم الكتّاب شعراء ونقاد وصحفيين وفناني حقائبهم باتجاه الرواية؟أهو زمن الرواية فعلاً أم أنّ لقب الروائي هو الأكثر حضوراً وانتشاراً؟ حدّثني
ثمة ما أسميه وحدة الفنون، أو ما تسميه زينب العسال تفاعل الأنواع الأدبية . أجد تفوقاً لافتاً فى الكثير من الإبداعات الفنية والأدبية، بما يعيد إلينا فترة الستينيات التى نشأ فى إطار مشروعها القومى إبداع متميز، تشكلت بانوراميته من مختلف الأجيال الأدبية، بداية من الحكيم ومحفوظ، وانتهاء بجيل الشباب آنذاك، وهو الجيل الذى أزعم انتسابى إليه.
الإبداع المصرى ــ والعربى بخاصة ــ يشهد الآن ازدهاراً لافتاً، لا أفضلية لجنس أدبى على الأجناس الأدبية الأخرى، ولا موات لفن مقابلاً لحياة فنون أخرى. هذا زمن الرواية، وهو كذلك زمن القصة القصيرة والمسرحية وقصيدة الفصحى وقصيدة العامية إلخ.
إذا كانت الرواية تجد إقبالاً من غالبية المبدعين، مع تنوع إبداعاتهم، فلتداخل السيرة الذاتية فى السرد الروائى، وتلامس فن الرواية ببقية الفنون، واقتصار الجوائز العربية والدولية ــ إلا قليلاً ــ على الرواية، ومحاولة السير فى طريق نوبل محفوظ.
أجمع عديد الكتّاب بورخيس، كونديرا، أيوسا، وأكّد ذلك توماس كليرك في كتابه الكتابات الذاتية أنّ الكاتب موجود في كلّ أعماله، ألم يكتب مونتان مقدمة لكتابه يقول أنا نفسي مادة كتابي مارأيك في هذا؟ هل أنت موجود في أعمالك؟ في أيّ عمل يراك القاريء.. جديداً متفجّراً بالحبّ والحياة والأحلام؟
أعترف أنى موجود فى أعمالى، لا أقصد عملاً بالذات، وإنما فى غالبية ما أكتبه. أجد نفسى فى رءوف العشرى فى الخليج ، ومهدى فى المينا الشرقية ، وعماد عبد الحميد فى النظر إلى أسفل ، وربما شاكر المغربى أيضاً فى الرواية نفسها، وأجد نفسى كذلك فى محمد قاضى البهار فى رواية قاضى البهار ينزل البحر ، وحاتم رضوان فى الشاطئ الآخر ، والراوى فى الحياة ثانية ، وبطل نجم وحيد فى الأفق ، وهاشم فى زمان الوصل و زوينة والدكتور وليد فى غواية الإسكندر ، والست نجاة فى البحر أمامها ، والعديد من شخصيات أهل البحر ، بالإضافة إلى ما ينبض فى مجموعاتى القصصية من ملامح لشخصية الكاتب.
أما رؤية القارئ لى فى عمل ــ أو مجموعة أعمال ــ بالمعنى الذى أشرت إليه، وهو التفجر بالحب والحياة والأحلام، فهذا شأن القارئ، وهذه هى رؤيته.
لايجد القاريء أثراً للطفولة في أعمالك.. لماذا؟أهي ضائعة.. مصادرة؟ولم تعشها،ولم تتذوق عسلها وعطرها كصديقك نجيب محفوظ؟ أم أنها تلاشت تحت أنياب زمن مراوغ وخؤون؟
أستأذنك فى القول هذا اتهام ظالم. أنا أكتب الرواية والقصة القصيرة، وطفولتى هى النبع الذى استقيت منه معظم محاولاتى الإبداعية. من الصعب أن أحدد عملاً ما، لكن هذه الطفولة التى تفتقدها، تبين عن الكثير من مكوناتها فى مجموع أعمالى بما يصعب إغفاله، الكتّاب، المدرسة، المسجد، الروحانيات، الحى، الشارع، الحارة، البيت، تلامس اليابسة والبحر، الأساتذة، الأهل، الأصدقاء، المعارف، ألعاب الأولاد فى الشارع الخلفى، الموالد، سوق العيد، وعشرات المفردات التى تشكل صورة حياة، ليس فى الأمر ضياعاً ولا تلاشيا، ولو أنى تصورت خلو أعمالى من مرحلة الطفولة، فسأكون قد استغنيت عن الدعامات التى قامت عليها هذه الأعمال.
القراءة شاغلي الأهمّ
القراءة حلم متلوّ بيقظة، أبسط تعريف.. ؟ وما طقوسك في القراءة؟ ومن من الكتّاب استوقفك كثيراً، وأعدت قراءته أكثر من مرة؟ حدّثني
أشرت فى كتابى للشمس سبعة ألوان وهو محاولة لقراءة تجربتى الإبداعية ــ إلى دور القراءة فى تكوينى المعرفى، والإبداعى. لا أستطيع أن أذكر متى تعرفت إلى القراءة، لأن ذلك قد حدث فى سن باكرة للغاية، متى تنبهت إلى مكتبة أبى، ما أول كتاب
حصلت عليه، من هم الكتاب الذين قامت عليهم قراءاتى، ما التأثيرات التى استفزت بها قدراتى الإبداعية؟.. أسئلة كثيرة طرحتها على نفسى بعد أن صرت قارئاً، ثم كاتباً، فلم أجد ردوداً واضحة. وحتى الآن فأنا أعتبر القراءة شاغلى الأهم، لا أمارسها وفق طقوس محددة، فقد اعتدت أن أقرا فى أى مكان، بل إنى أستبدل بسيارتى الخاصة استعمال الأوتوبيس، لأن الأوتوبيس يتيح لى الخلو إلى كتاب وقلم أسجل به ملاحظاتى على الهوامش. أما الكتاب الذين قرأت لهم فلعله من الصعب أن أدرجهم فى قائمة، ثمة من حرصت على قراءة معظم أعماله مثل ديستويفسكى وزولا وبلزاك ونجيب محفوظ ويوسف إدريس وهمنجواى وجارثيا ماركيث وغيرهم، وثمة من أحدثوا فى وجدانى تأثيرات هائلة من خلال قراءة نماذج من أعمالهم، أو قراءة عمل وحيد قد يكون بيضة الديك، من حيث الكم أو القيمة. لا أستطيع ــ على سبيل المثال أن أنسى عملاً عبقرياً مثل الخيط الأبيض لمفيد الشوباشى، ولا أيام طه حسين، ولا شرق المتوسط لعبد الرحمن منيف، ولا بولا لإيزابيل الليندى، وغيرهم.
يقول الإيطالي إيتالو كالفينو في كتابه الرائع مدن مرئية المدن مخاوف ورغبات وأحلام .. هل ينطبق هذا على معشوقتك الإسكندرية؟ماذا تحبّ في هذه المدينة المستلقية في أحضان البحر كأنثى أسطورية؟ ومّم تخاف فيها؟
أذكر خريطة لشوارع الإسكندرية، وضعها أبى وسط جدار الصالة، تعلوها ساعة الحائط البندولية. يحدها من جانبين الميناءان الشرقى والغربى، وتمتد فيها الشوارع والمربعات والمستطيلات، وتتقاطع. التغيّر ــ فى ظنى ــ شهدته الأحياء خارج بحرى. مساحة بحرى المحددة، والمحدودة، احتفظت له بطبيعته الجغرافية، غالبية الشوارع والبنايات والميادين على حالها، التغيّرات المهمة قليلة ــ كما فى ميدان أبو العباس مثلاً ــ لكن القسمات الأساسية للحى لم تتبدل، البحر والكورنيش والجوامع والحدائق والميادين والساحات والشوارع والحوارى والأزقة وغيرها، ظلت فى مواضعها تحتفظ للحي بجغرافيته، وتستعيد ذاكرته، وإن تغيظنى بنايات النفوذ والفئات المرفهة، تفصل بين البحر والمدينة. تقصر التطلع إلى الأفق على أهل الحظوة، وغالبيتهم ــ تصور ــ من الزوار والوافدين، وتشكل حائطاً فى وجه أبناء المدينة الإسكندرية..
لا أعرف ماذا كانت تعنى هذه الكلمة للورنس داريل ولا فوستر ولا كفافيس، ولا لسواهم من الشعراء والروائيين والفنانين الأجانب الذين عبروا عن سنى حياتهم فى الإسكندرية. أثق أن مشاعرهم لم تكن حميمة ولا أخوية. كانوا مجرد أعين راصدة، تنقل المغاير والمدهش والمثير، وإن تخلل كتاباتهم بعض المواقف الشخصية. الفنان السكندرى، ابن المدينة، أو الوطنى الذى انتقل إلى الإسكندرية من مدينته القريبة، والبعيدة، لابد أن تختلف مشاعره تماماً. هنا وطنه.
الإسكندرية تسكننى بذكريات لا تغيب. هى جزء من تكوينى، من حصيلتى المعرفية وعاداتى وسلوكيات حياتى.
الإسكندرية ليست مدينة واحدة. إنها عدة مدن على المستويات التاريخية والمكانية والبشرية. إنها ــ تاريخياً ــ مدينة فوق مدينة. إذا نقبت فى أى موضع من أرضها، فستجد أثراً فرعونياً أو بطلمياً أو قبطياً أو إسلامياً. وهى ــ مكانياً ــ تتمتع بكل مقومات المدينة الكوزموباليتينية، باحتضان المتوسط لها، وانتماء عمارتها إلى الحقب التاريخية التى عاشتها،
واتسامها بالقيم والعادات والتقاليد التى تعبر عن توالى تلك الحقب. وهى ــ بشرياً ــ تحتوى مواطنيها ممن قد تمتد جذورهم إلى أصل المدينة، بالإضافة إلى أبناء المدن المجاورة كرشيد ودمنهور وكفر الدوار وغيرها. وأيضاً بقايا الأجانب من أروام وطلاينة وأتراك وإنجليز وفرنسيين وغيرهم. الإسكندرية مدينة تختصر مدناً، والعديد من الحضارات. أنت تسير فى شوارع المدينة، لا تطأ مجرد شوارع وحوارى وأزقة، لكنك تطأ التاريخ منذ عصور سحيقة بلغ عدد سكان الإسكندرية ــ فى العام المائتين قبل الميلاد ــ مليون نسمة. كانت ثانى مدينة فى العالم بعد روما. وكان أهلها يتكلمون العديد من اللغات، وهى ــ الآن ــ واحدة من المدن الخمسين الكبرى فى العالم.
البحر السكندرى ليس مجرد أمواج وسفن وصيادين، إنه تاريخ وقصص وحكايات. تعدد الانتماءات الأثرية فى قاع البحر السكندرى، يشى بتعدد الحضارات.
أسير فى شوارع الإسكندرية. يلفنى الشعور بأنها الطابق الثالث من مدينة موغلة فى القدم، إسكندرية الفرعونية، إسكندرية البطلمية، إسكندرية الحالية، العربية.
روايتى الشاطئ الآخر تعرض للفترة المفصلية التى تخلت فيها الإسكندرية عن هويتها الكوزموباليتينية. استردت ــ بعودة آلاف الأجانب إلى البلاد التى قدموا منها ــ هويتها الوطنية. أدركت الأم اليونانية أن تصور انتمائها المصرى هو تصور غير صحيح أذكرك بالمرأة الأخرى، الفرنسية، فى قصتى القصيرة الأكسر وأن العودة إلى وطنها الحقيقى هو ما ينبغى أن تفعله. أقدم على التصرف نفسه عشرات الألوف من أبناء الجاليات الأوروبية، وجدوا فى تطورات الأحداث ما يحض على فعل المغادرة. لم يعد فى المدينة ــ إلا نادراً ــ شخصيات مثل جوستين وكليا وبلثازار وميليسا. غابت الإسكندرية الكوزموباليتينية. حلت محلها، أو عادت، الإسكندرية الوطنية، قوامها الصيادون والبحارة وعمال الميناء وأبناء الطبقة الوسطى، وغيرهم. فرضت العربية نفسها لغة وحيدة أو تكاد، فى الرسائل والمخاطبات العادية، ووجدت اللافتات المكتوبة بالعربية موضعاً بين اللافتات المكتوبة بالفرنسية والإنجليزية.
ظنى أنه لو أن أبى ظل على قيد الحياة حتى عام 1956 وما بعده، فإن ظروف عمله كانت ستتأثر إلى حد كبير. كانت مكتبة أبى تضم كتباً بلغات لا أفهمها. عرفت أنها الإيطالية والألمانية واليونانية والتركية، يتشكل عمله فى الترجمة من لغة إلى أخرى. ذلك ما كان يفرضه الواقع الاقتصادى آنذاك. وكان من البديهى ـ فى اقتصار لغة المعاملات على الفرنسية والإنجليزية ـ بالإضافة إلى العربية ـ أن يتحدد مجال عمل أبى بالتالى فى هذا المجال الضيق.
ثمة أغنيات تستثير وجدانى،، فيغيم الدمع فى عينى لملائكية صوت فيروز وهى تغنى لشط الإسكندرية، وأغنية محمد قنديل عن عشق العين لأهل الإسكندرية، وهتاف على الحجار مدد يا مرسى.. ألحق لى كرسى. أغنيات تحرك مشاعرى، تعيدنى إلى البحر والشاطئ والناس والجوامع وحلقات الذكر والجلوات وسوق العيد وزحام شارع الميدان ورحلات السمان والبلانسات والأمطار وتصريف المياه فى جوانب الشوارع والفريسكا والذرة المشوى وصيد العصارى والجرافة والطراحة والسنارة.
إذا كان المكان يغيب برحيلنا عنه، فإننا نستعيده بالحنين. أتأمل الأمطار ـ من وراء زجاج النافذة ـ وهى تسقط على القاهرة. ينقلنى الحنين إلى الإسكندرية. أستعيد مشهد الأمطار المتساقطة على شوارع الإسكندرية. الأغنية التى كنا نرددها فى سنى الطفولة يا مطرة رخّى رخّى.. على قرعة بنت اختى. للشتاء فى الإسكندرية ــ ولأوقات المطر بخاصة ــ طبيعة مغايرة. الأمطار تغسل الإسكندرية أشهر الشتاء، ما بين أولى النوات وآخرها، نيولوك تعده لاستقبال الصيف، ولاستقبال زوارها بخاصة. فى الشتاء، وربما منذ الخريف، تقتصر الإسكندرية على أبنائها، يعيدون التعرف إلى الأماكن التى كان يخنقها الزحام. لم تمثل الحياة على الشاطئ ــ أشهر الصيف ــ إغراء من أى نوع. أكتفى بالجلوس تحت المظلة، والتطلع إلى الأفق.
الإسكندرية ليست مجرد مدينة ساحلية، ليست مجرد بحر وشاطئ وميناء. إنها حياة متفردة لا تماثلها مدينة أخرى تطل على البحر، ولها شواطئها وميناؤها، أبواب مفتوحة على البحر. أنت تجد التفرد فى عبق الروحانية، وفى احتضان البحر للمدينة بما يشكل منها حدوة حصان أو شبه جزيرة، وفى المعتقدات والعادات والسلوكيات التى تسم مظاهر الحياة بالمغايرة والاختلاف.
بحرى أصل الإسكندرية. كيلو متر مربع، من اليمين المينا الشرقية، ومن اليسار المينا الغربية، وفى المواجهة خليج الأنفوشى، لسان أرضى، شبه جزيرة فى شبه جزيرة الإسكندرية.
المغايرة تبين فى الصلة بين البحر واليابسة، وفى مهنة الصيد، وحلقة السمك، وورش المراكب، والمهن المتصلة بالميناء، وفى الروحانية المتمثلة فى الجوامع والزوايا وأضرحة الأولياء ومقاماتهم، وما يتصل بذلك من موالد وأذكار وطرق صوفية.
ماكوندو هى القرية التى اخترعها جارثيا ماركيث، تدور فيها أحداث إبداعاته. المبدع الذى ينتمى إلى بحرى، ويعانق ــ بعينيه ومشاعره وموهبته وحبه ــ مظاهر الحياة من حوله، لن يحتاج إلى اختلاق ماكوندو أو ما يشبهها. إنها بيئة خلاقة، تهب مالا نهاية له من الرؤى والتأملات والتعرف إلى الواقع المتفرد فى أدق تفصيلاته، بدءاً بوسائل العيش، وانتهاء بمحاولة السير فى الطريق التى سار فيها من قبل النديم وسلامة حجازى والتونسى وسيد درويش والحكيم ومحمود سعيد وأدهم والنشار وبيكار والشوباشى والعدوى وعشرات غيرهم.
الشبكة العنكبوتية
كمبدع كبير وكاتب صحفي مرموق ولك يومياتك الثقافية التي يتابعها القراء كيف تقيّم صحافتنا الثقافية؟ لماذا هي متهمة أبداً بأنّها صحافة علاقات ومجاملات ومصالح؟ ماتعليقك؟ وماذا تقترح لصحافة ثقافية جادة ومواكبة لهذا التقجّر الإبداعي شعراً، قصّة، رواية ؟
سأعطى مثلا يوضح وجهة نظرى كان عبد الفتاح الجمل حادياً لمبدعى جيل الستينيات، أتاح لمواهب أبنائه أن تتحقق من خلال صفحة كاملة يومية، واللافت أن معظم من قدمهم
الجمل فى المساء هم الآن فرسان الساحة الثقافية، لكن الصفحات الثقافية ــ أعنى بها الصفحات لتى تخصصها الصحف للإبداعات ــ تحولت إلى مواد خبرية وتحقيقات صغيرة وقضايا تحاول جذب انتباه القارئ، مع إهمال واضح للإبداع الحقيقى الذى يلجأ أصحابه إلى ناشرى القطاع الخاص، فيصدر بفلوسهم، بل إن القصة التى كانت تأخذ مساحة صفحة أسبوعياً فى المساء، تختزل بالضرورة إلى بضعة أسطر فى صفحات الثقافة، وعدا الأهرام التى اعترضت إدارة التوزيع فيها على نية إلغاء قصة الجمعة فى مساحة صفحة، فإن القصة القصيرة جداً، أو القصة الومضة، تلبى ــ فى أحيان كثيرة ــ حرص المحرر على تضمين صفحته مواد كثيرة، معظمها يعنى بأخبار الإبداع، وليس بالإبداع نفسه. أعداد المبدعين فى تزايد، لاعتبارات معلنة، ولا شك أن جريدة أخبار الأدب تحاول أن تؤدى دوراً من خلال صفحاتها القليلة، لكن الأمل فى صحافة مواكبة لهذا التفجر الإبداعى ــ وهو تعبير دقيق ــ يتجه إلى الشبكة العنكبوتية، إنها الوسيلة المستقبلية لتحقيق المواكبة التى تتطلع إليها، بالإضافة
طبعا ــ إلى الجمود الذى تعانى تأثيراته مجلات هيئات وزارة الثقافة. أن أصبح مسئولاً عن مجلة، فأنا أكتفى بالنشر للأصدقاء والمحاسيب.
يرى بعض النقّاد أنّ الصحافة مضرّة للمبدع، والبعض الآخر يراها تمريناً.. كيف تراها؟ أيّ الرأيين أقرب إليك؟وأيّ فائدة جنيتها من الصحافة؟
أظن أن الصحافة أفادتنى إلى حد كبير. إنها أقرب المهن إلى الكتابة الأدبية. ولأن الأدب فى بلادنا لا يؤكل عيشاً، فقد كان العمل فى الصحافة هو المتاح الأنسب لمن جعل القراءة والكتابة ــ مثلى ــ قضية حياة.
إلى جانب ذلك، فقد يسر لى العمل الصحفى إمكانية السفر، وتعدد مجالات القراءة، وزيادة حصيلتى المعرفية، وتعميق صلتى بالمكان المصرى، واكتساب صداقات ربما لم أكن أظفر بها لولا عملى الصحفى.
أما أن الصحافة تسرق الوقت، أو أنها معطلة، فهو مالا أوافق عليه. لقد أتاح لى عملى الصحفى أن أكتب فى كل الظروف، لا أحتاج إلى طقوس من أى نوع كما أقرأ عن أصدقائى المبدعين. فى بالى جلسة العظيم بيرم التونسى على مقهى بشارع السد، وهو يكتب وسط صيحات الرواد ونداءات الجرسون، مختلطة بصخب السوق التى يطل عليها المقهى.
وإذا كنت أحاول فى مجموع أعمالى أن أعبر عن فلسفة حياة، ليس بالمعنى الميتافيزيقى، وإنما بمعنى وجهة النظر الشاملة التى تحاول الإحاطة بالقضايا السياسية والاجتماعية والثقافية، وقضايا الدين والفلسفة والتاريخ وعلم الجمال، كل شيء، بما يشكل فى مجموعه ما يمكن تسميته بفلسفة الحياة. هذا المعنى الذى أحاول الاقتراب منه فى مجموع أعمالى، أفدت فيه من الصحافة كثيراً. أميل ــ بطبعى ــ إلى العزلة، وعدم التواصل بالصورة التى ربما يحرص عليها الآخرون. ولولا الصحافة ربما ظللت رهين بيتى بما يكفل قتل كل شيء يتصل بالحياة فى داخلى التأمل واكتساب الخبرات والصداقات وملامسة الواقع والتعرف إلى العالم من حولى.
مشكلة الترجمة
يقول بورخيس إنّ الترجمة خيانة للنّص هل تعطّل هذه المقولة التواصل الثقافي الإبداعي بين الشعوب؟كيف تقيّم ما يترجم من إبداعنا وما نترجمه للآخرين؟ كمبدع كبير هل أنصفتك الترجمة؟
حل مشكلة الترجمة ــ ببساطة شديدة ــ هو الترجمة، بمعنى أن الترجمة من العربية تتيح لأدبنا أن يطل على العالم، والترجمة إلى العربية تتيح لآداب العالم أن تطل علينا. هذه هى المسألة، بلا حاجة إلى مؤتمرات ومهرجانات وندوات ومحاضرات ومداخلات ووعود وتصريحات عنترية، إلى آخر الوسائل التى أثق أنها ستنتهى إلى ضرورة الترجمة
قضية الترجمة تثار فى الأغلب ــ عقب الإعلان عن جائزة نوبل، يفوز بها أوروبى أو آسيوى أو إفريقى أو أمريكى لاتينى، فتنشط أحلامنا فى تكرار فوز نجيب محفوظ.
يرجع عدد كبير من المثقفين قلة حظ إبداعنا من الانتشار خارج حدود العربية، إلى قلة عمليات الترجمة. ما أقل ما يترجم من إبداعنا، وما أقل ما يستحق الترجمة بالفعل.
حسن الاختيار والشفافية والموضوعية والتنظيم، وسائل مهمة لتقديم إبداعنا الحقيقى، بعيداً عن المؤتمرات التى تستنفد ملايين الجنيهات، وتظل ــ للأسف ــ حبراً على ورق.
بالنسبة لى، فما ترجم قليل قياساً لما صدر لى، وما ترجم من أعمال زملاء آخرين، أورنيكة شتيلى ترجمت إلى الألمانية زهرة الصباح وقلعة الجبل، ود. جمال عبد الناصر ترجم الشاطئ الآخر، والأب جاك جومييه ترجم عدداً من قصصى القصار، ود. عرف كرخى ترجم قصصاً إلى الماليزية. ورباعية بحرى تنتظر الترجمة إلى العديد من اللغات حسب اختيار اتحاد الكتاب العرب لها ــ قبل عشرة أعوام ــ كواحدة من أفضل مائة رواية فى القرن العشرين. والحق أن مشكلتى مع الترجمة ــ هذا هو التعبير الذى يحضرنى ــ لا تختلف عن مشكلتى مع النشر، ومع الحياة الثقافية بعامة. أخذت قراراً ــ من زمن بعيد ــ أن أفرغ للقراءة والتأمل والكتابة، لا شلة، ولا إلحاح على وسائل الإعلام ــ رغم انتسابى للصحافة ــ ولا انشغال بما يصرفنى عن العالم الذى اخترته، وبديهى أن أتحمل تبعات قرارى.
x بعد باب العزيزية مجموعتك القصّصية 2012،و عناد الأمواج رواية صدرت في السنة نفسها.. ماذا ينضج تحت أصابعك الآن؟ أعني ماذا ينتظر القاريء من جديد للكاتب والروائي الكبير محمّد جبريل؟
أراجع الآن على جهاز الحاسوب أحدث رواياتى المعركة الأخيرة لابن أبى الغسان ، وهي عن موسى بن أبى الغسان الفارس الوحيد الذى رفض تسليم مفتاح غرناطة، جاهر برأيه، وخرج لملاقاة الأعداء، وخاض بالفعل معارك قاسية، اضطر فى نهايتها إلى إلقاء نفسه فى النهر، فيستشهد، ولا يأسره الأعداء. لاحظت خلو المراجع العربية ــ تقريباً ــ من سيرة هذا الفارس الجميل، بينما أفردت له المراجع الإسبانية صفحات مطولة، باعتباره تجسيداً للمقاومة فى أعظم تجلياتها، ولأن المقاومة محور مشروعى الإبداعى، فقد وجدت فى سيرة الغسانى ما يدفعنى إلى صياغتها فى عمل روائى.
/8/2013 Issue 4487 – Date 20 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4487 التاريخ 20»8»2013
AZP09






















