من حافة التاريخ.. حياة أمير اللواء الركن المتقاعد طاهر الزبيدي
20
الكشف عن تفاصيل حركة القطعات العسكرية العراقية في حرب 1948
طارق النجار
بغداد
المقدمة
لا أود الخوض في حكاية مجردة لضابط عسكري عراقي أسهم في الكثير من انجازات الجيش العراقي وفي مختلف صنوفه ومراتبه، انما حدا بي الى هذه الحكاية التي انتبهت اليها، تلك الشخصية العسكرية الوطنية التي تركت اثراً في اديم العسكرية العراقية، وما ورد فيها من تفاصيل جعلتني أكثر قرباً من تاريخه العسكري تبوؤه عدة مناصب عسكرية تليق بالرجال. ليس لي احقية بهذا التاريخ غير سرده وأعانني فيه شخص ولده ” فيصل طاهر الزبيدي” الزميل السابق في العمل الوظيفي، وبالتحديد الخطوط الجوية العراقية، الذي زودني بمسوداته المبعثرة التي احسست بمشقـــة وعناء وجهد مضن في تناولها في ترتيبها وتدوينها وما لقيته من معاناة في تسلسلها الرقمي، بما تملكه من غزارة في المعلومات.
الحركة الى فلسطين
بتاريخ 25/نيسان 1948 تبلغت بالامر الانذاري من دائرة الاركان العامة للتهيؤ للحركة خلال (48) ساعة الى فلسطين . بكامل موجود القوة الآلية . فبلغت الامر لوحدات القوة الآلية ثم ذهبت بنفس التاريخ الى بغداد مستخدما سيارتي العسكري، وواجهت كلا من رئيس اركان الجيش الفريق الركن صالح صائب محمد الجبوري . والعميد الركن حسين مكي خماس، مدير الحركات العسكرية .. واخذت منهما بعض المعلومات والتوجيهات التي كنت احتاجها في حركتي هذه، وعدت في اليوم الثاني الى مقري في جلولاء بنفس السيارة العسكرية.
وفي صباح يوم 27 نيسان 1948، تحركنا من جلولاء الى بغداد (بسم الله مجريها ومرساهاان ربي لغفور رحيم) . وعسكرنا في ضواحي بغداد الجديدة . وفي عصر ذلك اليوم زار معسكرنا (المرحوم) رئيس الوزراء آنذاك السيد محمد الصدر)، وبرفقته (المرحوم) وزير الدفاع (صادق البصام)، ومعهم رئيس اركان الجيش. وقد بارك لنا السيد رئيس الوزراء حركتنا ورجالنا النصر والتوفيق، ثم عاد بمن جاءوا معه. وفي ليلة 28/29 نيسان 1948، وفي تمام الساعة (02,00) الثانية بعد منتصف الليلة المذكورة. تركنا بغداد الجديدة. وسرنا متجهين نحو فلسطين. فخرقنا بغداد من شرقها الى غربها . ومن كرخها الى اتجاه (H3) ايج ثري – (كان حماس الاهلين بالغا اشده . وكانوا متجمهرين على طرفي الطريق ..) فتم وصولنا قطعات القوة الآلية في الساعة الثانية والنصف (14,30) في يوم 29/4/1948، وعسكرنا في تلك المنطقة، وقد زارنا مدير الاستخبارات العسكرية آنذاك (المقدم مدحت امين) في معسكرنا هذا موفدا من لدن رئيس اركان الجيش لتنفقد راحتنا والاطلاع على معنوية القوة الآلية التي كانت لاتجاريها معنوية في الاعتماد على النفس والثقة، والتعطس لمواجهته الصهاينة المجرمين ومقاتلتهم، وبعد ان قضى مدير الاستخبارات العسكرية مدة ساعة من الزمن، عاد من حيث اتى .. وفي صباح اليوم الثاني 30 نيسان 1948 . وفي تمام الساعة الخامسة صباحا تحركنا من (H3) الى (H4) – ايج فور – فوصلنا اليها في الساعة (03,30) الثالثة والنصف عصرا . وعسكرنا فيها، وعند العشاء زارنا الوصي عبد الآله . وكان برفقته مرافقة الرئيس (النقيب) على الصانع، وبعد زيارته القصيرة لنا، تركنا وذهب إلى فندق (H4)، وقضى ليلته فيه، وعند الصباح 1/ مايس/1948، تحركنا، ووصلنا المفرق في شرق الاردن، وعسكرنا في المفرق . كانت منطقة المفرق متربة للغاية وقد وجدت ان ثكنات وحدات الفرقة الأولى للجيش العربي الأردني، التي يقودها الانكليزي الجنسية العقيد (الكرنل. لاش) خالية . اذ انها كانت قد تحركت لإشغال مواضعها في الخطوط الامامية. ولاحتلال بعض المناطق التي انسحبت منها القوات البريطانية المحتلة، وكانت قد خصصت في قرار التقسيم للعرب.
واذ ان معسكرنا في الخيم بمنطقة المفرق مزعج لكثرة اتربته . ولقلة الماء فيه. راجعت السلطات الاردنية هناك، لاسكان وحدات القوة الآلية في ثكنات الفرقة الاولى للجيش العربي الاردني الخالية آنذاك . فلم يجب طلبي ورفض (جملة وتفصيلا) فتشاءمت وقلت: او لم يكن الجيشان عربيين (هاشميين) وانهما سيشتركان في معركة المصير العربي كجيش واحد، خاصة بعد ان تمًّ توزيع جبهات القتال، وخصصت المنطقة التي تبدأ من طبرية والعدسية شمالا الى الخليل جنوبا للجيشين العراقي والاردني . ففوضت امري الى الله، وعسكرت بقطعات القوة الآلية في منطقة المفرق (المتربة)، وفي يوم 4/نيسان 1948، ذهبت الى عمان وزرت الملك عبد الله، وتباحثت معه في امر المعارك التي ستدور رحاها في فلسطين . فما كان من الملك عبد الله الا ان طلب مني استصحابه الى غرفة داخلية مظلمة نوعا ما، وصار يشرح لي وجود القوات الاردنية في بعض المدن والاماكن الفلسطينية، والتي خصصت للعرب عند قرار التقسيم وكان يشرح لي ذلك على الخرائط الفلسطينية التي كانت معلقة على جدران تلك الغرفة، ومن جملة ماذكره لي قوله: ها هنا ولدي طاهر، توجد لدينا سرية مشاة لحماية هذه المنطقة (منطقة مدينة اللدومطارها)، وها هنا يوجد لنا فصيل مشاة لحماية (مدينة الرملة ونوابعها) فقلت له: سيدي صاحب الجلالة، هل تعتقدون ان مثل هذه القوة الضئيلة كافية لحماية هذه المناطق الواسعة الشاسعة؟.. فأجاب: نعم نعم ياولدي كافية وبكل تأكيد . (فتشاءمت ثانية). ثم عدنا وجلست في مكتب الملك ورجوت منه معالجة مانحتاجه من امور. فاستدعى مرافقه وامره بان يصحبني الى رئيس اركان الجيش الاردني (اللواء عبد القادر الجندي). ليبلغه بان الملك يطلب تنفيذ طلباتي (كاملة غير منقوصة). فذهبت برفقة مرافق الملك الى ديوان رئيس اركان الجيش. اذ ابلغه بأمر الملك، وعوضا عما يجب ان يرد به على الموافق من نحو قوله بأمر جلالة الملك، او ان يقول طيب حسب امره. اجابه: صار معلوم ارجع الى محلك. فجلست في غرفته حتى انصرف كل من كان في الغرفة، ثم التفت الي مشكورا وهو يقول: نعم شو عندك. شو بتريد؟.. فقلت: لدي بعض النقاط التي اود ان اعرضها عليكم. عسى ان نتوصل الى حل، وهي تنحصر في المواد التالية: 1. نحتاج الى بعض الخرائط الفلسطينية. فنرجو تزويدنا بها لتوزيعها على الوحدات للاستفادة منها في الحرب مع الصهاينة المجرمين. 2. ارجو ان اطلع على مدى تعاونكم وأيانا في موضوع الاعتدة على اختلافها. 3. تزويدنا بالنشرات الاستخبارية عن اليهود. 4. كيفية تدارك الاعانة والارزاق لقطعات القوة الآلة، والاسلوب المتبع في جيشكم للتعاقد مع المتعهدين، فاجابني: حفظه الله: على المواد حسب تسلسلها وكما يلي:
1 . نعطيكم شيء خريطة خريطتين فقط.
- شو هل حكي بتريدوا من عندنا عتاد؟.. نحن نريد منكم تزويدنا بالاعتدة كلما احتجنا لها.
3 . من فين نشرات استخبارية؟.. وكل ماعندنا هو مايخص جيشنا فقط.
- نبعث لكم متعهد ارزاق جيشنا وانتم اعملوا معهم قنطراتو (كونتراتو Controto) على حسابكم . (فتشاءمت مرة اخرى) .
وخرجت منه متألما متشائما عن المستقبل، وعدت الى معسكري دون ان احصل على شيء. وقد اخذني في العجب، كيف ان رئيس اركان الجيش لايحترم ملكه، ولايهتم به ولا بينفذ امره.
وفي يوم 6/ مايس 1948، زار معسكرنا الملك عبدالله ومعه متصرف لواء (اربد) بهجت طيارة ومرافقوه، وبعض مراسلي (الصحف، فاستقبلناه وجلس في خيمتي، وتباحث معنا، ثم نهض وفتش وحدات المعسكر ز برجالها واسلحتها (بصفته القائد العام للجيوش العربية)، وبعد ان قضى ساعتين في معسكرنا رجع ومعه من كان قد اتى بمعيته . فودعناه مثلما استقبلناه .. وفي يومي 7 و8 مايس، زرت وادي العرب ومخفر جسر المجامع، وعبرت نهر الاردن مستصحبا معي امراء الوحدات للقوة الآلية، وكنا نرتدي الكوفية الحمراء، والعقال الاسود، واستطلعنا مناطق الضفة الغربية . ووصلنا قرية الحّمة . ثم عدنا واستطلعنا الضفة الشرقية لنهر الاردن، فوصلنا قرية العدسية.
وصول قائد القوات العربية – اللواء الركن نور الدين محمود
وفي يوم 7/ مايس 1948، وصل اللواء الركن نور الدين محمود بصفته قائدا للقوات العراقية، ونصبنا له خيمة (400 باون) . ولضباط مقره خيمتين (400و 160 باون)، وبطبيعة الحال ارتبطنا به ومقره .. وفي يوم 12/5/1948 الساعة (13,00) وصل المفرق ف2 ل1 بموجوده (24 ضابط و615 مراتب، و8 توابع فالمجموع 647). وفي يوم 13/5/1948 تم اختيار اللواء الركن نور الدين محمود، وتعيينه بمنصب وكيل للقائد العام. فاستصحب معه ضباط ركن القيادة العراقية وسيارات مقرها الى مقره الجديد الذي فتحه في الزرقاء في معسكر الجيش الاردني. القريب من عمان (العاصمة الاردنية) ولم يحسب أي حساب لمن سيخلفه في منصبه السابق (قيادة القوات العراقية)، حيث لم يبق في ذلك المقر من ضباط ركنها، ولا من سياراتها . ولا من سواقها شيء (كان الواجب يقضي عليه ان يترك مايخص مقر القيادة العراقية من ضباط ركن وآليات وسواق في مقر القيادة العربية، وان يطلب مايحتاجه لمقره من القائد العام (الملك عبد الله) بصفته وكيلا له ولايترتب على الجيش العراقية ان يزوده ومقره بضباط وآليات ومراتب..).
ونظرا لان منصب (قائد القوات العراقية) قد شعر بانتقال اللواء الركن نور الدين محمود الى وكالة القيادة العامة للجيوش العربية ثم تعيين الزعيم (العميد) طاهر محمد الزبيدي (صاحب هذه المذكرات) قائدا للقوات العراقية خلفا له بتاريخ 13/5/1948 . و(لا كما ذكر نور الدين محمود في مذكراته المخطوطة – ان رئيس اركان الجيش الفريق الركن صالح صائب محمد الجبوري قد عين (الزعيم طاهر محمد الزبيدي) قائدا للقوات العراقية وآنذاك صار تجميده أي تجميد اللواء الركن نور الدين محمود على حد قوله). وفي يوم 14 مايس 1948 وبينما كنت اشرح واوضح موقف العدو ومواضعه على حفرة الرمل التي اعددتها لهذا الدرس. حضر الوصي عبد الاله وكل من الفريق الركن صالح صائب محمد الجبوري – رئيس اركان الجيش العراقي واللواء الركن نور الدين محمود، وكيل القائد العام والزعيم الركن اسماعيل صفوت القائد العام للقوات المتطوعة (الانقاذ والجهاد المقدس) واستمعوا للمحاضرة التي كنت القيها في ذلك الحين على ضباط وحدات القوة الآلية (و ف2 ل1)، وكان ذلك في الساعة (1,30) ظهرا، وفي الساعة 2,00) الثانية (14,00) بعد الظهر تحركت من المفرق، فوصلت مركز ولاية (اربد) في الساعة (02,45) وكان الاهلون متجمهرين على طرفي الشارع الذي اخترقناه من وسط المدينة . فترجلت من سيارتي. والقيت خطابا حماسيا فيهم ومن ثم استمرينا السير حتى وصولنا الى وادي العرب. وفور وصولنا وادي العرب. وذلك في الساعة (05,00) الخامسة مساءاً، امرت آمر الفوج الآلي المقدم الركن (المرحوم) نوح عبدالله ان يرابي الجبال المشرفة على وادي العرب، وعلى مشروع روتنبرغ الكهربائي، وعلى مخفر جسر مجامع، وعلى قرية كيشر في الضفة الغربية من نهر الاردن، وعلى قرية المنشية في الضفة الشرقية من نهر الاردن، وعلى ضفاف النهر، فأخرج آمر الفوج السرية الاولى في فوجه وتمت مراباة الجبال المذكورة وفق الخطة المرسومة.
وبينما كان الفوج الآلي يقوم بواجبه خبر قيام في امر المراباه اصطحبت معي الرئيس الركن مظفر التك ضابط ركن القوة الآلية راكبا سيارة جيب. وقد توجهت الى مخفر جسر مجامع الذي يقع على قمة التل، وعلى رأس جسر مجامع من الضفة الشرقية.
وكان يشغل هذه المخفر عند زيارتي الاستطلاعية المتعددة السابقة من قبل قوة من الجيش الاردني . فوصلت المخفر المذكور في الساة 05,45 مساءً من يوم 14 مايس 1948 .
فشاهدت متصرف لواء (اربد) بهجت باشا طيارة جالسا (مختفيا في حفرة كانت تقع فوق سطح تلك القمة والى الشرق من بناية المخفر (وكان بمفرده). فسألته عن اسباب وجوده في هذه المنطقة وفي تلك الحفرة بالذات؟.. فاجابني: انني الان اشرف على اخلاء مشروع روتنبرغ الكهربائي ومخفر جسر المجامع من الجنود الاردنيين (كانت من الجيش الاردني سرية مشاة قد وضعت في مشروع روتنبرغ الكهربائي كحماية المشروع من جهة، ولحماية اليهود العاملين في المشروع من جهة اخرى، وكان للجيش المذكور فصيل مشاة خصص لحماية جسر المجامع من العبث..).
وقد شاهدت ان المخفر تم اخلاؤه. ولم يبق فيه سوى جندي اردني واحد . قد لف فراشة ووضعه وراء المخفر من الناحية الشرقية وبالقرب منه، كما قد اخرج الجندي المذكور تلفون المخفر من الشباك ووضعه الى جانب فراشة . فقلت للمتصرف: اولم تكن جنديا سابقا؟ .. وقد وصلت الى رتبة لواء وسميت(بالباشا)..؟ هل يجوز ان تنسحب او تسحب قواتك العسكرية من منطقة او مناطق دون ان تسلمها الى من سيخلف قواتك في احتلال تلك المنطقة ؟ (خاصة وان الجيشين العراقي والاردني عربيان وهاشميان) وان هدفهما واحد وعدوهما مشترك واحد ؟ .. فما كان من بهجت باشا (بهجت باشا هذا هو نفس العقيد بهجت طيارة الذي كان على رأس القوة التي جاءت من الاردن . بتوجيه من كلوب باشا (او مايسمى (بأبي حنيج) قائد الجيش الاردني وذلك لمساعدة الجيش البريطاني في الحبانية في حركات مايس/1941..) الا وقد اخرج برقية من جيب سترته وقال خذ واقرأ ..!! واضاف قائلا: انني انفذ ما في هذه البرقية.
























