الدين والظمأ الأنطولوجي (مفهوم وحدة الوجود)

عبد الجبار الرفاعي يعيد كتابة قواعد العشق لجلال الدين الرومي

الدين والظمأ الأنطولوجي (مفهوم وحدة الوجود)

حميد العبيدي

من أول هذا الكتاب يقرر المؤلف انه لايسعى لتفكيك التفسير الفلسفي للنص الديني فقط، بل يحاول أن يكشف عن خارطة طريق للوصول إلى الله !!! بوصفه إله الحب والرحمة والخير والفرح والجمال والارادة والثقة والحرية والكرامة والسلام،  وليس إله الكراهية والشر والحزن والقبح والاسترقاق والخنوع وأهدار الكرامة البشرية والحرب،  وبهذا فأن الرفاعي يعتبر هذا الكتاب خلاصة أسفار الروح والقلب والعقل مدة تزيد على نصف قرن، لبث فيها يفتش عن ذاته الهاربة!!! والتي لم يظفر بها كلها – حسبما يقول- ص6- ويضيف…كنت اغور كالغواص في طبقاتها ،  وكلَّما قبضت شيئ منها انزلقت مثلما ينزلق الزئبق بين الأصابع . أدركت الا باباً للنجاة الا اكتشاف الذات والعمل على بنائها وترتيبها مادامت الحياة …. اكتب اشواق روحي ، ومسيرة قلبي ،  واسئلة عقلي أنشد إحياء ايمان المحبة والرحمة والجمال والخير والارادة والثقة والحرية والعدل والسلام ….

يحاول عبد الجبار الرفاعي ان يجيب على اسئلة لا يجرؤ احد على ان يسالها ،  فطرح السؤال شجاعة والاجابة عليه فطنة  وذكاء وايمان .. وهنا اورد شيئا من النقاش الذي دار بين جلال الدين الرومي واحد الدراويش حينما ساله .. ( من هو الاعظم برايك .. النبي محمد ( ص ) ام الصوفي ابو يزيد البسطامي ) !!! فاجابة الرومي جلال الدين كيف يمكنك ان تقارن .. فاجاب لم لا !! فالنبي محمد ( ص ) قال… يارب اغفر لي عجزي عن معرفتك حق المعرفة ،  في حين قال البسطامي : طوبى لي : فانا احمل الله داخل عباءتي ؟!!

نهاية المطاف

وهنا اجاب جلال الدين : ان حب الله محيط لا نهاية له ،  ويحاول البشر ان ينهلوا منه اكبر قدر من الماء.لكن في نهاية المطاف،  يعتمد مقدار الماء الذي يحصل عليه كل منا على حجم الكوب الذي يستخدمه.

في حين يوجد لدى البعض براميل، ولدى البعض دلاء، فأن البعض الاخر لديهم طاسات فقط…كان دعاء البسطامي صغيراً وقد روى عطشه بعد ان نهل جرعة، وكان سعيدا بالمرحلة التي بلغها….لكن بالرغم من ذلك لم يتمكن من التمييز بين الله وبين وحدة النفس.. اما النبي ( ص ) اختاره الله ولديه كوب اكبر بكثير لكي يملاْه لذلك سأله الله في القران ( الم نشرح لك صدرك ) ؟ وهكذا شرح صدره وكان كوبه ضخما ،  اوردت هذا النص بتصرف من رواية اليف شفاق قواعد العشق الاربعون ليكون مدخلا لحديثي عن مؤلف الدكتور عبد الجبار الرفاعي الذي نحن بصدد عرضه .

منذ بداية هذا الكتاب يقرر مؤلفه د. الرفاعي بأنه يعرف بأنه يغرد خارج السرب !! فهو يريد_ اي المؤلف _ من وراء هذا الحديث _ أن يقرر

 1-أن يكشف خلاصة أسفار الروح والعقل والقلب التي فتش عنها طيلة نصف قرن والتي يقول بأنها هاربة ولم يظفر بها كذاته.

 2-ان هذا الكتاب هو رسالة في الايمان بمعنى انها وثيقة لاحياء الايمان وليس كتابا ايمانيا.

 3-ان الكتابة الحقيقية هي تلك التي تثير نقاشا جديا (مع، ضد).فهو ينزع الى الحرية ويشتغل خارج اطار المفاهيم والقوالب المتداولة الجاهزة.

 4-كلنا ضحايا سجون واطارات واغلال واوثان فرضتها علينا تقاليدنا وعاداتنا وثقافتنا ذلك هو سر فشل دولتنا وهشاشة مجتمعاتنا.

 5-عزل المسارات عن بعضها، اذ ان كل شيء يفتقد غرضه حين يتم استعماله خارج سياقه، وكثيــــرا ما يقع الخلط بين مفهوم الدين وبين توظيفه خارج وظيفته الحقيقية.

 6-ان تمثلات الدين تفرضها احتياجات الانسان وثقافته المحلية، وهي لاتعبر بالضرورة عن جوهر الدين بل تتكيف تبعا لما يكيفها الواقع ومتطلباته عندما تخضع لمشروطيات ذلك الواقع واكراهاته.

واحتوى الكتاب على 7) ) عناوين تفرعت منها 54) ) عنوانا كل عنوان يستحق ان يكون بحثا او مؤلفا كبيرا استطاع الدكتور الرفاعي ان يختزلها بكل ذكاء ودقة ودراية ليصل بعدها الى المفاهيم الصحيحة التي يحاول ان يؤسس لها.

ففي نسيان الذات والتي يريد بها (الانا الخاصة ) وهي بداية الحياة الحقيقية ،  وبهذا فان الفرد يبدأ حياته اولا بطلب الحرية لكي يمارس مسؤوليته تجاه ذاته ،  ويقرر بان الحرية لاتمنح بل تمتلك ،  وعلى هذا فان الحرية اشق من العبودية لانها تمثل ( ارادة ،  حضور ،  استقلال ،  شجاعة ،  مسؤولية ،  خيار ايماني ،  موقف ) في حين ان العبودية (هشاشة وغياب واستقالة ،  خضوع ،  انقياد ،  تبعية ،  لاموقف ،  لا ابالية ،  لامسؤولية ) .

ثم يقوم بـ(تنميط الكائن البشري ) اي بمعنى صهر الذات في المجموع ومحو كل شيْ بشيء بخصوصيتها وهويتها المتميزه ،  واللافت للنظر – حسبما يقول – ان هذه الجماعات تهتم بكل شيء خارج الذات ،  في ما تعد الاهتمام بالذات انانية وتفاهه ومروق عن الجماعة وانحراف عن الوظيفة العظمى في انقاذ الجماهير وهنا تظهر ( الشخصية المستعاره ) فعندما يغيب الوعي الفردي ،  تضمحل تبعا له الهوية الشخصية ،  وتتلاشى الذات في الجماعة ،  في هذه الحالة تختفي الشخصية الحقيقية الاصيلة ،  ويسود نموذج الشخصية الغيابية المستعارة .ويفضي ذلك الى سيادة روح القطيع ،  وشيوع منطق الجموع واحكامها الجاهزة ،  وتتبدل معه معايير الحقيقة والحق والقيم ،  بنحو تمسي معه الحقيقه والحق والقيم امور منحصرة . بما يقضيه منطق الجمهور ،  ورغبات الجمهور اي ان ما كان اصيلا وحقيقيا لامحل له في معايير واحكام الجماعه . ويؤول ذلك الى تفشي التعصبات ،  والنزعات الغاشية ،  لان اي شخص او جماعة بشرية ،  لاتتبنى القيم السائدة في معتقدات وسلوك الجمهور لن تجد من يقبلها ،  وتنفى . وهنا ياتي دور (الانسان كائن حي ،   فيقرر الدكتور الرفاعي ان في كل شخص عميق صوت طفل لانسمعه ،  ففي كل شخصية كائن بشري بؤرة مضيئة او اكثر ،  في الجسد او العقل او العاطفة او السلوك ،  حتى ينطبق هذا على اسوأ البشر ويصل الى حقيقة هي ان حب الله والانسان والعالم يبدأ بحب الذات . نسيان الله في الذات نسيان الله في العالم …. من لايلتقي الله في ذاته لايلتقيه في العالم . من لا يرى الله في ذاته لا يراه في العالم . وعلى هذا فالايمان خيار شخصي ،  حيث يفر الايمان مع التلقين ،  ويهرب بالقصر والاكراه ،  ولا يكرسه الكلام الكثير عن الدين ويجب على كل المجتمعات البشرية ان تؤمن بـ (الحق في الاختلاف) لان ذلك ضروره تفرضها طبيعة الكائن البشري ،  وهنا يقرر الرفاعي مبدأ انسانيا راقيا فيقول …. ينبغي ان يحمل مصباحا يضيء للناس ما تراه سراطا مستقيما لا أن تتحول الى قضاة فننصب محاكم لتفتيش ضمائرنا ،  والتحري عن معتقداتهم .

ثم يصل الرفاعي الى المحطة الثانية وهي صعوبة الاعتراف ،  وتكمن هذه الصورة في ان الانسان بطبيعته عاشق لنفسه لذلك  ينزع كل منا لتنزيه الذات ،  ويعمل على رسم صورة زاهية مشرقة لها من اجل ان ترمقه العيون بكثافه ويحدث اهتمام وضجيج من حوله يشبع غروره ونرجسيته ،  وتحت عنوان صعوبة الاعتراف نجده يعترف بكل جرأه وشجاعة وايمان مطلق بانه يتكلم الحق فيقول ( اكتشفت في وقت مبكر اشخاصا من زملائي الاسلاميين مات الانسان في داخلهم ثم هتكت تجربة السلطة في العراق عورات بعضهم فمات الله في داخلهم انهم ممن نسوا الله فانساهم انفسهم ،  فوظفوا كل ما وهبهم الله من ذكاء ومهارات في الكيد والغدر،  واستهداف البشر والنيل منهم والتامر عليهم ) وهو ايضا بكل شجاعه ودقة يقرر بان الاعتراف ثقافة غريبة على مجتماعاتنا ثم يبدأ بسرد بعض سيرته تحت عنوان ( الاقدام الحافية لايرهقها تراب الازقة ) (الاحتماء باسماء ليست جميلة للابناء) و( تديّن امي غرس الايمان في روحي ) و ( لاذاكرة مكان في وجداني) ثم ( طفولة محيت فيها صورة الطفل ) فيصل بعدها الى سرد دخوله الى المدرسة وكيفية تعامل المعلمين معه ويصف المدرسة التي تعتبر مجازا مدرسة ،  اذ انها في الحقيقة صريفة من الحصران ويبدأ بتقييم التدريس فيقول ( تربيتنا تبدأ وتنتهي بالتلقين . تعليمنا يبدأ وينتهي بالتلقين لاينشد التلقين الا تعطيل العقل والكف عن التفكير والانقياد الاعمى ) ويصل الى تحليل شخصية المعلم الذي كان يتلذذ باهانة الطلبة والتنكيل بهم فيقول ….لعل معلمنا يستوفي ديونا متراكمة من اضطهاد تعرض له في طفولتة من الابوين وغيرهما في العائلة ….. فالمقموع يمسي قامعا ،  والمعنَف يصير معنِفا هكذا هم المعلمون المقموعون ممن يتعرضون لتربية عنيفة وتضطهدهم سلطة فاشية ويعيشون في مجتمعات مغلقة . مشكلة مجتمعاتنا ان منظومة الثقافة المغلقة لدينا تعيد انتاج نفسها ،  فيتحول المقموع قامعا والمظلوم ظالما والسجين سجانا والضحية جلادا والمناضل بعد ظفره بالسلطة يصبح دكتاتورا ولصا محترفا وخائنا يخون الله والانسان والاوطان . هكذا بكل جرأة يتحدث عن زمن يعيد نفسه وتجربة تتكرر في كل يوم في مجتمعاتنا.

انتمائه السياسي

وتحت عنوان ( التاريخ يصنع الانسان) يبحر الرفاعي في بحر لجي ليس له قرار ،  ويتحدث عن انتمائه السياسي في بداية شبابه ويشير الى انه تدرب العمل السياسي السري والترويض على الطاعة والانقياد والولاء والتعاطي مع الادبيات الحزبية كالنصوص جزمية يقينية لايمكن التفكير بنقدها فضلا عن نقدها ورفضها فعبد الجبار الرفاعي يرى ان التربية في الاحزاب والجماعات تتمحور عادة على تنميط الذات وتحوي على كل الاعضاء الى نسخ متماثلة رؤيتهم للعالم واحدة ،  اراؤهم واحدة مفاهيمهم واحدة مواقفهم واحدة ،  احلامهم واحده مشاعرهم واحدة وحساسيتهم واحده مزاجهم واحد بنحو تضيع معه لديهم كافة الملامح والهوية الشخصية للذات ….. ويضيف الرفاعي بانه لم يعثر على ذاته الا بعد مغادرة السياسة والابتعاد عن العمل في هذه الجماعات والخلاص من مسالكها الوعرة المتعرجة الموحشة.

وهنا تظهر جليا احدى وصايا العشق وقواعدة …. من السهل ان تحب الهاّ يتصف بالكمال والنقاء والعصمة لكن الاصعب من ذلك ان تحب اخوانك البشر بكل نقائصهم وعيوبهم، تذكر ان المرء لايعرف الا ما هو قادر على ان يحب فلا حكمة من دون حب، وما لم نتعلم كيف نحب خلق الله، فلن نستطيع ان نحب حقا ولن نعرف الله حقا…هكذا هو عبد الجبار الرفاعي.

وعن حياته الروحية الاخلاقية، يقرر الرفاعي بانه تخلص من سطوة التراث، ولكن ليس بمعنى الخروج على الدين…فالانسان كائن متدين، وان اختلفت تجليات التدين، وتباينت التعبيرات الدينية في حياته، فالدين عبادة مشتقة من اعتقاد، ومن تجليات الدين في سلوكية الرفاعي هو التحلي بشيء من الغفران والصفح من دون نسيان، فالصفح لديه امتلاك القدرة على تجاوز الاثر الذي تحدثه الاساءة والتحرر من دائرة رد الفعل التي يبقى الانسان في الغالب اسيرها فكرا وسلوكا.

ويربط الرفاعي بين المحبة والايمان، ويرى ان المحبة لاتمتلك، وتتكرس في ذاتنا الا بالتدريب على حب المحبة.حب المحبة يغذيه العمل المزمن على منح المحبة للغير، ذلك ان ماهية المحبة هي العطاء .بالعطاء المتواصل يتحول جوهر الذات يوما ما الى محبة، وذلك مقام لا يصله الا الافذاذ من ذوي الحياة الروحية الاخلاقية الثرية.ثم تظهر تجليات عبد الجبار الرفاعي الصوفية بشكل واضح حينما يتحدث عن اكتشاف صورة الله في الانسان، فيقول …تنبهت الى ان البواعث العميقة للتدين ترتبط عضويا بحساسيات ومشاعر الانسان وعواطفه، وان الانسان بطبيعته لايهتدي ايمانيا الا بالقدوة العملية الملهمة، تلك القدوة التي تسقيه الارتواء الروحي، وتمنحه السلام النفسي، وتغمره بالرأفة والشفقة، كي تخلصه من الاغتراب، وتشعره بالحماية والامن في الحياة…ويستمر في تجلياته الصوفية،  تتجلى صورة الله لكل شخص من خلال جراحه.الفقير يرى الله في نجاته، الغريق يرى الله في انقاذه…وهكذا، يصل الرفاعي في انقاذ النزعة الانسانية في الدين الى اثبات ان الدين ظل على الدوام أحد أهم منابع الهام قيم المحبة والتراحم والتعاطف والشفقة واحترام كرامة الكائن البشري، ومع ذلك فهو لا يعتقد بأن هيمنة الاسلام السياسي على السلطة قد أساء الى المفهوم الانساني للدين عبر الكثير من الخطابات العدوانية والمفاهيم المشوهة التي تثير التعصبات والكراهية والدعوة لقتل الاخر…

وهنا لابد من الاقرار بفشل الاسلاميين-حسبما يقول-في بناء الدولة، والذي يعود الى عجز معظمهم وقصورهم عن ادراك الجذور العميقة للدولة الحديثة وافتقار الكثير من المسؤولين الى اي تكوين اكاديمي او معرفي او فكري يؤهلهم لاعداد ونظم وبرامج وخطط اقتصادية وادارية وتربوية وعلمية وثقافية معاصرة فضلا عن عدم توفرهم على تدريب مهني وخبرة عملية في ادارة الدولة وبناء مؤسسات السلطة…لذلك لم يعرف بعض هولاء من الدين سوى الاستيلاء على السلطة وليست السلطة في مفهومه الا الظفر بالغنيمة واستيفاء ديون اوجاعه المتمثلة بكافة الوان الاضطهاد والتهميش في الوطن والمنفى.

ويتطرق الرفاعي في مؤلفه الى افكار وفلسفة المفكر الايراني(علي شريعتي) الذي قرأت عنه (دين ضد دين، النباهة والاستحمار، التشيع العلوي والتشيع الصفوي، وهكذا تكلم شريعتي)واقول عنه قبل ان ادخل في حديثي عما كتبه الدكتور الرفاعي، انه لايزال بالنسبة لي لغزا لم استطع ان أفك طلاسمه، فهو مرة يوهمني بانه حيادي علمي متطور، ثم ما يلبث ان يعود الى تكرار ماتعلمه من اساتذته في الحوزة من نظرة فوقية لا تعنى الا بالتبشير بما يعتقدون ولكن باسلوب جديد، واعود الى ما اسماه الرفاعي بـ(المثقف الرسولي علي شريعتي) تحت عنوان ترحيل الدين من الانطولوجيا الى الايدولوجيا ويتطرق في هذا المبحث إلى اتجاهات التفكير الديني في ايران ابتداء من الاتجاه التقليدي مرورا بالاتجاه الاحيائي الفلسفي والتفكيكي الى الاتجاه التجديدي الذي نشأ وتطور خارج الحوزات العلمية، وتطرق الى بعض المفكرين بدءا من صدر الدين الشيرازي ،  ومحيي الدين بن عربي ومحمد حسين الطباطبائي…ثم مرتضى مطهري وحسين منتظري ومحمدحسين بهشتي ومهدي الحائري وجعفر سبحاني وموسى الصدر وكلهم كانوا يسعون الى ايجاد نص فلسفسي مكثف يصير مقولات الفلاسفة المسلمين وينفتح على افاق الفلسفة الغربية الحديثة، ويتطرق الى الاتجاه التجديدي الذي طغت عليه مفاهيم الهوية الذاتية والخصوصية الحضارية والسياقات الاجتماعية والثقافية الدينية المحلية، وعندما يصل علي شريعتي يتحدث عن حياته ودراسته في السوربون في باريس ونيله شهادة الدكتوراة بتحقيقه لكتاب (فضائل بلخي) لصفي الدين البلخي، ثم حضوره لمحاضرات كبار الاساتذة والفلاسفة الفرنسين (ماسينيون) غورمتج، جاك بيرك، سارتر) فتجمعت لديه معلومات هائلة في التاريخ والفلسفة والسياسة والثورة حتى وصف نفسه بانه-علي شريعتي-معلم جيل الشباب ويشدد شريعتي على مضمون الاسلام الثوري الذي يعده مناهضا للاسلام الاصلاحي، ولكي لا نطيل في هذه الفقرة،  نجد ان عبد الجبار الرفاعي اعتمد على علي شريعتي في شرح الكثير مما يعتقد فيه ويؤمن، على الرغم مما يبدو لاول وهلة انه ليؤمن بالثورية والتغيير الثوري، وانما يؤمن بالاصلاح والاقناع والتغيير بهدوء دون اراقة دماء او فقدان ارواح. وبهذا المعنى يقرر الرفاعي ان شريعتي اهمل التوغل في جوهر الدين ولم ينتبه لاكتشاف مضمونه الاجل ومهمته في ارواء الظمأ المقدس…حيث قدم تفسيرا تاريخيا للبعثة وسيرة النبي (ص)..وحاول ان يفكك ما هو تاريخي وما هو ميتافيزيقي، وقد تمحور اهتمامه بما هو تاريخي واهمل ماهو ميتافيزيقي.على ان ذلك لا يمنع من أن تكون لارائه جرأة وشذوذ عن المالوف والمتعارف فهو يرى ان ما هو متداول من الدين باسم الاسلام منذ الغزو المغولي، ليس سوى نمط من الدين الكاثوليكي!!!…ويوغل شريعتي في ذلك حينما يقسم التشيع الى علوي وصفوي، والتسنن الى محمدي واموي، فالاموي يعادل الصفوي والمحمدي يعادل العلوي!؟!

ويظهر الرفاعي بجرأة رأي شريعتي بشان الاخوان المسلمين هذه الحركة التي انهكت الدين وخفضت من طاقته الروحية ، واهملت قيمته المعنوية والاخلاقية ، وشدَّدت على مفهومه الدنيوي الارضي ….وبهذا فهي افشلت الدولة بالدين وسممت الدين بالدولة …ان ما افضت اليه الجماعات الاسلامية التي تمثل ادبياتها البروتستانتية الاسلامية هو توسيع حدود الدين وتمديدها لتستوعب الدنيا بتمامها ، فقد ازاحت الدين خارج مجاله واغتصبت كل ما هو دنيوي ، كما عملت على ترحيل الدين من حقله الطبيعي ووظيفته في اشباع الحاجة للمقدس، وتحويله الى ايديولوجية، التي ستغدوا وقودا لعجلة السلطة.

واخيرا يقرر الرفاعي بأن مشكلة شريعتي وغيره ممن على شاكلته لا يبصرون سوى ما يطفو على السطح من تمثلات الدين في الاجتماع البشري انهم لايبتعدون عن قشرة الدين لايتوغلون الى طبقاته العميقة، هذه القشرة تحجب عنهم استبصار جوهر الدين وابعاده القصية وحينما يصل عبد الجبار الرفاعي الى الحديث عن التجربة الدينية و الضمأ الانطولوجي للمقدس ، يقول ان التجربة الدينية تعني مواجه الله وتذوق حضوره و المثول في حضرتة وتحسس هذا الحضور روحيا هي نحو تجل وجودي للالهي في البشري وهنا يظهر جليا فلسفة جلال الدين الرومي الذي يقول في احدى رباعياته :مولاي ، حينما تمس اصابعك ربابة قلبي .. فأسمع في نحيبي العميق اي سر سأفشي فالكثير من الكنوز تكمن في كل قفر خراب والحب جائزة ثمينة مكانها قلبي وهنا يتحدث الرفاعي ماخوذا بحب الله فيقول التجارب الدينية متنوعة كتجربة الانجذاب والهيبة، تجربة الاعتماد، تجربة الامل ، تجربة الحب، وغيرها.والضمأ الانطولوجي للمقدس ، يعني افتقار الكائن البشري الى ما يثري وجوده، ويكرس كينونته ويمنحة وقودا لحياته اذ تفتقر حياة هذا الكائن الى وقود يحركها، ويشبع حاجتة الى ما تفتقر إليه كينونته ويكشف له سر الحياة ، ويعزز قدراته، بالمستوى الذي يجعله قادرا على التغلب على مشكلة الوجود البشري في هذا العالم.

ويخاطب الرفاعي ذاته التي تغوص في اعماق الهوى والحب والهيام في الله ، فيقول :تفشل الكلمة في الاخبار عن ذاتها فكيف تخبر عن اشواق الرب ، يستمد العشاق اشواق الروح من الحق  تضيئ قلوبهم انوار الحق تمتلىء ارواحهم بوجود الحق  يغيبون في حضرته ، يحضرون في غيبته تصير غيبتهم عن رؤيته رؤية، ورؤيتهم غيبته غيبة ، كل محبوب سواه هو، وكل ما تحسبه العين ليس هو ببصيرة انواره يراه القلب هو ، وان تمثل بوجود سواه.يرتوي ظمأ العشاق الانطولوجي، فيفيضون على سواهم، حيث يخط الحق على قلوبهم الاسرار، تتحول عناصر وجودهم الى صفات الحق كما هي لتكون بها هي.يفتقر سواهم لكل ذلك فيغرقون في الوهم ويتاهفتون على كل ماهو زائف بغية ارواء ظمأهم الانطولوجي الذي يرويه السوى ابدا.

تأثيرات جسدية

وهنا نلاحظ التفسير الميتافيزيقي في افكار الرفاعي فيتحدث مع الروح لاعلاقة له بالجسد انما هو مأمور بما يرويه او يشعر به ليس لة من التاثيرات الحسية سوى انفاس تساعده على البقاء مع البرزخ الذي يعيش فيه ويصل الرفاعي في مؤلفه الى جلال الدين الرومي العاشق، المعشوق الذي يتابعه من ناحية الميثولوجيا والتاريخ،  وهنا يقصد به جلال الدين الرومي الميثالوجي و ليس التاريخي فهو الذي التقى شمس التبريزي وسقاه كأس العشق الالهي وهنا يغرس الرومي بذور ما يمكن تسميته:لاهوت الشفقة، لاهوت السلام، لاهوت الانسانية، لاهوت الرحمة، لاهوت المحبة، لاهوت العشق، لاهوت الجمال وبموازاة ذلك يحذر من :لاهوت الكراهية، لاهوت اهانة الاخر، لاهوت الحرب، لاهوت الموت، لاهوت الحزن، لاهوت الفرقة الناجية فهو اذن تصوف عقلي خرج عن الانساق المغلقة الحرفية لقراءة النصوص الدينية وانتج قراءة لها خارج اطار مناهج وادوات القراءة والفهم والنظرة الموروثة التي اخترع قواعدها ومقولتها الشافعي والاشعري و غيرهما،  لقد منح هذا النمط من التصوف المسلم آفاقاً رحبة في التأويل!!!

ويستمر الرفاعي في تجلياته فيقول :ينبغي ان تميز بين الدين و التدين، الايمان و التدين ، والحياة الروحية والدين …. حين اتحدث عن الدين اعني هنا :البعد الانطولوجي الذي يتمثل في الايمان ، الحياة الروحية، الحياة الاخلاقية، جوهر الدين.

ويغوص الرفاعي في أطروحات الفلاسفة والعرفانيين والمتصوفة ويتحدث عن الايمان و العقل و ارواء الضمأ للمقدس والدين يمنح الحياة معنى ودين الانطولوجيا ودين الايديولوجيا،  والايمان يروي الظمأالمقدس ومعرفه الله غير حب الله والدين هو الحب والحب هو الدين و الايمان ليس علفاً والتدين المفرغ من الحياة الروحية.

ثم يبحث الرفاعي في الجزء الخامس من الكتاب ماجاء بورقة قدمها الى المؤتمر الدولي حول الاديان والقيم السياسية الذي عقد في لبنان عام 2014 وكان عنوان الورقة (اية دولة بلا حياة روحية واخلاقية)؟ وهي ورقة امتداد لما تقدم من أفكار غير انه تطرق فيها الى الانتكاسات التي ألمَّت بالامة الاسلامية، جراء ظهور بعض الممارسات غير الانسانية وغير العقلانية والتي لاتمت للاسلام بصلة كما هو الحال في اسلام داعش وتناول فيها تعامل هولاء مع غير المسلمين وتأكيدهم على تكفير الاخر، وتطرق الى التدين السلفي الذي يفقد الحياة الروحية والاخلاقية ،  ثم الازمة الروحية الاخلاقية والبنية التحتية المنتجة للتفكير الديني وما اصدره الشيخ يوسف القرضاوي من كتب ومؤلفات استندت إلى افكار ومفاهيم جاء بها سيد قطب الذي يؤكد على ان :المجتمعات القائمة كلها مجتمعات جاهلية وغير اسلامية، ….، لان الاسلام لا علاقة له بما يجري في الارض كلها، لان الحاكمية ليست له، العالم كله يعيش في جاهلية وهذه الجاهلية تقوم على الاعتداء على سلطان الله في الارض على أخص خصائص الالوهية وهي الحاكمية ، انها تستمد الحاكمية من البشر.

ويناقش الرفاعي مسألة جد خطيرة ، وهي تفسير الاية ، لا أكراه في الدين،  والذي يشير الى ان كل التفاسير جاءت لتؤكد نسخها، بأية الجهاد، فأورد تفسير الطبري والطبرسي والرازي والقرطبي والسيوطي والالوسي ويقول هنا اوقعتنا قواعد التفسير المتوارثة في التباس دلالي بعد أن اكرهتنا على التخلي عن دلالة اية لا أكراه في الدين مع انها نص قرآني هو الاكثر صراحة ووضوحا في بيان حرية الاعتقاد، ويسترسل الرفاعي حول هذا الموضوع بقوله:أن هذا النمط من قراءة النص الديني المرتهن بمقولات المتكلمين واصول الفقه والتفسير الموروثي افضى لدى بعض الجماعات المتطرفة اليوم الى انتاج فهم للاسلام مفرغ من الرحمة والمحبة تتحول فيه صورة الله الى وحش يفترس كل حياة وجمال ومحبة في هذا العالم وهذا يتناقض مع ما جاء به محيي الدين بن عربي في تجلي صورة الله فهو إله للجمال ، إله الرحمة، إله المحبة،  إله الشفقة،  إله السلام.

ثم ينقل لنا الرفاعي حواراً مع احدى الصحفيات اللبنانيات حول موضوع ومفاهيم تتعلق بـ (لاخلاص الا بالخلاص من أدلجة الدين واعادته الى وظيفته في ارواء الظمأ المقدس) فيكون هو القسم السادس من الكتاب الذي نحن بصدده وملخص الحوار يحمل كل الافكار والمفاهيم ، التي يعتقد بها الرفاعي والتي اوردناها في مقدمة هذا العرض والتي تؤكد على ضرورة ان يكون حب الله هو المعنى الحقيقي لكل سلوك، بعيدا عن التطرف والعنف والاقصاء والترهيب والاجبار وتحطيم الاخر .

وفي الجزء السابع من الكتاب ينحو الرفاعي نفس المنحى في حواراته فيتحدث مع احد كتاب المغرب العربي في حوار نشره في مجلة يتفكرون المغاربية تحت عنوان(تحديث التفكير الديني)

واخيرا وليس اخرا ففي نهاية هذا المؤلف اضاف عبد الجبار الرفاعي لة مقالات منتقاة لما نشر حول الطبعة الاولى للكتاب مع بعض مناقشاته نوردها فيما ياتي:

–         النفس المطمئنة … عبد الجبار الرفاعي . د.سعيد عدنان.

–         مرافعة عن جوهر الدين القاها محام بارع في محمكة الضمير  احمد عبد الحسين.

–         من تغيير العالم الى تفسيره      هاجر القحطاني.

–         الدين بين الايدولوجيا و الانطولوجيا     اسامة الشحماني.

–         نحو عقلانية دينية … الرفاعي نموذج   د.رسول محمد رسول.

–         في الحاجة الى سقراط  د.عماد الرفاعي.

–         من الايدولوجيا الى تجديد علم الكلام    د.عبد الجبار عيسى السعيدي

–         منهجية عبد الجبار الرفاعي    د.فالح مهدي

–         استغلال الايدولوجيا للدين عبد الجبار الرفاعي.

–         فحص العلاقة الملتبسة بين الانسان و الدين في منظور ذاتي 7 د.ناظم عودة

–         لكل من الدين والفن والعلم سياقاته الخاصة 7  عبد الجبار الرفاعي

–         مشاكسة الايام بالاسئلة المشاكسة    د.محمد جمعة عباس

–         سؤالا الدين: اولان مع ادم الاول اخيران مع ادم الاخير    عبد الجبار الرفاعي.