لوحات حسن عبازي تؤكد هويته

سوق الفن السياحي بالمغرب

 

لوحات حسن عبازي تؤكد هويته

 

فيصل عبد الحسن

 

 لوحات الفنان حسن عبازي التي عرضت في قاعة النادرة وسط مدينة الرباط ضمن معرض ضم فنانين آخرين هما محمد بن عبد الله والخطاط محمد الفقير أُفتتح مؤخراً نقلت المشاهدين إلى أستذكار مدرستين للرسم هما الأنطباعية والتجريدية.

 

  بدا حرص الفنان عبازي وأصراره في معظم لوحاته العشرين التي شارك بها في المعرض على استخدام الألوان الساخنة مبرزاً فيها صفاء الطبيعة البكر، وجمال الأشجار المثمرة، وتقلب الطيور في السماء، وضياء الشمس، وصفاء لون الرمل على ساحل البحر، وخضرة ينابيع الصحراء، وزرقة السماء.

 

 وإلى جانب ذلك رأينا لوحات امتلأت بالأشكال الهندسية المختلفة، وقد استوحت خطوطها وأشكالها وألوانها مما كان يشعره الفنان من مشاعر جياشة خلال فترة رسمه للوحة، وهي محاولات لرسم لوحة تجريدية توحي برؤية الفنان للعالم، لكنها لا تفصح عن تفصيلات مفهومة للرائي.

 

 الفنان حسن عبازي الذي جاء الى الرسم التشكيلي بعد دراسة معمقة للرياضيات والعلوم الطبيعية، والتي لم يبقَ يمارسها طويلاً، فانتقل بعد ذلك ليدرس فنون المَنْتَجة للشرائط السينمائية، وهذه الدراسة لفنون المونتير قادته إلى دراسة فنون الخط والرسم على البلاستك، ووجد مما عاشه واحتك به في الوسط الفني، ما جعله يندفع للتعبيرعن نفسه من خلال الفرشاة واللون وقماش اللوحة.

 

  شفت أشجاره وأوشكنا أن نرى النسغ الصاعد في عروق أغصانها وزهورها وأوراقها، وفي إحدى لوحاته المعروضة رأينا جذور احدى هذه الأشجار واضحة في النصف الأسفل من اللوحة، وفي لوحة أخرى رأينا جلد اللوحة الممزق، الذي غلف النصف الأسفل من اللوحة ليتيح لنا الرسام رؤية البحر والطير ورمال الساحل، ونسائه المحجبات، الجميلات، وهن ينظرن صوب الأفق بنظرة صوفية عميقة، فيها إيمان عميق بأن النظرات والقسمات هما من محاولات الفنان لفهم أسرار الحياة.

 

 اللوحات العشرون المعروضة كانت كبيرة المقاييس وتقع بين مقياسي 1,5 متر في 1,2 متر و 1,1 متر في 0,8 متر وهي مقاييس مهمة تبرز مهارة الرسام في ملئه للفراغات فيها بما هو جمالي، ويضيف للوحة ما يغنيها فنياً، ويخفي بذلك عيوب الفراغات الكبيرة المحتملة في كل لوحة تكون بمقاييس كبيرة عادة.

 

رسالة الفطري

 

  وبالرغم من أن الفنان عبازي وضع في رسوماته مهاراته التي تعلمها من الخط والرسم على البلاستك والزجاج إلا انه كان في بعض اللوحات قد تعامل مع الألوان الساخنة الأصفر والبرتقالي والأحمر تعامله مع خامات مستقلة من دون خلط بينها أو بين الألوان الباردة كالبنفسجي والأزرق لتخفيف حدتها على النظر.

 

 وعبازي كما أظهرته لوحاته كان شغوفاً بالطبيعة من حوله، فهو ينظر إليها بعين الصوفي الذي يرى من خلالها خالقه وخالقها الله تعالى، يراه في كل مظهر من مظاهرها،  فهو يرى قدرة الخالق الله تعالى في خلقه للطيور الطائرة وهي تفرد أجنحتها في السماء بحركات جذلى، وفي اتساع البحر وزرقته وزرقة البحر لا يفصلها عن زرقة السماء إلا حدود عتمتها التي تنبلىء بأعماق البحر.

 

  وقد أظهرت لوحاته التجريدية تأثره الواضح بالفن الفطري المغربي، وخصوصاً مدرسة ” اعادة اللوحة إلى جذورها الجمالية المغربية” التي تتبنى عمل افطريين الأوائل، أي اعادة الفنان المغربي إلى ما كانت تفعله صانعة الزرابي التي كانت تحوك على وجوه زرابيها مختلف أنواع الأشكال الهندسية الملونة، والتي تضفي على الزربية جمالية فطرية، من دون ان تحكي قصة أو فكرة ما غير عكسها للذوق الجمالي والمتعة البصرية للرائي، ومن رواد هذه المدرسة التشكيلية الفنان محمد شبعه وفريدبلكاهية ومحمد القاسمي، وعبد الله الحريري وغيرهم.

 

 وكل لوحة من هذه اللوحات حملت جمالياتها الخاصة في ألوانها والأشكال الهندسية التي أظهرتها، فهي لا تحمل أي حكاية أو قصة و لا تعطي الرائي رأياً أو فكرة ما، هي فقط تتيح للرائي فرصة واسعة للتخيل والتلذذ برؤية بصرية لما تخلقه من بهجة الألوان وطرائق مزجها والتفنن في وضع لمسات الفرشاة على جسد اللوحة، وهذه هي رسالة الفنان الفطري لجمهوره، الأحساس بالجمال من حولهم، وخلق البهجة في نفوسهم.

 

هوية الفنان

 

   الفنان حسن عبازي الذي ولد في مدينة الرباط عام 1973 عبر في مجمل لوحاته عن قدرة الموهبة على تخطي جميع المصاعب والتناغم مع المحيط الذي تنتمي إليه، فالفنان درس علوم الرياضيات وتفوق فيها وتخرج عام 1996 إلا أن نوع دراسته العلمية لم يمنعه من تعلم فنون الرسم، والإبداع فيه، والتعلم ممن سبقوه في هذا الطريق كيفية التعامل مع اللون ومزجه للحصول على ما يعزز جماليات الرسم لديه.

 

 ولا يزال الفنان عبازي في هذا المعرض لم يحقق بعد طريقة خاصة به، فلا نجد بصمة يتميز بها الفنان عبازي في لوحاته المعروضة إلا أنه برع في رسم رموزه في كل لوحة، فوجدنا في كل لوحة رموزاً لأيقونات وتعاويذات وشذرات فيروزية، وفصوص حجر ملونة كفصوص الخواتم الملونة.

 

 أن الأحجار الملونة وحبات المسابح، والقلادات، والزهور والأعشاب، وبقايا الأسوار، والولع برسم مفازات الرمال، وهي الأشكال التي يؤثث بها الفنان لوحاته، وهو يريد أن يقول من خلال ذلك ما معناه، أن الميثلوجيا والفلكلور هما عماد أعمالي الفنية، وأني انهل من عمقــــــهما ما يعطي لوحاتي عمقاً وطنياً وإنسانياً عميقاً.

 

 وفي حقيقة الأمر اننا أمام لوحات وضعها فنان يريد تأكيد هويته، وهو لا ينسى أيضاً أن يحتفل بالطبيعة كموئل حقيقي لما يكتنزه في داخله من مشاعر الحب للحياة والأمل بالغد، فهو كما نراه في لوحاته غد مملوء بضوء الشمس الذي ينهل الإنسان من دفئه، ويمتع نفسه بمرائي رمال السواحل والزهور المورقة في الآثار، وما تركه الأجداد من بقايا بنايات مهدمة وأسوار حضارات سابقة، وزرقة بحر خلابة وطيور بيض تحلق في سماء صافية.

 

 المعرض أتاح للمشاهدين رؤية تجربة فنية جديدة شابة تحاول أن تجد موقع قدم لها بين التجارب الفنية التي وطدت وجودها في الساحة الفنية التشكيلية في المغرب، وأثبتت أنها تطل من خلال المتاح لها من فرص لتثبت وجودها، وهي تنأى بنفسها عن الرسم التجاري الشائع اليوم في سوق الفن السياحي التشكيلي المغربي.