من حافة التاريخ.. حياة أمير اللواء الركن المتقاعد طاهر الزبيدي 14
قصة إنبثاق الحركة البارزانية وتحشيد الجيش لضرب معاقلها
طارق النجار
بغداد
المقدمة
لا أود الخوض في حكاية مجردة لضابط عسكري عراقي أسهم في الكثير من انجازات الجيش العراقي وفي مختلف صنوفه ومراتبه، انما حدا بي الى هذه الحكاية التي انتبهت اليها، تلك الشخصية العسكرية الوطنية التي تركت اثراً في اديم العسكرية العراقية، وما ورد فيها من تفاصيل جعلتني أكثر قرباً من تاريخه العسكري تبوؤه عدة مناصب عسكرية تليق بالرجال. ليس لي احقية بهذا التاريخ غير سرده وأعانني فيه شخص ولده ” فيصل طاهر الزبيدي” الزميل السابق في العمل الوظيفي، وبالتحديد الخطوط الجوية العراقية، الذي زودني بمسوداته المبعثرة التي احسست بمشقـــة وعناء وجهد مضن في تناولها في ترتيبها وتدوينها وما لقيته من معاناة في تسلسلها الرقمي، بما تملكه من غزارة في المعلومات.
وفي 1/ آب/ 1945 حصلت على اجازة سنوية لمدة شهر اقضيها في ربوع شمال العراق، فاستصحبت عائلتي واولادي وسافرت وقد نصب المقدم الركن عبد القادر سعيد مشكورا (صريفتان) كابرتين الواحدة لاهلي واخرى لاهله على بحيرة جنديان .
وكان الموما اليه يشغل وظيفة رئيس ركن الفرقة الثانية في كركوك وهكذا تمركزنا في محل اصطيافنا، وبعد مدة سبعة ايام الغيت اجازتي وتبلغت برقيا بهذا الالغاء والعودة الى مقر عملي (الديوانية) فورا . فعدت في يومه وباسرع ما يمكن ان يكون . فتبلغت فور وصولي الديوانية بالبرقية الانذارية للحركة.
حركات برزان عام 1945
الى بغداد ومنها الى كركوك، لاكون بأمرة الفرقة الثانية وقد الحقوا الفوج الثاني من لواء الرابع عشر (فوج المقدم افرام هندو) بلوائي ليكون اللواء ذو امكانيات حربية تعبوية متكوناً من ثلاثة افواج وكان الامر الانذاري يتطلب حركة اللواء خلال (24) اربع وعشرين ساعة. تحركنا (بسم الله مجريها ومرساها ان ربي لغفور رحيم) صباح يوم 8 / اب 1945 من الديوانية في القطار الصاعد فوصلنا بغداد صباح اليوم الثاني 9 / اب وذهبت توا الى مير العينة لاحصل على ما يحتاجه منتسبو لوائي من ملابس وتجهيزات وخاصة الجواريب فاجابني مدير العينة العقيد عطا محمود بعدم تيسر ما طلبته (الا ما ندر منها) وخاصة الجواريب وفقدان وجودها، واخذ يكلم رئيس اركان الجيش عن مصير طلبات العينة السابقة في امر تدارك الجواريب التي اصبح الجيش بامس الحاجة لها؟ واضاف قائلا : ان امر اللواء الخامس عشر جالس الان عندي وهو يطالب بالحاح لجنود لوائه، الذي اصبح القسم منهم يرتدون احذيتهم (بساطيلهم) بدون جواريب، فاجابه رئيس اركان الجيش : (ارسل امر اللواء الخامس عشر حالا الىَّ لمواجهتي) فبلغني مدير العينة بذلك، وذهبت لمواجهة رئيس اركان الجيش كما امر . فامرني بان اتهيا للحركة بالفوج الذي استصحبه معي من لوائي وستهيء مديرية السكك الحديدية القطار اللازم لهذا التنقل من بغداد الى كركوك واترك الان المطالبة باي حاجة تريدها لمنتسبي لوائك . فتركته، وذهبت الى مقري والفوج الاول من لوائي الذي استصحبه معي بجوار محطة البصرة، فانتقلنا الى منطقة مجاورة لمحطة قطار باب المعظم، لنكون قريبين من القطار الذي سينقلنا الى كركوك، وقد هياوا لنا قطارا ركبناه وتحركنا مساء ذلك اليوم ووجهتنا جلولاء . وبعد وصولنا جلولاء ترك القطار شاحناتنا في المحطة وذهبنا الى خانقين وفي الساعة (00ـ02) الثانية من بعد منتصف الليل، جاء القطار السريع وربط شاحناتنا خلفه وتحرك بنا الى كركوك، وعند وصولنا الى محطة قطار (بشير) نزلت من القطار لاتفقد حالة الجنود وقد علمنا ان رئيس اركان الجيش الفريق الركن صالح صائب محمد الجبوري هو في القطار معنا وقد جاء راكبا في القطار السريع الذي ربطنا خلفه بطريقه الى كركوك.
وعند وصولنا الى محطة كركوك كان قائد الفرقة الثانية اللواء مصطفى راغب مع ضابط ركن مقره وكبار ضباط فرقته في المحطة باستقبال رئيس اركان الجيش، فحيوا رئيس اركان الجيش وحييته انا ايضا بدوري .. فسالني اين ستعسكر؟ .. فاجبته : في جوار (الدكرمن) الطاحونة شمال موقع كركوك لاكون على بدا الحركة الى المنطقة البارزانية فقال : محل مناسب، وهكذا تركت الجميع واسطحبت الضابط الركن الرئيس (النقيب) عبد الكريم توفيق وذهبت الى (الدكرمن) واشرت له محل المعسكر الذي اريده وانتخبته وطلبت منه ان يذهب الى الفوج الاول الذي جاء معي من الديوانية لكي يستصحبه الى محل تعسكرهم هذا وتركته وذهبت الى مقر الفرقة الثانية لكي اتدراك بعض حاجيات الجنود من عينة الفرقة.
فذهبت الى المقدم الركن حميد السيد عمر ضابط ركن الميرة للفرقة الثانية، وجلست عنده وطلبت منه ان يآمر لي بقدح شاي وان يجلب لي رغيف خبز فقط وبدون أي حاجة اخرى لافطر وكنت (جائع تماما) فاحضر ما طلبت مشكورا وكنت احادثه في امكانيات الفرقة بتزويد لوائي بما يحتاجه من مواد وملابس وخاصة (الجواريب) وبينما كنا نتحادث وانا اتناول الشاي واذا بجرس التلفون يرن فطلب قائد الفرقة من المقدم الركن حميد ان يريل في طلبي لاحضر امام رئيس اركان الجيش فاجابهم هذا هو امر اللواء الخامس عشر العقيد طاهر جالس لدي، فطلبوا منه ان امتثل امام رئيس اركان الجيش الجالس في غرفة قائد الفرقة الثانية. فتركت الشاي وقطعة الخبز ورحت مسرعاً الى مقر قائد الفرقة فدخلت غرفة قائد الفرقة، فوجدت فيها كلاً من : الفريق الركن صالح صائب محمد الجبوري وقائد الفرقة الثانية اللواء مصطفى راغب (الذي اصبح قائدا للحركات) والزعيم الركن (العميد) اسماعيل صفوت والمقدم الركن عباس علي راغب ضابط ركن رئيس اركان الجيش والمقدم الركن عبد القادر سعيد رئيس ركن الفرقة الثانية (الذي اصبح رئيس ركن الحركات) مجتمعين لتنظيم خطة الحركات . فنظر الي رئيس اركان الجيش وقال : يجب ان تتحرك يا طاهر حالا الى خليفان وسيهيء امر النقليات الالية العقيد فوزي فرج الله وسائط نقلية الية اهلية فورا لتنقلك مع مقر لوائك والفوج الاول من لوائك الذي استصحبته معك من الديوانية.
فرجوته ان يعطي كم ساعة استراحة للجنود الذين لم تغمض لهم عينا، منذ تحركنا من الديوانية.
فلم يوافق وقال الموقف يتطلب سرعة الحركة والتضحية والوصول الى خليفان واشغال مضيق كلي علي بك برا يامن الفوج المذكور من مبدأ دخول المضيق (خليفان) الى نهايته فقلت له : امرك سيدي وهممت بالخروج لتنفيذ امره واذا به يناديني ويقول عليك ان تكون يقظاً عند اجتيازك منطقة سيبلك الجبلية، حيث ان قوة من البارزانيين يتمركزون الان فيه وعليك ان تخرج ترتيبات امنية وترابي كمقدمة وميمنة وميسرة . فأديت له التحية العسكرية وخرجت وقد تهيأت السيارات الاهلية فركبناها وسرنا على بركة الله.
وكنت اسير في راس الرتل راكبا سيارة (فانيت) زودتني بها الفرقة الثانية وعند وصولي (قرية ديره حرير) شاهدت في المقهى بلبلة، فذهبت الى مصدر تلك الاصوات ففهمت ان قافلة من الاكراد قد اجتازوا جبل سيبلك بطريقهم من راوندوز الى شقلاوة ضربتهم قوة من عصابة بارزانية فوق جبل سيبلك وجرح منهم شخصان واستولوا على البعض من حيوانات ركوبهم، فهذا أيدّ ما قاله رئيس اركان الجيش من وجود البارزانيين على هذا الجبل .. وهند وصولنا الى القرية التي تقع على سفح جبل سيبلك من الغرب اعطيت امراً بأن ترابي السرية الاولى من الفوج الاول واذا بالضابطين الوحيدين بتلك السرية امر السرية الرئيس عزت محمد وامر الفصيل رشاد محمد سعيد قد غابا عن الانظار ففكرت مليا وقلت في نفسي كيف العمل واننا لم ندخل الحرب بعد وهذا هو موقف هذين الضابطين؟ .. فقدرت الموقف وناديت باعلى صوتي الرئيس ماجد سليم، وكان يشغل منصب آمر سرية الاسناد للفوج، اجابني : نعم سيدي، فقلت له : انت امر السرية الاولى تفضل وقد سريتك متخذا ترتيبات الحماية للفوج وها انا آمر لوائكم ساشغل منصب آمر الفصيل عوضا عن الملازم رشاد . ودفعت بنفسي الى الامام ماشيا الاول في المقدمة، ففلم نجد أي مقاومة من البارزانيين الذين ولوا الادبار بمجرد مشاهدتهم قواتنا، فوصلنا خليفان، وجعلت مقري في مخفر شرطة خليفان، وامرت امر الفوج ان يسرع وذهبت لاوقع استمارات سيارات الاجرة التي رجعت بعد ذلك الى محل عملها في كركوك .. وقد التحقت قوات جحفل اللواء الخامس عشر الواحدة تلو الاخرى حتى تم وصولها جميعا والتحقت كتيبة مدرعات فصيل ايضا فصارت القوة التي تتجحفل في منطقة خليفان تتكون من : مقر ل15 / ف1 ل15 / ف2 ل15 / ف2 ل14 / كتيبة مدرعات فصيل / كتيبة المدفعية (25 رطل) / سرية هندسة ل15 (الثالثة) / سرية مخابرة 5 ل15 / وقد عاد اللواء الثالث التابع للفرقة الثانية والذي كان يقوم بالتدريب الاجمالي (شرق راوندوز) عاد ويقوده امره العقيد الركن (المرحوم) حسيب وفيق الربيعي الى منطقة بافستيان وتعسكر فيها.
تحشيد الجيش
لقد صدرت الاوامر باسناد قيادة الحركات العسكرية الى قائد الفرقة الثانية اللواء (المرحوم) مصطفى راغب، وتم تحشيد التشكيلات العسكرية الاتية في مواقع تحشدها المندرجة ازاءها وذلك بتاريخ 2/9/1945 (بالاضافة الى تحشيد قطعات الجيش والشرطة من الجهات الثلاثة : الشمالية منطقة العمادية والغربية منطقة عقرة والجنوبية منطقتي راوندوز وبافستيان، لقد استفادت الحكومة من العشائر الكردية الموالية للحكومة في حزب قوات الملا مصطفى المتمردة الى حد بعيد، وخاصة عشائر : السوجية والهركية من الشمال والغرب، وعشائر رشيد لولان من الشرق وعشائر اسعد من الجنوب واخيرا من الغرب عشائر محمود واحمد الزيبارين).
أ- بدا التمرد وحركة عصيان الملا مصطفى
ظل الملا مصطفى خلال عامي 1944 – 1945 يبث الدعاية السيئة ضد الحكومة بين العشائر ليوسع نفوذه بينها فاستطاع في بداية التمرد ان تجمع حوالي (1200) مسلح من الدولة حربين والشرواتين والزيبارين والبارزانيين والمزورين وعشائر اخرى، وكانوا جميعهم مسلحين ببنادق مختلفة النوع ولديهم (13) خفيفة ايضاً.
ب- سقوط مخفري مركة سور وبارزان
وبعد ان اصاب الملا مصطفى الغرور بحصوله على هذه القوة المتمردة معه ارسل قوة منهم تقدر بخمسين مسلح تحت قيادة ( اولو لوبك) ان هذا الشخص كان شرطيا برتبة نائب عريف وقد ترخص من الخدمة وكسب ثقة الملا مصطفى وكان يعاونه شرطي اخر مرخص اسمه ( مامند مسيح) وكان الاخير هدافا جيدا) الى مخفر مركة سور واباد الشرطة بجميع مراتبها بما فيها مفوض الخفر (المرحوم) نوري وقد قتل رئيس القوة المهاجمة هذه نتيجة الاصطدام واستبسال شرطة المخفر المذكور وقتل معه حوالي نصف قوته، وتم للعصاة الباقين الاستيلاء على المخفر وارسل الملا قوة مسلحة اخرى الى مخفر بارزان وسقط المخفر ايضا واستولت عليه.
ج- معركة بادليان يوم 25 / 8 / 1945
بعد ان استولت قوة الملا مصطفى على مخفري (مركة سور وبارزان) بغتة، حاصروا مخافر بله ودينارنه وسيده كا، وهاجموا مخفر بيره كيره، وفي 14/8/1945 استواولوا على مخفري سوري وهاريك، وفي خلال فترة التحشد شدد العصاة الحصار على مخافر الشرطة فاخذ موقفها ليخرج تدريجيا لنفاذ مؤنتها، واخذت القوة الجوية تعاونها باستمرار وكان موقف مخفر سيده كا الذي لم تتجاوز قوته الثلاثين نفرا اشدها حراجة.
اذ بلغ عدد القوة الكردية حوالي (200) مسلح استطاعوا ان يسيطروا على مجرى الماء الوقع خارج المخفر، والذي يستخدمه افراد لمخفر حاجتهم لذلك تقرر انجاده بفوج شرطة على ان يقوم الجحفل الثالث بايصاله الى سيده كا لصعوبة الوصول اليها ومناعة مضيق سري بردي المؤدي اليها .
وفي صباح 25/8/1945 تحرك الجحفل الثالث وفوج الشرطة الاول من بافستيان فاصطدم بحوالي (200) مسلح في التلول الكائنة جوار قرية بادليان، فنشب قتال شديد بين قوات الجحفل الثالث وبين القوة الكردية التي كانت تحتل جميع التلول المشرفة على قرية (بادليان) والكائنة عند مدخل مضيق (سري بردي) واستمرت المعركة حتى المساء، حيث استولى الجحفل على مواضع القوة الكردية (عدا بعض التلول) ثم عسكر الجحفل في مكانه، وقد شنّت القوة المتمردة عدة هجمات مقابلة عند الغروب لأسترداد المواضع التي فقدتها ولكنها فشلت وتكبدت خسائر كبيرة كفوا بعدها عن معاودة الهجوم في تلك الليلة.
د- الحوادث منذ 26/8 حتى 3/9/ 1945
وفي الساعة الخامسة والنصف من صباح يوم 26/8/1945 هاجم بعض القوة المتمردة الربنية رقم /2 من اللواء الخامس عشر التي كانت تتمركز على اعالي مضيق علي بك، فاستبسلت هذه الربنية وطردت القوة المهاجمة من حيث جاءت (قرية خالان) وكان قصد هذه القوة من البارزانيين بهجومهم هذا الاستيلاء على مضيق علي بك لقطع خط المواصلات بين خليفان وبافستيان موضع تموين القطعات المعسكرة في منطقة بافستيان.
.

























