الجذر – الحلقة الأولى

(الزمان) تنفرد بنشر نص غير منشور لعزيز السيد جاسم

الجذر

الحلقة الأولى

المفكر الأديب حاول بهذا النص كتابة سيناريو لفيلم سينمائي

تنفرد (الزمان) بنشر نص غير منشور سابقاً للمفكر المغيب عزيز السيد جاسم، ويوضح هذا النص انه كان معداً لكي يكون سيناريو لفيلم سينمائي، وهذا توجه غير معروف عن عزيز، ويقدم اضافة على ما عرف عنه من نتاجات فكرية وفلسفية وتاريخية وسياسية وادبية، ويعزز هذا النص من القدرات والامكانات التي عرف بها، ويعزز من مواقفه الرافضة تجاه التوجهات البيروقراطية والانتهازية والوصولية التي جسدها في سلوكه، وفي الكثير من مؤلفاته..  ويقول علي السيد جاسم نجل المفكر ان النص وقائعه تجسد بداية المسيرة النضالية لوالدي ولاسيما في مسقط راسه في ناحية النصر في محافظة ذي قار ويعرف المقربون تفاصيل الحكايات التي ترد في النص وربما بعضهم ممن لا يزالون على قيد الحياة كانوا شهود عيان عليه اذ كان منزل والدي مقرا للاجتماعات العمالية والفلاحية.

ويوجه النص نقدا لاذعا ويصور وقائع حوادث فساد مالي واداري يحاكي وقائع تحدث اليوم في استقراء نص مبكر للمفكر بالرغم من انه كتبه في حوادث مماثلة كان ومايزال يعيشها البلد  كما يروي النص وقائع مؤامرة قتل وطني في مقتبل شبابه كان قد قاد اضرابا للطلبة ابان العدوان الثلاثي على مصر وبالفعل كان عزيز قد حفز الطلبة على الاضراب وقاد تظاهرة طلابية عندما كان عمره لا يتجاوز الـ 16 عاما والقصة معروفة ولاسيما من معاصريه وابناء محافظته .

كما يتناول النص جانب الخير المنبثق رغما من بيت اقطاعي اذ يطغى الحب على الانتماء العائلي وتكون الحبيبة هي المنقذ لحبيبها عندما تنقل له المخطط الذي رسم للخلاص منه بشكل رسمي واصولي بعيدا عن القتل والتصفية المباشرة التي ستثير غضب اسرة وعشيرة سمير الذي دبرت له المكائد للنيل منه بذريعة العمل ضد السلطة وقراءة كتب ممنوعة في وقتها منها جمهورية افلاطون والاب الخالد لبلزاك

الفصل الاول

(1) دائرة العقود والتوثيق. لقطة عامة. خارجي. نهار (تتحرك الكاميرا  من المدخل. لقطة مبكرة لقطعة (دائرة العقود والتوثيق) ثم تستمر الكاميرا.. في تصوير السلم والسلم الاخر وصولا الى الممر الطويل في الطابق الاول. تظهر صور ثلاثة  مستخدمين جالسين على الكراسي امام ثلاث غرف. لقطة مكبرة لقطعة (المدير).

(2) غرفة المدير. داخلي.

لقطة: المدير يسحب كرسيه الى الوراء. يدور به حول نفسه عدة دورات. الكرسي له عجلات صغيرة تسمح له بالحركة  في كل اتجاه.

المدير ينظر بغبطه الى الكرسي. يتوقف الكرسي عن الحركة. ويرفع  المدير يديه عن جانبي الكرسي. يجذب نفسا عميقا. ويهز قبضته  في الهواء باعتداد، يقف متوجها الى المرافق الصحية. تبدو بدلته سوداء مرقطة ببياض صاخب. ربطة العنق: لونها احمر فاقع بنقوش ملونة.

(3) غرفة المدير.

الكاميرا ترافق حركة المدير متوجها الى المرافق الصحية.

(4) غرفة المرافق الصحية. داخلي.

الكاميرا ترافق مشي المدير داخل غرفة المرافق الصحية.

(لقطة قريبة)  المدير يقف امام المرآة وجها لوجه. يتملى  نفسه جيدا يتحسس بدلته باصابع كفيه من الصدر والكتفين.. يدقق النظر في المرآة.. معجباً بنفسه. يطلق صفيراً متقطعاً. ترافقه صحكات صغيرة حدة، مع حركات اعجاب ترافق نظراته لمواقع مختلفة من السترة والربطة والقميص. يعاين وجهه بترفع وتقطيب مفخم. يتمتم باندهاش: آه هذا هو الجمال المنشود! يغمز لنفسه ثلاث غمزات سريعة، فيهتز حاجباه الكثان، وتتحرك عينه اليسرى الحولاء المطوقة بشامة سوداء مدببة بالشعر، كالحركة الاخيرة لعجلة  مطاطية منفلته من سيارة مسرعة.

(تقترب الكاميرا فتصور حركة الوجه في المرآة في لقطة كبيرة جداً) يفتح عينه اليسرى الحولاء بقوة. مغمضا عينه اليمنى… فلا يرى في المرآة سوى مخايل وجه ترابي. (الكاميرا تظهر الوجه عديم الملامح ابان حركة العين) يصرخ بانزعاج وتشجنج: ما من خطأ.. ما من خطأ في الوجه.. فالهيبة موجودة.. شعارى: الهيبة وليست الوسامة هذا هو شعاري.. ثم يعود. وترافقه الكاميرا الى كرسيه.

(5) غرفة المدير: لقطه عامة.. ثم لقطة محدده المدير جالس. يجذب نفسا عميقا، ويشعر بالارتياح.

(6) غرفة المدير: لقطة مصغرة. المدير يجري مكالمة هاتفية مع زوجته.

(الكاميرا تتابع حركة اليد في ادارة الارقام في قرص الهاتف). (الكاميرا تتوجه نحو الوجه فقط.. ابان الكلام).

المدير- ام اكرم.. كيف الصحة..

يسمع صوت انثوي فيه بعض الخشونة: صوت الزوجة – بخير.. انت مبكر هذا اليوم في الذهاب لدائرتك.. خلافا للعادة.

(يضحك بصوت غليظ.. ) و (يمسح عينيه)

المدير – نعم.. لدي اليوم جولة تفتيش. اتفقد فيها دائرتي.. انت تعلمين (مودة) هذه الايام.. ندوات.. ديمقراطية.. ونقد ومراقبة.. وانتاج وانتاجية.. و و و..

(يقول ذلك بسخرية) لذلك غادرت مبكرا لضبط بعض الامور..

(ويضحك باستهزاء..).. ماذا تقولين؟

(يبدو كانه لم يسمع جيداً).

(4)

صوت الزوجة- اقول.. اهتم بوظيفتك وافعل مثلما يفعلون..

المدير- طبعاً.. عزيزتي.. طبعاً.. با سأكون في المقدمة.. وسترين كل شيء.. اقول: هل تحتاجين شيئاً اخر؟

صوت الزوجة- كلا.. أوه.. نسيت.. رفعت حبيبي..

المدير- حبيبتي ام اكرم (بتدليل زائد).

صوت الزوجة – هل جاء الموظف الذي ارسلته في ايفاد رسمي الى الخارج..؟

المدير – كلا لحد الان لم يأت.. سوف يأتي قريباً.. حالما يشتري الثريات الكرستالية  والاقمشة (يخفض صوته فيما ينظر بخوف الى ما حوله..).. انت   تعلمين.. انني اوفدته بشكل غير اصولي.. من اجل حاجاتك.. ها.. (يسمع صوت ضحك زوجته..).. (يصغي قليلا وهو يبتسم..) ويقول: ها تضحكين؟ اضحكي، اضحكي.

صوت الزوجة- عزيزي ا بو اكرم (قالت ذلك بغنج) .. انت تدللني كثيرا.. ولم ترفض لي طلباً.

المدير- ام اكرم نسيت ان اخبرك ان صديقي المقاول جلب لنا هدايا دسمة بعد ان ساعدته في قضية.. والان استودعك، قبلاتي.. عزيزتي.. قبلاتي.

(يغلق جهاز الهاتف. يصمت بضع لحظات. يحك ذقنه وتبقى اصابعه ملتصقة بالذقن.. يغمض عينيه لحظات. يفتحهما  فيما تندفع يده اليمنى الى جهاز الهاتف، ويده اليسرى الى الجرس.. بهدف استدعاء السكرتير..) (لقطة مكبرة جداً).

(7) غرفة السكرتير. داخلي.

السكرتير يرتدي نفس زي المدير.

(الكاميرا) تتوجه نحو السكرتير. وهو في حالة ترقب.. يسمع السكرتير دقة الجرس. ورنة الهاتف في وقت واحد. يركض مسرعاً.. ترافقه الكاميرا الى باب المدير. يقف هناك لحظة.. يتحسس ملابسه. يطرق الباب ويدخل.

(8) الممر الطويل.. باب غرفة مجاورة لغرفة السكرتير.

الكاميرا تتقدم نحو موظفين واقفين قرب الباب. وهما يهمسان:

– ان السكرتير لا يقابل احداً ولا يتحدث مع احد الا بعد ان يستدعيه المدير.

– طبعاً. انه مشلول. فجوارحه تنتظر دقه الجرس، والهاتف.

فهي متعلقة بهما.. بعدها يركض الى غرفة المدير، اما قبل ذلك فحواسه معلقة.

– الرفقة قديمة (قال احدهما بسخرية).

– من لا يعلم ذلك ! كلما انتقل المدير من دائرة لاخرى، اخذه معه.

فهو جزء من ديكور المدير..

– وكذلك جزء من خصوصياته.. (يضحك ساخراً) ويستمر:

– فهو يوفر للمدير جميع الاشياء وغرفته تشحن الى غرفة المدير المقاولين والتجار الكبار.. و.. و

– تقصد والهدايا ولا نقول الرشاوي..

– لماذا لا تقول الرشاوي؟ فهي مفضوحة والدائرة  كأنها لم تمسها روح الثورة.

(ثم يدخلان غرفتهما). (تظل الكاميرا للحظات متوجهة نحو المكان الذي كان الموظفان واقفين فيه).

(9) غرفة المدير. داخل.

لقطة مشتركة. المدير يقلب بعض الاوراق مخفضا بصره.. والسكرتير واقف بدون حركة.

المدير يبتسم وهو يقلب الاوراق. يتحدث بوقار وادعاء تمثيلي مفضوح، دون ان يرفع بصره:

المدير – هل كل شيء على ما يرام؟

السكرتير- نعم.. سيدي واكثر مما يرام!

المدير – حسناً.. حسناً.. هل اخبرت الموظفين بجولتي؟

السكرتير- نعم.. سيدي.. اخبرتهم جميعاً…

المدير- اذن.. سنذهب..

(يرفع المدير رأسه ببطء وهدوء.. الكاميرا ترافق ذلك تستقر نظرات المدير على السكرتير.. لقطة  مكبرة لوجه المدير مليء بالدهشة  والغضب.. يصرخ..

المدير- ايها.. الشيطان.. ما هذا ؟ ماهذا ؟ اية حماقة ارتكبت؟ (يموء من الغضب).

تتحرك الكاميرا نحو السكرتير. ينصعق من الذعر فاتحا عينيه وفمه بسعة.. اخذ يتلفت حوله ببلاهة. يبسط كفيه وينظر الى باطنها.. ثم ينظر الى بنطلونه.. (الكاميرا  ترافق الحركات).. ربما لم يشد الازرار.. ولكن ما من شيء…

يزداد ذعره. الكاميرا  تتوجه نحوهما بلقطة عامة. المدير يحدجه بنظرة مخيفة.. ينهض محتدما. مقتربا من السكرتير. يتراجع السكرتير خائفاً، متفاجئاً من غضبة المدير. وفي تراجعه المضطرب (تنتقل الكاميرا الى منضدة جانبية خلفه) تظهر لوحدها في لقطة وترافق الكاميرا تراجع السكرتير/ يصطدم بالمنضدة، ويسقط على الارض يائساً. لم تمهله يد المدير. تجذبه من كم سترته  بشدة وتتمزق السترة من موقع  الابط.

(تتهلل اسارير المدير، يشعر بالارتياح كان رشاشا من الماء ينساح في داخله، بعد ان تمزقت السترة. الا انه لم يفصح عن ذلك طويلاً. واصل الغضب بافتعال ظاهر).

المدير- هه ايها الغبي.. الا تعلم اني ساقوم اليوم. بجولة تفتيشية؟

– نعم.. نعم.. اعلم ذلك. (بهلع  اجاب السكرتير وهو نصف متمدد على الارض بعد ان رفع نفسه قليلاً).

المدير – انهض اذن ! اي سكرتير انت؟ كيف تسوغ لنفسك. ان ترتدي هذه البدلة اليوم! وفي الوقت الذي باشر فيه التفتيش؟

ماذا يقول الموظفون: من هو المدير انا ام انت؟ اذهب الان بسرعة واستبدل ملابسك.. هيا.. هيا ايها السخيف!!

(10) غرفة المدير.

لقطة: السكرتير يغادر الغرفة..

(11) غرفة المدير.

المدير واقف. يعود الى كرسيه . يجلس. ويتصل هاتفياً بزوجته:

– هلو.

(يسمع صوت زوجته).

– نعم.. هو انت؟

المدير- نعم انا.. اتعلمين ماذا حدث الان؟

صوت الزوجة – لا.. ماذا حدث؟

المدير- ساخبرك كالعادة.. بكل شيء في فترة الغداء؟ ثم يطبق فمه وجهاز الهاتف دفعة واحدة. الكاميرا تصور ذلك في لقطة كبيرة.

(12) غرفة المدير. خارجي.

الكاميرا تتحرك باتجاه الممر. لقطة متوسطة قريبة.

المعين 1 (يرتدي سترة سوداء وبنطلونا رصاصيا. اشيب الشعر. قصير. في الخمسين من عمره).

المعين 2 (يرتدي سترة سوداء وبنطلونا رصاصيا. طويل نحيف  في الخامسة والثلاثين من عمره).

المعين 1: السكرتير غادر غرفة المدير شاحب الوجه. ممزق السترة. وهو مسرع.

المعين 2: من يدري، ماذا يدور بينهما. جبار ينتظر السكرتير في غرفته.

(13) غرفة السكرتير. داخل.

يجلس السكرتير مهموما. لا يحس بوجود المعين (جبار) ، ينتبه له. فيراه واقفا وهو يبتسم.

جبار: لقد اشتريت لك..

السكرتير (يقطع كلامه بزمجرة) : اشتريت ماذا ايها الكلب؟ هيا اخرج من غرفتي. اخرج (يصيح بحدة).. سوف اؤدبكم جميعاً.. بامر السيد المدير.

الكاميرا تقترب: السكرتير يجذب (جبار) من كم سترته مثلما فعل به المدير. ولكن السترة لم تتمزق. يدفع به خارج الغرفة بقوة. ثم يغلق الباب بقوة. يصمت قليلاً، ثم يخرج حقيبته ويبدأ باخراج بعض قطع الملابس.

(14) غرفة المدير. داخلي.

المدير منشغل بقراءة بعض الملفات. يطرق الباب. ويمد السكرتير رأسه من خلال فتحة الباب. تنتقل الكاميرا ببطء وتركز على المدير. السكرتير وراء الكاميرا.

صوت السكرتير: انا جاهز يا سيدي..

المدير: حسنا.. حسنا.. (ويهز راسه).. حسناً.. حسناً.. يبتسم المدير ويرفع راسه. يشاهد السكرتير فيستولي عليه الغم (لقطة متوسطة تشمل الاثنين داخل الغرفة ) السكرتير يظهر لأول مرة بملابس مشعثه. ربطة العنق عتيقه ملقاة على الصدر كأنها شيء مهمل قذفت به الريح الى ركن سياج. كتفا السترة غير متعادلين: واحد اعلى. واخر اوطأ. وما من تجانس في لون السترة والبنطلون. السترة رمادية اللون. والبنطلون حاد الزرقة. الجوربان صفراوان. البنطلون قصير جداً ويقترب من الركبة. الحذاء اسود كالح.

(تركيز الكاميرا على السكرتير). تنقل اللقطة الى المدير.

المدير يئن من الغضب: ما هذا؟ ما هذا؟ سوف ينفجر رأسي. (يضرب جبهته بكفه). (لقطة مشتركة). المدير ينفث غيظه ويجأر:

 المدير – لماذا اتريد مني هذا الصباح المشؤوم ؟ تريد كسر شوكتي امام الموظفين.. ماذا انت ؟ اي زي هذا؟  اخرج.. اخرج على الفور. ساقوم بجولة التفتيش بدونك اخرج ! يبتعد السكرتير – وتدوى موسيقى تشيرالي الا فلاس، بسرعة ترتفع ثم تتوقف.

(15) غرفة المدير. داخلي. يدق الجرس ياتي المعين، المدير : لينتظرني المساعد الاداري ومظفو التفتيش في الممر حالا للبدء بالتفتيش. يغادر المعين الكاميرا تتجه الى المدير فقط المدير يحدق بستارة النافذة دقيقة ثم ينهض الكاميرا تتحرك معه وهو يغادر الغرفة..

(16) بداية الممر من الباب المفتوح لغرفة المدير. يقف المساعد الاداري والموظفون الثلاثة يحيون بأحناء رؤوسهم الى ابعد ما يمكن.

(17) الممر. انارة شاملة. يتحرك المدير ووراءه المساعد وجوقه الموظفين، الكاميرا تتحرك معهم. المدير يلتفت هنا وهناك.. يشير الى بعض الاوساخ.

– يجب تنظيف هذه البقعة..

– وكذلك هذه الابواب بحاجة الى الصبغ.. يتوقف قرب احد الابواب، يمد رأسه دون ان يدخل، وهو يحي ثلاث موظفات : ( صباح الخير).. يواصل المدير ومرافقوه المشي في الممر. يلتقيه رزام ( في الاربعين من عمره، اشيب الشعر، احمر الوجه، قصير القامة، يحمل حقيبة جلدية..) تركز الكاميرا على انحناءة الرزام. (يوجه التحية للمدير بيديه الاثنتين، اللتين تطلان من جانبي الرأس في تكبيره غير قصيرة، تواكب الانحاءة الذليلة للرأس ) المدير (بانتعاش وزهو ) : هذا هو الموظف المخلص  (ينظر للمساعد ) : امنحه علاوة اسبوعية !

المساعد – تامر سيدي. على الفور  سيدي. (يدفع نظارته الى عينيه باصابعه بعد ان اهتزت قليلاً).

المساعد- لكن سيدي.. لا توجد  علاوة  اسبوعية. بل سنوية.. امركم؟ (ثم طوى الاوراق وكفيه في لفة واحدة) منتظراً..

المدير- ليكن.. (المهم مكافأة  ذوي الخلق الرفيع. (لا  زال الرزام يكرر نفس التحية)

المدير- والان لنتوجه الى اهم قسم في الدائرة..

(18) غرفة  واسعة. لقطة كبيرة  لقطعة (قسم الاحصاء والتوثيق). لقطة طويلة (داخلي). عشرة   موظفين. نهضوا عند قدوم المدير.

المدير- صباح الخير. كيف الحال؟

الجميع-.. (همهمه مشتركة لا يفهم منها شيء !).

المدير – يهمني ان ازوركم دائماً. اني عندما التقي بكم  باستمرار (ونظر برحابة صدر الى المساعد الاداري الذي سرعان ما كان  تعبيره جاهزاً: تامر سيدي!).

لم يستطيع احد الموظفين  مغالبة نفسه من الضحك. (الكاميرا تقترب منه).

المدير- هه، لماذا تضحك؟

الموظف- عفواً.. حضرة المدير.. ان الاخ المساعد والموظف الاقدم تفوه بعبارة لا علاقة لها بالحديث. فانت لم تطلب شيئاً ولم تبتدئ الا بكلمات قليلة، فاجابك (تأمر سيدي) ارجو المعذرة!

احتقن  وجه المدير، وارتعدت بسرعة غمازته اليسرى. (لقطة كبيرة لوجه المدير).

ثم لقطة متوسطة (عامة). المدير يلقي باذن المساعد كلمات غير مسموعة .. ثم.

المدير- حسناً.. ساستمر في حديثي. وانت ستنال جزاءك فيما بعد. (وسط نظرة نارية الى الموظف).

المدير- الى اين وصلنا؟ هاه.. ان جولتي التفتيشية هي تعبير عن (الديمقراطية).. (صمت للحظات) .. وهدفي الدائم هو تدارس الامور وترك المنغصات!

المساعد- تأمر سيدي. صح سيدي!

نظر له المدير بملاطفة وهز رأسه علامة الاستحسان!

استأذن (احمد) (احد الموظفين) الحديث.

احمد- عفواً.. لدي بعض وجهات النظر.. هل تسمح لي بطرحها؟

المدير- نعم، نعم.. تفضل.. لم لا؟ وصوب اليه نظرة نارية.. صوت داخلي للمدير (ما في حفيظة هذا الملعون!).

يردد مع نفسه.

احمد- ان الجولات التفتيشية لم تخرج عن نطاق الاحاديث المتكررة نفسها وثمة قضايا اساسية لم تتطرق لها، فلا تزال مشكلات عديدة تتطلب المعالجة. فالروتين الثقيل تفاقم في الفترة الاخيرة في الدائرة. وتفشت نزعات الشغب والغدر. اما القيم المبدأئية التي تؤكد عليها الدولة باستمرار فكان هذه الدائرة غير ملزمة بها! وتسود العلاقات الشخصية وتضغط على نزاهة الموظف.. ويا حبذا لو سمحت لي يا حضرة المدير بتناول الامثلة بصراحة! (يتكلم بتأن وهدوء).

المدير- ان شأننا هو العمل.. ولا وقت لدينا لتبادل الاحاديث (لهجة قاطعة).

احمد – ولكن، ما اطرحه ليس باحاديث عامة.. انها قضايا حساسة تخص  جوهر عمل الدائرة.

المدير يؤمي برأسه. الكاميرا  تسجل في لقطة قريبة الموظف يسجل في دفتر لديه شيئا ما. ويهز برأسه منحنياً، حتى تكاد نظارته تقع من على انفه. فيدفعها باصبعه.

المدير- على كل حال، بامكانك ان تكتب تقريرا وتقدمه لي.

(الكاميرا تتابع حركة عيني المدير وهما تتشاغلان بفحص السقف والجدران الجانبية من الاعلى ثم تتوجه حركة الكاميرا الى اسفل.. يتشاغل بمراقبة حذائه وتحريكه).

(لقطة قريبة لاحمد والى جانبه وورائه زملائه الموظفين) ثم يبرز احمد اكثر في اللقطة.

احمد – ولكن ما المانع من التداول الان في قضايا تخص الدائرة؟ والا فما هو الهدف من الجولات التفتيشية السريعة جداً، والتي لا تتطرق لاي موضوع.

ثم تتوجه الكاميرا نحو المدير. ينقر على جبهته باصابعه، فيما يركز ابهامه الايسر على صدغه.

المدير- الان.. عرفت كيف يسهم البعض في اعاقة الممارسات الديمقراطية (يتفحص بعينيه جميع الموظفين، بتعاطف زائف).. تصوروا انني امارس التفتيش مستثمرا الوقت للاتقاء بكم، فياتي من ينغص علي الجو كيما يدفعني الى القرف من الممارسة الديمقراطية والانكماش بعيدا عنكم.. ولكني لا اتراجع ابدا. (ثم يرفع  صوته بمهابة ويستمر) فالديمقراطية تمشي في دمي اساسا ! (لقطة مكبرة لوجهه المحتقن ويده المرتفعة وكأنه يخطب) ثم لقطة قريبة مشتركة مع مرافقيه. يتوجه بنــــــــظراته الى المساعد الذي يهم قائلاً: – صح سيدي.. تامر سيدي (فيما يدغدغ المدير بطنه بخفة وسرعة للحظات الكاميرا تركز على ذلك ثم تهبط الى الاسفل.. وتصعد الى الاعلى على جسم المدير.