
ساحة حرب بين العثمانيين والبريطانيين والشعب هو الضحية
الدولة العراقية الحديثة 1921 – 2021 .. الإنجازات والإخفاقات وإدارة المستقبل
محمود علي الداود
في مسيرة التاريخ الدولي تؤثر نتائج الحروب العالمية على الخارطة السياسية والجغرافية للمناطق التي كانت مسرحاً للصراع وفي حالة العراق الحديث وتكوينه المعاصر فقد كان لنتائج الحرب العالمية الأولى تداعيات مهمة تمثلت في انهيار الدولة العثمانية التي ظلت مسيطرة على الشرق الأوسط قرابة أربعة قرون لم تترك آثاراً إيجابية عمرانية او ثقافية او اقتصادية وبالنسبة للعراق فلم تترك غير التخلف والخراب . بالرغم من إجراء بعض الإصلاحات الهامشية في السبعينيات من القرن التاسع عشر في عهد مدحت باشا فان الولايات العراقية الموصل وبغداد والبصرة ظلت حتى سقوط الدولة العثمانية عام 1918 ترزح تحت إدارة فاسدة وتفتقر الى ابسط مقومات الحياة الكريمة من معارف وصحة ومشاريع زراعية او صناعية وأية علامة من علامات الحكم الرشيد. ان انهيار الدولة العثمانية بدأ في الواقع منذ بداية القرن التاسع عشر فقد تمكن والي مصر محمد علي باشا في النصف الأول من ذلك القرن من انتزاع معظم ممتلكاتها في المشرق كما اضطرت عام 1878 في مؤتمر برلين الى التخلي عن معظم ممتلكاتها في شرق وجنوب اوربا وفي البحر المتوسط. في نهاية العقد الأول من القرن العشرين حاولت نخبة من القادة العسكريين الشباب من حزب الاتحاد والترقي إعادة الحياة الى الدولة العثمانية عن طريق الانحياز الى محور الالمان في الحرب العالمية الأولى على أمل استعادة نفوذها الذي خسرته منذ بداية المسألة الشرقية وحتى عام 1914 عندما انتزع الإنكليز الكويت آخر نفوذ للدولة العثمانية على الخليج العربي وكان من اهم تداعيات دخول الدولة العثمانية الحرب هو اندلاع الثورات الوطنية والقومية في ممتلكاتها كافة للتخلص من الحكم الاستبدادي العثماني وتقرير مصيرها بنفسها وفق قواعد القانون الدولي بحق الشعوب في تقرير المصير .
وفي هذا الاطار قامت الثورة العربية عام 1916 في الحجاز بالتحالف مع بريطانيا التي تعهدت على لسان مندوبها السامي في مصر السير هنري ماكمهون بدعم إقامة دولة عربية مستقلة بعد انتهاء الحرب وقد اثبتت هذه التعهدات اخفاق البريطانيين الالتزام بها وذهبت ابعد من ذلك بعقد اتفاقية سايكس بيكو مع فرنسا عام 1916 التي رسمت خارطة جديدة للشرق الأوسط في اطار تقسيم مناطق النفوذ بين الدولتين الحليفتين واعقب ذلك مبادرة بلفور وزير الخارجية البريطانية بإصدار تعهد رسمي بريطاني بالموافقة على تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين ايدته فرنسا واصبح هذه القرار اساساً لافضع مآساة في التاريخ حيث وهبت بريطانيا ما لاتملك لمن لايستحق. وبينما كانت قوات الشريف حسين تقاتل القوات العثمانية في الحجاز وفلسطين ووادي الأردن وسوريا بقيادة الأمير فيصل بن الحسين وباشراف بريطاني كانت القوات البريطانية قد بدأت عام 1914 باحتلال العراق بدأ بالبصرة ثم بغداد فالموصل كانت فرنسا مصرة على نيل حصتها من النفوذ بالقضاء على الحكومة العربية في دمشق واجلاء الملك فيصل واعوانه من القادة العسكريين العراقيين من دمشق وكافة المدن السورية .
بعد عام 1918 حتى عام 1920 كانت الصورة السياسية في المنطقة كالاتي
- الشريف الحسين بن علي لازال يصر على ضرورة تنفيذ بريطانيا لتعهداتها كاملة غير منقوصة بدعم تأسيس دولة عربية موحدة تشمل الحجاز وعسير ومعظم المشرق العربي ولايقبل الشريف باقل من ذلك .
- الأمير فيصل بن الحسين كان الأمير فيصل القائد العسكري ولكنه كان ايضاً القائد الدبلوماسي فقد حضر مؤتمرات الصلح في باريس وجنيف وفاوض كافة القادة للدول المنتصرة – لويد جورج رئيس وزراء بريطانيا وكلمنصو رئيس وزراء فرنسا وودرو ولسن رئيس الولايات المتحدة وقد سانده في حملته الدبلوماسية سياسيون عرب مثل رستم حيدر وقادة عسكريون عراقيون مثل نوري السعيد بذل الأمير فيصل جهوداً مضنية في اتصالات دبلوماسية مكوكية في جنيف وباريس ولندن وكان اعتماده الأول على حلفاء والده وهم الإنكليز .
ترك الأمير فيصل انطباعاً رائعاً لدى كافة المحافل الدولية الذي ذهب اليها للحصول على حقوق العرب ولكنه رغم شخصيته المؤثرة والمحترمة لدى أصدقائه واعدائه وما عرف عنه من حكمة ودهاء ولكنه توصل الى حقيقه مهمة وهي ان بريطانيا ليست مستعدة لتنفيذ عهودها للشريف وان من الاوفق عدم ضياع الفرص التي قد لاتعود وهي ان يقبل الشريف حسين عضوية عصبة الأمم والاعتراف باستقلال الحجاز بحدوده الطبيعية مع عسير .
حالة العراق
- منذ اليوم الأول لاحتلال الإنكليز للبصرة ساد اعتقاد واسع بين صفوف العراقيين ان بلادهم ستصبح ساحة حرب بين العثمانيين والانكليز وسيذهب الشعب العراقي ضحية السياسات الاستعمارية البريطانية الجديدة واستنزاف الاتراك والانكليز للموارد العراقية وفي الوقت الذي جند الاتراك عشرات الألوف من شباب العراق الى جبهات القتال على حدود روسيا والى البلقان عمد المحتلون الإنكليز على شراء المواد الغذائية من الأسواق العراقية مما خلق حالة من الفاقة والمجاعات في كافة المدن العراقية وفي الأرياف ناهيك عن سيطرتهم على الموانئ والطرق والجسور إضافة الى انتهاك القيم والتقاليد الدينية والعربية .
- في 30 حزيران 1920 اندلعت الثورة الوطنية العراقية في وسط وجنوب العراق ورغم انها اتسعت الى بقية المناطق العراقية إلا ان العراقيين الشيعة في الوسط والجنوب كانوا قادة الثورة ومشغلها بدعم مباشر من المجتهدين العظام ومن شيوخ العشائر الكبرى . كان هدف الثورة إزاحة الاحتلال البريطاني ونيل الاستقلال وكانت ثورة العشرين الوطنية ثورة دينية ووطنية وقومية في آن واحد فقد تناغمت شعاراتها مع شعارات الثورة العربية وقوت موقف الأمير فيصل إلا انها كانت واضحة الأهداف والمقاصد اعتمدت على النضال المباشر ضد الوجود الاستعماري البريطاني ولم تقع ضحية للوعود البريطانية والدبلوماسية الرسمية وكان قادة ثورة العشرين يتعاملون بحذر شديد مع مايجري في بغداد وتأسيس حكومة مؤقته وصدور قانون أساسي للدولة الجديدة .
الموقف البريطاني
- الموقف العسكري رغم حجم القوات البريطانية والهندية المحتلة للعراق إلا ان الثورة العراقية الحقت اضراراً فادحة بالقوات البريطانية وكبدت الاحتلال أكثر من 80 مليون باون إسترليني اضراراً بالتجهيزات والمعسكرات والطائرات البريطانية وبناءً على توصية السير ونستون نشرشل انعقد مؤتمر القاهرة في 22 آذار 1921 حضره عن العراق جعفر العسكري وساسون حسقيل وتقرر في هذا المؤتمر ترشيح الأمير فيصل ملكاً على العراق وذلك لتفادي الخسائر المالية الكبيرة التي ارهقت الميزانية ومحاولة إرضاء الشريف حسين ان يصبح ولده فيصل ملكاً على العراق .
قام الفريق جعفر العسكري ونوري السعيد بجهود مضنية بقيادة حملة واسعة لتقديم الأمير فيصل الى العراقيين وضمان موافقة الأغلبية المناسبة ليصبح ملكاً على العراق بدعم من الإدارة البريطانية وخصوصاً السير برسي كوكس والمستشارة القديرة والذكية كرترود بل .
مهدت الحكومة البريطانية لهذا التغيير تأليف وزارة برئاسة سادن الروضة الكيلانية عبد الرحمن النقيب واعيد تأليف هذه الوزارة وكان فيها دائماً جعفر العسكري وزيراً للدفاع .
وفي 8 آذار 1921 أخرجت السلطات البريطانية السيد طالب النقيب من وجهاء البصرة ووزير الداخلية من العراق والذي كان منافساً قوياً للملك فيصل على حكم العراق .
الأمير فيصل في العراق
قبل ان يصل الأمير فيصل الى بغداد كان المندوب السامي قد اصدر بياناً في 7 تشرين الثاني 1920 يؤكد رغبة الحكومة البريطانية بالإسراع في تمهيد الطرق التي يتوصل بها الشعب العراقي الى ابداء رأيه في شكل الحكومة الذي يبت فيه العراقيون انفسهم وفي 17 حزيران كانت الحكومة البريطانية قد أعربت عن موافقتها لتشكيل مجلس نواب مهمته الأولى سن القانون الأساسي للدولة الجديدة .
وصل الأمير فيصل الى العراق على ظهر مدرعة بريطانية في 23 حزيران 1921 ووصل بغداد في 29 منه وفي حكومة عبد المحسن السعدون أقر المجلس مبايعه الأمير فيصل ملكاً على العراق وذلك في 11 تموز 1921 وفي 23 آب 1921 تم تتويج الملك فيصل في ساحة القشلة في احتفال مهيب .
الملك فيصل في العراق
رغم ان الكثير من المتطرفين لم يرحبوا بالملك فيصل على أساس انه اختيارٌ بريطاني .
ولكن الواقع اثبت ان هذا الاختيار كان صائباً وان فيصل كان افضل المرشحين من الذين نافسوه كان فيصل يملك صفات شخصية رائعة كان قائداً عسكرياً ناضجاً ومفاوضاً دبلوماسياً بذل كل ما في وسعه لانتزاع حقوق العراق والعرب ولكن الظروف الاستعمارية والصراعات الدولية على مراكز النفوذ كانت اقوى منه. من اهم صفاته الشخصية الصبر والحلم وعدم التسرع وكان يؤمن بحقوق العراق والعرب ولكنه كان يفضل نظرية خذ وطالب وارتكزت دبلوماسيته على النفس الطويل وان الدبلوماسية هي الطريق الأفضل الى حل المشاكل مع الإنكليز والدول المجاورة واتبع هذا الطريق مع بريطانيا ومع اعدائه السابقين مثل العثمانيين والسعوديين ضمد جروح الصراع مع ابن سعود واحتلال الأخير للحجاز ونفي الإنكليز لوالده الشريف حسين الى قبرص
من خلال مؤتمرات المحمره (5 حزيران 1922) وبروتوكول العقير (28 تشرين الأول 1922) واجتماعه مع عبد العزيز السعود سلطان نجد في الشهر الثاني على الدارعة البريطانية (لوبن) تمكن فيصل من حل معظم المشاكل مع ابن سعود واوقف الاعتداءات التي كان يقوم بها المتطرفون من الوهابيين على الأماكن المقدسة في النجف الاشرف وكربلاء المقدسة وتمكن من خلال لجان مشتركة من تحديد الحدود بين البلدين .
في العلاقات مع تركيا نجح في ضم الموصل الى العراق وافشل محاولة تركيا لانتزاعها وعقدت المعاهدة العراقية -الإنكليزية التركية في 5 حزيران 1926 وتخلت تركيا عن كافة ادعاءاتها حول الموصل كما تم في هذه المعاهدة تحديد الحدود العراقية التركية وفي 4 تموز 1931 قام الملك فيصل بزيارة رسمية لتركيا حيث كان موضع تقدير فائق من قائد تركيا الجديد كمال اتاتورك الذي رافقة شخصياً في زيارة طويلة الى استانبول .
وفي 22 نيسان 1932 قام بزيارة رسمية أخرى لإيران بدعوة من الشاه رضا بهلوي وتم خلال الزيارة عقد معاهدات تجارية وقنصلية . في السياسة الداخلية كان يؤكد على أهمية توحيد الهويه العراقية ودعم التوجهات لتشجيع الصناعة والزراعة والتعليم كان لايفضل استخدام العنف لحل المشاكل مع الإنكليز او مع العشائر وكان يعتقد ان الاحترام المتبادل والحكمة هي أساس الحكم الرشيد .
من أولويات أهدافه في السياسة الخارجية كان قبول العراق عضواً في عصبة الأمم والذي تحقق في 3 تشرين الأول 1932 وفي الحفلة الكبرى التي أقامتها آمانة العاصمة في 6 تشرين اول 1932 بدأ الملك فيصل باحسن صحة وعافية وسعادة غامرة والقى خطاباً رائعاً بهذه المناسبة الرائعة .
حفلة كبرى في أمانة العاصمة 6 تشرين الأول 1932 بمناسبة قبول العراق عضواً في عصبة الأمم ومقتطفات من خطاب الملك
اشكر الله واهنئ نفسي وشعبي على هذا اليوم الذي نفضنا فيه غبار الذل وفخرنا بعد جدال سياسي دام سنة بالاماني الكبرى التي كنا نصبو اليها وهي الغاء الانتداب واعتراف الأمم بنا وباننا أمة حرة ذات سيادة تامة وأرى نفسي سعيداً ان اصرح بان هذا الفوز لم يكن ثمرة جهد شخص او اشخاص بل هو محصول سعي أمة باجمعها حيث كانت في اثناء هذا الجهاد مثالاً للصبر والحكمة وطول الأناة وها هو علمنا المحبوب يخفق مع أعلام الدول الأعضاء في عصبة الأمم جنباً الى جنب .
لقد قطعنا هذه المرحلة الشاقة المحفوفة بالمخاطر وها نحن على أبواب عهد جديد تتولى فيها بلادي المسؤولية التامة من تدبير شؤونها وإدارة مقدراتها . ان مستقبل الأجيال القادمة وكرامتها منوطان بما تقوم به في السنوات القادمة من الاعمال وليعلموا ايضاً ان الأمم التي دخلت في مصافها سوف ترقب اعمالنا فإما ستحكم علينا بأننا غير صالحين لنكون اقراناً لهم او سيحقق من ظنها باننا احفاد أولئك الامجاد الذين اقاموا مدنية استنار العالم بضوئها حتى اليوم فالى التسابق في مضمار الرقي والتقدم ادعو جميع شعبي للوحدة .
ولكن الملك فيصل ظل يعاني من العديد من المشاكل الصحية ونصحه الأطباء ان يقلل من جهوده وحرصه وفي 7 أيلول 1933 توفى الملك في احد زياراته لجنيف وكان معه الملك علي ونوري السعيد ورستم حيدر وتحسين قدري وفي النفس الأخير قال (انا مرتاح قمت بواجبي خدمت الامة بكل قواي ليسر الشعب بعدي بقوة واتحاد) .
بوفاة الملك فيصل فقد العراق قائداً فذاً شجاعاً حكيماً حليماً يؤمن بالحوار والدبلوماسية وعند وفاته وبعد اثنا عشر عاماً من حكمه خلق دولة موحدة هي الأكثر تقدماً في الشرق الأوسط يومئذ وأصبحت النموذج للدوله العربية . لقد نقل الى العراق خبراته العسكرية والدبلوماسية وبوفاته ترك فراغاً لم يتمكن من ملئه أي قائد او رئيس عراقي من بعده او الاستفادة من حكمته وتجاربه. بوفاة الملك فيصل كان قد ترك إرثاً عظيماً في الحكم والإدارة والدبلوماسية واهم الوثائق التي تركها هي مذكرته الشهيرة ونظراً للاهمية البالغة لما ورد في هذه المذكرة رأيت ان ادون منها مقتطفات واسعة لانها لاتزال تؤلف قاعدة رئيسية في الحكم والإدارة والقيادة.
مذكرة الملك فيصل الأول
كان الملك فيصل الأول قد كتب مذكرة مطولة تتضمن آراءه وأفكاره عن أحوال العراق ومستقبله بمناسبة عقد المعاهدة العراقية – البريطانية لسنة 1930 وقرب انتماء العراق الى عصبة الأمم في سنة 1932 وأعطى نسخاً منها إلى جعفر العسكري وياسين الهاشمي ونوري السعيد وناجي السويدي وناجي شوكت وعلي جودة وجعفر أبو التمن وبعض الوزراء طالباً إليهم أبداء ما لديهم من ملاحظات وآراء حول ما جاء فيها بصراحة تامة وفيما يلي بعض نصوص مذكرة الملك فيصل:
مقتطفات من نص المذكرة
- كنت منذ زمن طويل أحس بوجود أفكار وآراء حول كيفية إدارة شؤون الدولة عند بعض وزرائي ورجال ثقتي غير أفكاري وآرائي وكثيراً ما فكرت في الأسباب الباعثة لذلك وفي الأخير ظهر لي بأن ذلك كان ولم يزل ناشئاً من عدم وقوفهم تماماً على أفكاري وتصوراتي ونظري في شؤون البلاد وفي كيفية تشكيلها وتكوينها والسير بها نظراً الى ما أراه من العوامل والمؤثرات المحيطة بها والمواد الانشائية المتيسرة وعوامل التخريب والهدم التي فيها كالجهل واختلاف العناصر والأديان والمذاهب والميول والبيئات لذلك رأيت من الضروري أن أفضي بأفكاري وأشرح خطتي في مكافحة تلك الامراض وتكوين المملكة على أساس ثابت وأطلع عليها أخصائي ممن اشتركوا وإياي في العمل وأني الخص خطتي مختصراً بجملته تحت هذا وبعد ذلك أتقدم الى تفصيل نظرياتي ومشاهداتي:
- ان البلاد العراقية هي من جملة البلدان التي ينقصها أهم عنصر من عناصر الحياة الاجتماعية ذلك هو الوحدة الفكرية والملية والدينية فهي والحالة هذه مبعثرة القوى منقسمة على بعضها يحتاج ساستها الى ان يكونوا حكماء مدبرين وفي عين الوقت أقوياء مادة ومعنى غير مجلوبين لحسيات أو أغراض شخصية أو طائفية أو متطرفة يداومون على سياسة العدل والموازنة والقوة معاً على جانب كبير من الاحترام لتقاليد الأهالي لا يناقدون الى تأثيرات رجعية أو الى أفكار متطرفة تستوجب رد الفعل .
- في اعتقادي وان كان العمل شاقاً ومتعباً إلا انه ليس مما يوجب اليأس والتخوف إذا عولج بحكمة وسداد رأي وأخلاص إذا قامت الحكومة بتحديد خطة معينة وسارت عليها بجد وحزم فان الصعوبات تجابه وبارقة الأمل في الرسوخ السياسي تزداد نوراً ).
العراق بعد فيصل
بعد وصول جثمان الملك الراحل من جنيف بويع ابنه الوحيد الأمير غازي ملكاً على العراق ومنذ البداية كان هناك خشية عند بعض السياسيين العراقيين انه لايمتلك ولو جزءً من صفات ابيه في الاداره والحكم ولم يبدي اهتماماً خاصاً بشؤون البلاد ومشاكلها ولم يتعمق بمعرفة أحوال العراق وكان يفتقد الى المبادرات وكان متأثراً الى حد كبير بنزوات نخبة صغيرة من الضباط ومنذ اليوم الأول افتقد الملك غازي الى بطانة من رجال الخبرة يهيؤه لقيادة العراق ويبعدوه عن الصراع بين الحكومة والجيش الذي تفجر في عهده بعد انقلاب الفريق بكر صدقي رئيس اركان الجيش والذي كان من ابرز تداعياته اغتيال الفريق جعفر العسكري في 29 تشرين الثاني 1936 .وقد أثار هذا الحدث هزه عنيفة لدى الشعب العراقي في ضوء تاريخ الفقيد كأحد ابطال الحرب العالمية الأولى وابرز القيادات العسكرية في الثورة العربية إضافة الى كونه القائد المؤسس للجيش العراقي والمساعد الأيمن للملك فيصل الأول وبعد فترة وجيزة أجبر رئيس الحكومة ياسين الهاشمي على ترك العراق وعهد الى حكمت سليمان بتأليف حكومة جديدة وقد دبر اغتيال الفريق جعفر العسكري من قبل الفريق بكر صدقي شخصياً وبمؤامرة خاليه عن القيم المدنية والعسكرية حيث عين أربعة من الضباط المغامرين باغتيال الفريق العسكري الذي كان يحمل رسالة من الملك غازي لحل الازمة.
ان الضعف الذي اظهره الملك غازي في إدارة الازمة أفقده اثنان من اقوى انصار ابيه وهما الفريق جعفر العسكري وياسين الهاشمي وكان انقلاب بكر صدقي سابقة خطيرة اضعفت الجيش والحكومة معاً وبعد أقل من عام وفي 11 آب 1937 تم اغتيال الفريق بكر صدقي في نادي الضباط في الموصل مع قائد القوة الجوية محمد علي جواد وهو في طريقة الى تركيا لحضور مناورات عسكرية .
ومنذ ذلك الوقت ظلت الصراعات متأججة داخل المؤسسة العسكرية وبين قادة الجيش والحكومة المدنية ومن المؤسف ان بعض القيادات المدنية ساهمت بتشجيع الجيش بالتدخل في الشؤون المدنية وعملوا على كسب ود القادة منهم كما سعوا لكسب ود رؤساء العشائر وفشل القادة المدنيون التقليديون في وضع أسس عملية للتعاون بين الجيش والحكومة وفي مقدمة هؤلاء القادة نوري السعيد صاحب الخبرة المدنية والعسكرية والمستشار المقرب للملك فيصل الذي ترأس الوزارة العراقية أربعة عشر مرة ولكنه كان مستبداً في الحكم يكره التغيير ويرفض الحوار وفتح الأبواب للشباب المثقف للمشاركة في صنع القرار وكان حليفاً لبريطانيا مؤيداً لسياستها في العراق والشرق الأوسط ويعتقد انها دائما على صواب وفي الخمسينيات من القرن الماضي اصبح واضحاً لدى بريطانيا ان نوري السعيد يفتقد الى شعبية الرأي العام العراقي وانه لم يعد مؤثراً وأفهمته ان الأفضل له ترك الساحة السياسية والخلود الى الراحة.
ان التدخلات العسكرية في الشؤون المدنية اضعفت كافة الحكومات وذلك بسبب غياب القيادة السياسية الحكيمة التي كان من المفروض ان يمثلها الملك غازي والذي لم يتمكن من إدارة الدولة وفق صلاحياته . وبعد مقتله في 4 نيسان 1939 في ظروف لاتزال حتى الوقت الحاضر غامضة اعلن مجلس الامة تعين الأمير عبد الاله أخ الملكة عالية وصياً على العرش لحين بلوغ الأمير فيصل الثاني السن القانوني لاعتلاء العرش .
وقد ثبت بما لايقبل الشك ان هذا القرار كان خاطئاً فلم يكن الأمير يمتلك صفات الحكم والخبرة وكان من الاوفق تعيين الأمير زيد بن الحسين لهذا المنصب ولكنه استبعد لانه متزوج من سيدة تركية وقد فشل الأمير عبد الاله منذ البداية وفي الازمة بين حكومة رشيد عالي وبريطانيا فشل في إدارة الازمة وانصاع للقرار البريطاني .
وعندما تولي الأمير عبد الاله الوصايا على العرش عام 1939 كانت الغيوم السياسية الدولية سوداء والحرب العالمية الثانية على الأبواب وكان العراق بحاجة الى قيادة سياسية حذقه لتبعده عن الصراعات الدولية ان الحرب العراقية – البريطانية في مايس 1941 كانت حصيلة إصرار بريطانيا على احتلال العراق لحراسة طريق الهند وحماية الخليج العربي الذي يحتوي على اهم مكامن النفط الضرورية للمجهود الحربي . وكان الاحتلال البريطاني للعراق مناقضاً لمعاهدة 1930 العراقية السارية المفعول التي تسمح لبريطانيا في وقت الحرب مرور قواتها عبر العراق وليس البقاء فيه وما حصل هو ان العراق اصبح من ساحات الحرب البريطانية واسست القيادة البريطانية معسكرات في كافة انحاء البلاد تضم أكثر من 150 الف جندي من البريطانيين والهنود ورعايا المستعمرات البريطانية .
انتفض الشعب العراقي بمعارضة قوية للاحتلال البريطاني وارتفع صوت الرفض لسياسات نوري السعيد بالذات الذي كان وراء قرار الحكومة العراقية بإعلان الحرب على المانيا وإيطاليا .
واتخذ القادة العسكريون الذي لقبوا (بالمربع الذهبي ) قرار الحرب على بريطانيا بدعم شعبي واسع النطاق وقد شجعهم على هذا القرار النجاحات التي احرزها الالمان في الساحات الاوربية ودعم بعض القيادات العربية مثل الحاج امين الحسيني مفتي فلسطين .
ومن الجدير بالذكر ان قرار الحرب على بريطانيا لم يصدر عن مجلس الامة ولا حتى من الوزارة باستثناء رئيس الوزارة رشيد عالي الكيلاني كما انه لم يجد تقييم حقيقي لمتطلبات هذه الحرب التي لم تكن بين طرفين متكافئين كما لم يدرك القادة العسكريون العراقيون ان قرار احتلال العراق كان قراراً استراتيجياً بريطانياً صادراً من أعلى المستويات وقد أصر ونستون تشرشل على دعم القوات البريطانية في العراق بقوات بريطانية في الجبهة الغربية من مصر والتي كانت تقاتل جيوش رومل وعندما رفض الجنرال ويفل البريطاني أشار تشرشل ان البصرة اهم من الإسكندرية واصدر أمر بأقالة الجنرال .
وكانت نتيجة تلك الحرب وخيمة على العراق وأصر الأمير عبد الاله على اعدام القادة الأربعة وقد سانده في ذلك نوري السعيد وكان هذا القرار متسرعاً يتصف بعدم الحكمة لانه كان موضع انتقاد شديد ومعارضة قوية لدى مختلف الأوسط العراقية وخصوصاً ضد الأمير عبد الاله والنظام الملكي وضد شخص نوري السعيد الذي كان من المفروض بحكم خلفيته العسكرية ان ينصح الوصي بعدم الاقدام على هذا العمل الشنيع ويوصي بالعفو عنهم وربما كان هذا القرار الخاطئ وراء القرار الذي اتخذ صبيحة الرابع عشر من تموز 1958 بأبادة العائلة الملكية الهاشمية والذي كان ايضاً عملاً وحشياً بكل المقاييس قدم انطباعاً سيئاً عن العراق وقادته .
الجيش والسياسة بعد الحرب العالمية الثانية
- في اعقاب الحرب العالمية الثانية وخصوصاً بعد انضمام العراق الى حلف بغداد عام 1955 تم تطوير الجيش العراقي وتجهيزاته وقدراته القتالية وقوته الجوية وكان يقود الجيش هيئة اركان من الطراز الأول وتم تدريب العديد من صفوة ضباطه في الكليات العسكرية الراقية في العالم مثل ساند هرست وكمبرلي ووست بوينت وكويتا
- قادت فصائل من الجيش العراقي ثورة 14 تموز 1958 وتم القضاء على العائلة المالكة بوحشية بالغة وبعد يوم واحد من الثورة اندلع الصراع بين قادتها الزعيم الركن عبد الكريم قاسم والعقيد الركن عبد السلام عارف وساهمت الأحزاب الوطنية في شق صفوف الجيش وفي الأيام الأولى تمت إزاحة عدد مهم من الرتب العالية الخبرة من مراكزها الى التقاعد واصبح الجيش العراقي لعبة في الصراعات بين عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف والقوميين العرب وحزب البعث العربي الاشتراكي . في عام 1963 قاد حزب البعث العربي الاشتراكي انقلاباً بالتعاون مع عدد من المراتب القومية في الجيش وتمت السيطرة على وزارة الدفاع واغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم واعوانه وبقسوة بالغة . وبعد فترة قصيرة وفي لعبة الانقلابات استخدم العقيد عبد السلام عارف رئيس الجمهورية فصائل عسكرية مواليه له لازاحة القيادات البعثية التي تمكنت بعد خمس سنوات وفي عام 1968 وبالتعاون مع القيادات العسكرية داخل القصر الجمهوري والموالية للرئيس عبد الرحمن عارف من السيطرة على العراق بأكمله بعد إزاحة حلفائهم في الانقلاب .
مسؤولية النظام السابق في اضعاف الجيش
منذ عام 1958-1968 أضعفت المؤامرات والانقلابات العسكرية الجيش العراقي الذي كان بعد في مقدمة جيوش المنطقة تدريباً وتسليحاً . ولكن جرى استنزافه من قبل القيادات السياسية في الصراعات الداخلية والحروب الخارجية وسيطر حزب البعث على الحكم عام 1968 وبدأ بالسيطرة على القوات المسلحة وتدريجاً أصبحت القوات المسلحة وقوى الأمن الداخلي وأجهزة المخابرات جزءً لايتجزأ من الحزب الذي تخلى عن كل مبادئه في الحرية والاشتراكية . وفي عام 1979 اصبح العراق مهد الحضارات الإنسانية واقدم الدول الحديثة في الشرق العربي تحت حكم رجل واحد اعطى نفسه صلاحيات الحرب والسلم وصاحب القرار الأول والأخير في السياسة الداخلية والخارجية وظل حتى الأخير يعتقد ان القوة والعنف والحرب هي أساس الحكم ولم يكن يملك صفة مهمة لدراسة الازمات وإيجاد الحلول وهي الحكمة واخضع العراق الى حروب عبثية كان من اهم نتائجها تدمير الجيش العراقي في حروب متعاقبة وترك العراق مدمراً مهمشاً وبسبب الحرب العراقية – الإيرانية لم يشهد العراق أي تطور في النمو ثم كانت احداث غزو الكويت وما تبعها من حصار اقتصادي خانق فرض على العراق منذ آب 1990 اعقبه حرب مدمرة قادتها الولايات المتحدة وعدد من الدول المتحالفة معها دامت للفترة 17كانون الثاني وحتى 28 شباط 1991 واستمر الحصار وبات العراق يعيش في عزلة تامة عن محيطة العربي والإسلامي وعن دول العالم ..
كان من اهم تداعيات حكم نظام البعث في العراق ورئيسه الديكتاتور والمستبد تدمير القوات المسلحة العراقية التي كانت مفخرة العراق ومفخرة العرب .
ومن المؤلم حقاً ان العراق الذي بامكانه ان يصبح المشعل الذي يبدد الظلمة الحالكة التي تسود أجواء منطقتنا اصبح يستجدي العون من دول فقيرة أو شامته او عميله واصبح مسرحاً لنشاط المخابرات المعادية الأجنبية والموساد وغدت الفضائيات الإخبارية العربية تنتشي وتغتني من الآم العراقيين .
في 9 نيسان 2003 سقط النظام البعثي في العراق وفي نفس اليوم اصدر حاكم العراق وممثل الولايات المتحدة بول بريمر أمراً بحل القوات المسلحة العراقية . ان الغاء جيش بحجم الجيش العراقي بمؤسساته التدريبية والصناعية والتجهيزية والتعليمية والصحية لابد ان يترك آثاراً سلبية على مجمل هيكل الدولة الجديدة لقد كانت تجربة الاحتلال المرة للعراق درساً بليغاً ينبغي ان تأخذه الدولة الوليدة والقابضون على السلطة فيها في موازنة القدرات والإمكانات مع الأهداف وان تكون عملية اتخاذ قرار هام وحيوي مثل القرار الذي اتخذه بريمر مستندة الى أجهزة مؤسساتية تعتمد الرصانة والعقلانية وموازنة البدائل في عملية اتخاذها القرار .
وبعد سقوط الموصل ومدن عراقية مهمة بأيدي إرهاب داعش شعر الجميع بأهمية تعزيز القدرات العسكرية العراقية من كافة النواحي التدريبية والتجهيزية والحصول على احدث وارقى المعدات والقدرات الجوية التي تتناغم وتقدم التكنلوجيا العسكرية المعاصرة ومن حسن الحظ ان الدولة الجديدة نجحت في استكمال مشاريعها الدفاعية وكان من اهم ثمراتها تحرير الموصل والمدن الأخرى المحتلة بالتعاون مع الحشد الشعبي وهناك قناعة ان استكمال حاجات القوات المسلحة وبروز جيش قوي ومعاصر يتناغم مع التاريخ العسكري للجيش العراقي الباسل ضرورة بالغة للعراق الجديد.
إنجازات هامة في مسيرة الدولة العراقية
بدأ العراق ومنذ تأسيسه كدولة عام 1921 اهتماماً ملحوضاً بالتعليم والصحة وبناء الطرق والجسور وبناء صناعة نفطية طموحة وبدأ العراق ومنذ منتصف الثلاثينات من القرن الماضي بإرسال البعثات العلمية الى ارقى جامعات العالم وقد ساهمت المرأة العراقية في هذه البعثات العلمية واحتضن العراق معالم سياحية وثقافية ودينية أصبحت مثلاً للاقطار العربية والمجاورة وبدأ العراق منذ النصف الأول من خمسينات القرن الماضي باعداد وتنفيذ خطة طموحة للتنمية الشاملة فأسس “مجلس الاعمار” وخصص له عائدات العراق النفطية والتي لم تكن كبيرة حتى بمقياس تلك الأيام بسبب قلة الصادرات النفطية .
وشهد العراق استكمال شبكة واسعة من السدود والخزانات الاروائية كما شهد بناء شبكة واسعة من الطرق البرية والسكك الحديدية والخطوط الجوية العراقية كما شهد ازدهار الزراعة وارتفاع حجم الصادرات الزراعية . وفي منتصف الخمسينات من القرن الماضي تأسست جامعة بغداد التي أصبحت بعد فترة قصيرة من اهم جامعات المنطقة والعالم واستقطبت العديد من طلبة الأقطار العربية والأجنبية واستضافت العشرات من النخب العلمية العالمية للتدريس فيها . ونفذت وزارة المعارف العراقية خطة طموحة لارسال البعوث العلمية للدراسات العليا الى اهم جامعات العالم وفي عام 1958 كان أكثر من 400 طالب عراقي قد عادوا من تلك الجامعات وهم يحملون درجة الدكتوراة أو الماجستير وهذه النخب العلمية هي التي ساهمت في تأسيس المؤسسات النفطية والتعليمية والصناعية والزراعية وبعد فترة قصيرة اصبح عدد كبير من هؤلاء الخريجين أعضاء في مراكز اتخاذ القرار في شركات النفط ومؤسسات الصناعة والزراعة وأساتذة في مختلف كليات جامعة بغداد وتعاقب على رئاسة جامعة بغداد ثلاثة من كبار علماء العراق الأول الدكتور متي عقراوي وهو مسيحي من الموصل والثاني الدكتور عبد الجبار عبد الله وهو من الطائفة الصابئة المندائية والثالث هو الدكتور عبد العزيز الدوري من مدينة الدور وهو مؤسس كلية الآداب والعلوم والتي لعبت دوراً مهماً بالتعاون مع شقيقاتها كلية الحقوق وكلية الطب وكلية الهندسة وكلية الصيدلة ودار المعلمين العالي في تقدم العلوم والمعرفة وتطورت في العراق مؤسسات قضائية وثقافية ودينية مهمة إضافة الى تأسيس المجمع العلمي العراقي عام 1947 برئاسة الشيخ محمد رضا الشبيبي ليصبح من اهم المجامع العلمية في العالم العربي .
واستضافت الجامعات والمؤسسات العلمية والصحية في العراق اعداداً كبيرة من اهم علماء العالم للتدريس فيها وبعد فترة قصيرة ظهرت جامعات جديدة في الموصل والبصرة وتأسست جامعات أخرى في كافة محافظات العراق .
وبالمقابل هناك اليوم آلاف من العلماء العراقيين يعملون في جامعات العالم ومعاهده العلمية ولاتوجد دولة في العالم إلا وتحتضن جالية عراقية منها عدد مهم يدرسون في جامعاتها او يعملون في مؤسساتها الاقتصادية او الصحية واليوم يتواجد في بريطانيا فقط 3500 طبيب عراقي وهناك عدد آخر ممن يحرزون اعلى الجوائز في ضوء ابتكاراتهم واختراعاتهم وفي عام 2019 حاز العالم العراقي الاصل المختص بالفيزياء الذرية جميل الخليلي على تقدير الملكة اليزابيث ضمن عشرة علماء من اهم علماء بريطانيا ولاننسى المهندسة المبدعة زها حديد التي يتحدث عنها العالم بما أنجزته من عبقرية وتجديد في فنون العمارة الحديثة وقد تركت آثاراً هندسية رائعة في كافة انحاء العالم .
والى جانب ذلك هناك العديد من المبدعين العراقيين حول العالم تفتخر بهم جامعاتهم ومؤسساتهم ولكنهم منسيين من قبل المؤسسات العراقية وانا في هذا المجال ادعو الى تأسيس وزارة خاصة بعنوان (إدارة خاصة لشؤون الكفاءات العراقية في الخارج ملحقة بوزارة العلوم والتكنلوجيا تتعاون مع وزارة التعليم العالي والملحقيات الثقافية والعلمية العراقية في الخارج) .
الإخفاقات
ان مائة عام من تاريخ الدول ليست قليلة وفي ضوء القدرات الاقتصادية والبشرية والعلمية التي يملكها العراق إضافة الى موقعه الجغرافي والاستراتيجي المتميز الى جانب أهميته الدينية الرفيعة فقد توقع الكثير من المؤرخين والمفكرين والسياسيين ان العراق قد يصبح احدى الدول المتقدمة في الشرق الأوسط والعالم فاذا به اليوم يعاني من جملة امراض افقدته القدرة على التقدم وهذه الامراض هي سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية . ورغم صحة ما يقول الكثيرون من ان بعض أسباب تباطؤ النهضة العراقية تعود بالدرجة الأولى الى المؤامرات الاستعمارية واطماع دول الجوار إلا ان الأسباب الحقيقية هي مسؤولية الأنظمة السياسية العراقية المتعاقبة بالدرجة الأولى وعدم توفر معارضة سياسية منظمة ورأي عام عراقي يدرك أهمية الخروج من عباءة التخلف التقليدي الى رحاب الحضارة المعاصرة .
- ان اهم أسباب تعثر النهضة العراقية المعاصرة هو ضعف الشعور بالمواطنة وعدم الشعور بوحدة الهوية العراقية والتشكيك المستمر بكيان الدولة ولايزال عدد كبير بما في ذلك شريحة مهمة من المثقفين يصفون الدولة العراقية الحديثة بانها من صنع الإنكليز وان الملك فيصل تابعاً لهم . وحتى اليوم لازال البعض غير مدرك تماماً بان تأسيس الدولة العراقية عام 1921 هو انجاز كبير بحد ذاته ومن المهم البناء على إنجازات الحكم الملكي الداخلية او الخارجية وان تأسيس الدولة العراقية الحديثة هو انتصار لارادة العراقيين من خلال الثورة العراقية الوطنية لعام 1920 وكذلك انتصار لمبادئ الثورة العربية .ان ضعف المواطنة وضعف الولاء للوطن كان السبب في كل انتصار لقوى الشر الخارجية والداخلية لاضعاف الدولة والسعي باستمرار لتفكيكها .
- بعد وفاة الملك فيصل عام 1933 فقد العراق القيادة الرشيدة وبعد وفاة الملك لم يتمكن نجله الملك غازي من ملأ الفراغ وكان يفتقر الى الشخصيه والخبره والحكمة واصبح واضحاً منذ عام 1936 فشله في إدارة الدولة بعد فشله في الازمة التي سببها الفريق بكر صدقي من خلال انقلابه الذي أطاح باثنين من اخلص أعوان الملك فيصل والاشد ولاءً للبيت الملكي وهما جعفر باشا العسكري وياسين الهاشمي . وبعد اقل من عام من هذا الانقلاب قامت قيادات عسكرية مناوئة بتدبير مؤامراة اغتيال الفريق بكر صدقي في نادي الضباط في الموصل ومعه قائد القوة الجوية . وهكذا بدأت قيادة الجيش بمحاولة التجاوز على الحكومات المدنية وظهر ذلك من خلال التحكم بإدارة أزمات مهمة وخطيرة مثل موقف العراق من الحرب العالمية الثانية والتدخل المباشر لقمع الانتفاضات الوطنية عام 1948 و1953 . ومن المؤسف ان الكثير من الأحزاب الوطنية التي تملك سجلاً نضالياً رائعاً ساندوا الحكومات العسكرية ولم يتمكنوا من إيقاف مصادرة الحريات العامة والتدخل العسكري السيء في السياسة الخارجية وبدلاً من احترام رسالة القوات المسلحة في حماية الأمن الخارجي قاموا بقلب الاية واقحموا الجيش في صراعات داخلية وخارجية انهكت الشعب والجيش معاً . وفي الفترة الأخيرة صادر رئيس النظام السابق القوات المسلحة والحكومة معاً وأعطى لنفسه الحق في الانفراد بالسلطة والانفراد بقرار الحرب والسلم ولازال العراق يعاني من السياسات الاستبدادية والطائشة للنظام السابق ورئيسه الذي اقحم البلاد في حروب متواليه انهكت العراق وعرضته لدمار شامل مع حصار قاتل
- منذ وفاة الملك فيصل عام 1933 وحتى عام 2003 أصرت الحكومات المستبدة على تغييب الديمقراطية بكل اشكالها من خلال التدخل بالانتخابات واستخدام القوة ضد الأحزاب الوطنية والمنظمات الاجتماعية وفي الوقت الذي مارست الكويت الحكومة البرلمانية ظل العراق يحكم في اغلب عهوده بالقوة وفي كثير من الأحيان بقسوة مفرطة وقد نجح الاستبداد بفرض قيود صارمة على الحريات وحق الشعب في التعبير عن آرائه وظلت هذه الحكومات تستخدم لعبة العصا والجزرة .
- اخفاق الحكومات العراقية المتعاقبة بفهم العلاقات الدولية والتعامل مع الدول العظمى وبعد ثورة 14 تموز 1958 ظلت العلاقات الخارجية العراقية غير مستقرة وتولى رئيس النظام السابق احتكار قرار الحرب والسلم وجعل من وزارة الخارجية احدى دوائر المخابرات العامة وقد قاده فشله الذريع في فهم العلاقات الدولية في المنطقة والعالم الى ارتكاب أخطاء كارثية مثل الحرب العراقية الإيرانية وغزو الكويت واختيار قرار الحرب مع الولايات المتحدة وحلفائها دون ادراك لتكافؤ القوى وكانت النتيجة تدمير العراق وبعثرة العمل العربي المشترك واضعاف الجامعة العربية والقضية الفلسطينية .
وبعد التغيير الذي تحقق عام 2003 لم ينعم العراق بحكومات تتمتع بقدرات إدارية للحكم الرشيد بسبب فقدان القيادة الموحدة والصراعات بين الأحزاب وفقدان الامن بعد القرار الخاطئ والسريع الذي اتخذه بول بريمر الحاكم الأمريكي للعراق بحل القوات المسلحة العراقية . ورغم نجاح وزارة الخارجية في جهودها الدبلوماسية لاستعادة السيادة العراقية إلا ان وزارة الخارجية عانت من هذه الصراعات السياسية والطائفية وتداعياتها على مجمل المؤسسات بحكم نظام المحاصصة الذي أدى الى شل المؤسسات واحياناً تفكك وحدة العمل داخلها . ان تطبيق مبدأ المحاصصة في وزارة الخارجية كان له تداعيات خطيرة على الأداء الدبلوماسي العراقي الخارجي والعلاقة بين الوزارة والمؤسسات .
ادارة المستقبل
للعراق قدرات كامنة هائلة للتطور والارتقاء فهو يتفوق على العديد من دول الجنوب بما يمتلكه من ثروات طبيعية نفطية ومعدنية وزراعية وما يمتلك من ثروة بشرية نشطة ومقتدرة وبالرغم من ذلك نجد اليوم نسبة كبيرة من أبنائه تعيش تحت خطر الفقر ونجد العراق يفتقر الى مقومات الحياة الأساسية من مأكل ومشرب ومستلزمات أساسية من كهرباء ومشتقات نفطية وخدمات صحية وتربوية وتعليمية فضلا عن ضعف شديد في شباك الاتصال الحديثة
ان العراق بحاجة ماسة الى اصلاح اداري سريع وهو بحاجة الى قيادات نزيهة ومخلصة في كافة المؤسسات ابتداءً من الفرق الاستشارية في مجلس الوزراء الى الوزارات والجامعات والمؤسسات التعليمية والثقافية والخدمات البلدية .
ان الخروج من هذا المأزق والنفق المظلم الذي نعيش فيه يتطلب جهود مصانع للافكار عراقية أصيلة لاتخضع للاجنبي يشارك فيها اختصاصيون في السياسة والاقتصاد والتخطيط والصناعة وعلماء ومهندسون وارشح مؤسسة بيت الحكمة لتكون مركز البحوث الرئيسية لدعم صنع القرار وذلك في ضوء إنجازاتها العلمية الرائعة .
ولابد لي ان اشير بهذا الصدد الى دراسة علمية مهمة اعدها مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت نشرت عام 2007 في كتاب تحت عنوان (برنامج لمستقبل العراق بعد انهاء الاحتلال) واشير بصورة خاصة الى دراستين هامتين جداً الأولى تحت عنوان (اعمار العراق التجربة والتطلعات) وهي دراسة مشتركة للدكتور جعفر ضياء جعفر العالم النووي العراقي والثاني الدكتور نعمان النعيمي أستاذ الكيمياء اللاعضوية في جامعة بغداد سابقاً اما الدراسة الثانية تحت عنوان “صناعة النفط والسياسة النفطية في العراق” للأستاذ عصام الجلبي وزير النفط العراقي الأسبق.
ومن أجل خروج العراق من المأزق الحالي وإتاحة الفرصة لحياة سياسية واقتصادية وصحية وصناعية وعمرانية افضل اقترح مايأتي :
- خلق هوية عراقية موحدة والشعور بالمواطنة ومن الثابت اننا ومنذ ان كتب الملك فيصل الأول مذكرته الشهيرة بتاريخ 1932 والتي ذكرناها في صدر هذه الدراسة لانحمل شعوراً بهوية عراقية موحدة وما حصل بعد عام 2003 من انقضاض ظالم على المؤسسات والمعارف والجامعات ونهبها وحرق قسماً منها وما شهدناه على شاشات التلفزيون من نهب الآثار القديمة الثمينة للامة ونهب المكتبات ومؤسسات الثقافة والفنون يؤيد هذه النظرية .
ان واجب المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية والثقافية معالجة هذا الخلل الأساسي والخطير والذي يتفاقم يوماً بعد يوم بسبب عدم الاستقرار السياسي والأمني والفساد الذي يجتاح كل مؤسسات الدولة والشعور العارم لدى الشعب بفقدان الأمن والعدالة وتكافئ الفرص وهذا يؤدي الى اليأس في قلوب الشباب وخصوصاً المبدعين والمبتكرين الذي يتطلعون الى الهجرة بسبب التميز الطائفي او العنصري او المناطقي .
- حسن اختيار القيادات الأساسية والعودة الى قاعدة الثواب والعقاب وإعادة تأسيس مجلس الخدمة العامة لاعطاء فرص متساوية للشباب .
- في كتابه بعنوان (حول الحكم والإدارة) يقول الرئيس الصيني تشي بينغ لكي تبقى النزاهة شعاراً صحيحاً لابد من مواصلة صيد النمور والذباب معاً وتمتين الخط الدفاعي الفكري والأخلاقي الحائل دون الفساد .
- نحن بحاجة الى ترسيخ القيم الاصيلة والأخلاق الحميدة وتكريم المبدعين ومعاقبة الفاسدين وخلق قيادات من الشباب والشابات لقيادة المؤسسات الاجتماعية ودعم الابتكار والاختراع .
- إيقاف الفوضى السائدة في اسداء الخدمات العامة للمواطن والتميز الواضح في منح الفرص وإيجاد حل جذري للبطالة المنتشرة بين الشباب والشابات عن طريق بناء مشاريع كبرى وتشجيع القطاع الخاص وفتح المجال للاستثمارات العربية والأجنبية باشراف الدولة.
- تكريس مبدأ العدالة وإلغاء كافة الاستثناءات والامتيازات لاية جماعة او شريحة سياسية او اجتماعية او دينية وإعادة تنظيم الإدارات العامة والسعي لتوحيدها والتنسيق بها من الداخل وكذلك توحيد اتخاذ القرار . اننا بحاجه الى قيادات إدارية نخبوية ومخلصة ونزيهة ومقتدره مهنياً وعلميا وقد آن الأوان لفتح الأبواب للعلم والتقدم والإرادة المخلصة .
مصادر مختارة
- الدكتور المهندس خالد المعيني “الطبقة القائدة – دور الكفاءات الوطنية في بناء الدولة المدنية – قوانين نقل القوة من الدولة الى المجتمع .
اصدار دار الجواهري للنشر والتوزيع .شارع المتنبي . بغداد. 2017
- عبد الرزاق الحسني “تاريخ الوزارات العراقية ” 10 أجزاء بغداد 1974 .
- برنامج لمستقبل العراق بعد انتهاء الاحتلال مركز دراسات الوحدة العربية بيروت 2007.
- بحث الدكتور جعفر ضياء جعفر ونعمان النعيمي (أعمار العراق التجربة والتطلعات)ص99-120.
- بحث عصام الجلبي “صناعة النفط والسياسة النفطية في العراق” ص121-177
- مذكرة الملك فيصل في كتاب مذكرات الفريق جعفر العسكري تحقيق وتقديم نجدة فتحي صفوت .دار السلام . لندن 1988 ص 194-215
- محمد زكي إبراهيم “الديمقراطية الغائبة مئة عام من تاريخ العراق المعاصر” بيروت 2004 .
- أ.د. محمود علي الداود “الدبلوماسية العراقية بين الحربين العالميتين” مجلة الحكمة – بيت الحكمة العدد 31 تشرين الثاني 2002 ص98-108 . ايضاً تعقيب المؤرخ العراقي البارز الدكتور كمال مظهر بعنوان شهادات عالمية بحق مدرسة فيصل الدبلوماسية ص108 – 111 .
{ مشرف قسم الدراسات ال






















