تطور اللغة بتطور الإنسان قراءة في برنامج الإيسيسكو لتطوير اللغة العربية

تطور اللغة بتطور الإنسان قراءة في برنامج الإيسيسكو لتطوير اللغة العربية
فضائيات تصوغ عناوين برامجها من ألفاظ عامية مرذولة
هادي حسن حمودي
أرى أنّ الارتقاء باللغة العربية لا يتحقق إلا بارتقاء الإنسان العربي نفسه. ارتقاء بثقته بذاته وبتراثه، وارتقاء بذوقه، وارتقاء بقوة إرادته. فإذا وصل الإنسان العربي إلى ذلك المستوى من الرقي فسيستعمل لغة حيّة مليئة بالعنفوان قادرة على مواصلة رحلتها في مسارب الحياة مهما تعسّرت الظروف، وتطورت المعارف الإنسانية.
ولقد اطلعت على رؤية المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم إيسيسكو، في البحث الذي قدمه مديرها العام الدكتور عبد العزيز التويجري إلى مؤتمر عن اللغة العربية عقد قبل فترة قصيرة في القاهرة.
ذهبت هذه الرؤية إلى اقتراح عدة مسارات للحفاظ على اللغة العربية وتطويرها، نعقد معها، هنا، حوارا أولا تجديد اللغة العربية، اعتبر بحث الإيسيسكو أنّ التجديد اللغوي يكون بالتطويع والتكييف، وبالتهذيب والتشذيب، وبمسايرة اللغة للمتغيرات التي تعرفها الحياة في تطورها الدائم وتقدمها المطرد.
بمعنَى أن تنتهج الدول العربية أربع وسائل لتحقيق التجديد اللغوي وإعادة الاعتبار إلى اللغة العربية الفصحى.
وهذه الوسائل هي
التطويع وأراه يشمل جانبين
أ تطويع اللغة نفسها لمستجدات العصر ووجوب تلاؤمها مع تلك المستجدات. وهذا التطويع ليس غريبا على قوانين اللغة العربية نفسها، فلغة الجواهري، مثلا تختلف شيئا ما عن لغة المتنبي، التي تختلف، بدورها، عن لغة لبيد وزهير بن أبي سلمى. ولكنها، في الحالات كافة، تظل في إطار القوانين اللغوية.
ب تطويع الذائقة اللغوية للناس، بحيث يستسيغون اللغة العربية، ويحبونها، ويميلون إلى استعمالها. ويتم ذلك بأساليب شتى يشير إليها البحث، على ما سنعرضه لاحقا لارتباطه بالوسائل الأخرى.
التكييف وأراه يعنِي رسم الكيفيات المؤدية إلى تحقيق التطوير الذاتي للغة وللإنسان المستعمل لها، بالآليات والأدوات الآتي ذكرها.
التهذيب ومن الواضح أنّ أول ما يتبادر إلى الذهن من كلمة التهذيب تهذيب اللغة ذاتها. وهو تهذيب ترتضيه اللغة وسننها وقوانينها.
التشذيب والمراد به تشذيب اللغة من الألفاظ الحوشية وغير المأنوسة أو العسيرة لفظا وغموضَ دلالة.
ويضع البحث مسؤولية تحقيق هذه الوسائل على عاتق المجامع اللغوية، والكليات الجامعية المتخصصة، ومعاهد المعلمين، كما هي مهمة كليات الإعلام ومعاهد تكوين الصحفيين والإذاعيين ومذيعي التلفزيون ومنتجي الأفلام المخصصة للأطفال والناشئة.
ويراها مسؤولية جماعية، بل إنها فرض عين على كل مسؤول في القطاع الذي له صلة باللغة، وليست فقط فرض كفاية .
ولكنّي أرى، وبناء على المقولة المعروفة فاقد الشيء لا يُعطيه أن المشار إليهم لن يستطيعوا القيام بهذه الرسالة التاريخية التي تنادي بها الإيسيسكو. فما القدرة اللغوية التي يتمتع بها المقصودون بالكلام؟
الذي خبرته بنفسي، ونتيجة عملي في أكثر من جامعة في العالم العربي وخارجه، وفي أكثر من وسيلة إعلام، ومع اعترافي بوجود أساتذة وإعلاميين في معظم الدول العربية يحترمون اللغة العربية ويؤدون بها محاضراتهم وحواراتهم، إلاّ أن من التدريسيين والإعلاميين المستَورَدين في الجامعات والمدارس ووسائل الإعلام الأخرى من بعض بلاد العرب إلى بعض بلاد العرب من لا يستطيعون إقامة جملتين فصيحتين.
أما المشرفون على أجهزة الإعلام، فمنهم من لا يقيم للغة وزنا في اختيار المذيعين ومقدمي البرامج وقَرَأة نشرات الأخبار المكتظّة عادة بأغلاط جمّة، لا تجد شيئا منها في أية إذاعة أجنبية أو بثّ أجنبيّ متلفَز.
ثانيا وقَرَنت تلك الرؤية بين تجديد اللغة العربية وتقريبها من الناس، وتيسير تعلمهم لها، وتذليل الصعاب التي يجدها التلاميذ في المدارس في تعلم قواعد اللغة العربية كما يجدها الطلاب في الكليات في دراسة فقه اللغة والغوص في علومها.
ثالثا أمّا الأداة الأخرى فتتمثل في ضرورة أن يتواكب الجهد الذي يبذل في المجال المذكور آنفا، مع الجهد الذي ينبغي أن يبذل في التمكين للغة العربية في الإعلام المكتوب والمرئي والمسموع، وذلك بحسن الاختيار للمذيعين وللمذيعات من ذوي المعرفة والمران، وبتوجيه المسؤولين عن هذا القطاع ذي الأضلاع الثلاثة، إلى احترام اللغة العربية واستخدامها في جميع البرامج الإعلامية في الإذاعة والتلفزيون.
ومن عجب أن محطات بث فضائي عربي تصوغ عناوين برامجها من ألفاظ عامية مرذولة وذات دلالات ممجوجة ولا أخلاقية، حينا، وتستعمل كلمات أجنبية عناوين لبرامج أخرى، حينا آخر، مِمّا يغرس لدى الناشئة نوعين من السلوك السلوك المرفوض أخلاقيا، والسلوك المرفوض ثقافيا ومعرفيا. وكلاهما يحمل مخاطره على المجتمع وقيمه ووحدته وتماسكه.
كم هو رائع وجميل أن تذهب إلى مدينة يؤمّها السائحون بالملايين سنويا من أرجاء العالم كافّة، فترى أن أغلب عناوين محلاتها التجارية وأسواقها كتبت باللغة الوطنية، علما أنّ تلك اللغة محليّة، وليست من اللغات العالمية.
وكم هو مؤلم أن ترى مدننا العربية المسلمة تأنف أن تعنون متاجرها وأسواقها باللغة العربية، بل تستبدل بها كلمات أجنبية، ربما لا يحسن معظم السكان قراءتها.
ومِمّا يزيد الطين بلّة، كما يقولون، أن بعض تلك العناوين مغلوطة، معنَىً ورسما إملاءً . بل تؤدي أحيانا معانيَ بذيئة من غير التفات كاتبيها غالبا.
ومن الملاحظ كثيرا أن بعض تلك العناوين أجنبية ولكنها مكتوبة بحروف عربية يحار المرء في فهم معناها. فعلى مقهى من المقاهي في عاصمة عربية قرأت جود شوط ولقد ظللت حائرا حتى هداني الله إلى أنها حروف عربية لكلمتين إنكليزيتين Good shoot .
ويأتي إليك كاتب معروف من تلك العاصمة نفسها ليكتب قصة بعنوان التيم . وكنت أظن أنّ أصلها اليتيم وأن ثمة خطأ في الطباعة. ولكنّي حين قرأت القصة رأيته يقصد الفريق المقابل للفظة الإنكليزية team . فما دامت العربية تضم لفظ الفريق فلماذا لهث الكاتب وراء التيم و الأتيام ؟ ألا يدل هذا على انهزام نفسي ورخاوة الشخصية وتميّعها؟
والأنكى من هذا أن أستاذا جامعيا من العاصمة الموما إليها يؤلف كتابا في فقه اللغة يكدس فيه ألفاظا فرنسية لا ضرورة لها كقوله إن اللغة كالشجرة arbre لا بد لها من جذر racine و… . وكأن الطالب الجامعي العربي لا يفهم معنَى الشجرة والجذر إلاّ بعد توضيحها بكلمات فرنسية
وأنا أدعو هذا الدكتور الجامعي وأمثاله إلى عدم الاكتفاء بتزيين كتاباتهم بألفاظ فرنسية، بل أن يضيفوا إليها ألفاظا إنكليزية وألمانية ومن لغة الواق واق كي يبرهنوا على أنهم مثقفون مستنيرون يعرفون ألسنة المخلوقات من الناس والبهائم والطيور أيضا
وفي عنوان متجر قرأت براويظ الشام ولم أفهم معناها، ولكنّي حين نظرت في المتجر رأيته يبيع إطارات الصور. فقد أراد صاحب المحل أن يكتب براويز جمع برواز على ما هو الشائع في لهجته. ولَمّا كان يلفظ الظاء زايا كقوله زريف وهو يريد ظريف فعكس الحالة هنا وكتب الزاي ظاء ولقد كان في غِنَى عن ذلك كله لو استخدم كلمة إطار أو إطارات ولكنه جهل لغته وجهل لغة غيره أيضا.
وفي بلد يعبث فيه التفرنس متجر لبيع الأحذية عنوانه السيدات أحذية ترجمة حرفية للتركيب الفرنسي نفسه أحذية السيدات .
ولست في مجال استقصاء ذلك فهو أمر مستحيل.
وكثرت في بعض البلدان العربية تسميات المواليد بأسماء لا معنَى لها أو لها معنَىً بذيء، وحين تسألهم عن معنَى ذلك الإسم يتبين لك جهلهم، وكفاهم أنهم سمعوه في مسلسل متلفز أو شريط سينمائي.
ويمكن أن ندرك خطورة هذه الظاهرة إذا علمنا أن التسمية تحمل بُعدا ثقافيا سيلازم من سُمّيَ بها، شعوريا أو لا شعوريا.
رابعا يذكر البحث الموما إليه آلية أو أداة أخرى في هذا السبيل وذلك حين يؤكد على ضرورة سنّ القوانين التي تحمي اللغة العربية وتحافظ على سلامتها وصحتها في جميع المواقع التي تستخدم فيها اللغة من أجل أن يكون وضع اللغة العربية في المجتمعات العربية، ضمن مقوّمات الهوية الثقافية والحضارية.
وأعتقد أنّ هذه الآليّة لا تتحقق إلاّ إذا انتشر الوعي بمقوّمات الهويّة الثقافية والحضارية في المجتمعات العربية.
خامسا اللغة والانفتاح الحضاري المتّزن أوضح بحث الإيسيسكو أن هذا لا يتعارض في الوقت نفسه، مع انفتاح المجتمعات العربية على آفاق العصر، واندماجها في محيط المتغيرات التي يشهدها العالم، من حيث تعلم اللغات الحية والتمكن منها، وامتلاك ناصية العلوم والتكنولوجيا، من دون أن يضرّ ذلك بقوانين اللغة العربية.
واستطرد قائلا ً بهذا الخصوص ولكن المجتمعات العربية بوجه عام، في مشرق العالم العربي ومغربه، لا تستخدم اللغة العربية الفصحى في تعاملاتها اليومية، وتتعرض لهجوم لغوي ثقافي إعلامي غربي كاسح، وتقاوم في مكابدة شاقة، وإن لم تظهر للعيان، الإغراءات الشديدة الإبهار التي تدفع بها نحو الانسياق مع تيارات التغريب .
وأكد أن حياة اللغة من حياة أبنائها، وهي تقوى وتضعف، حين يقوون أو يضعفون، وأن اللغة عنصر فاعل في الحضارة، وعامل مؤثر في النهضة، فكلما قامت حضارة ونما فرعها وأثمرت أغصانها وأينعت، ازدهرت اللغة واغتنت، وامتدَّ إشعاعها وانتشرت.
سادسا شخص البحث الأسباب العملية التي تساعد على إضعاف اللغة العربية والحيلولة دون مسايرتها للتطور الذي تعرفه الحياة العامة في جميع مرافقها، ومن ذلك الوقوع تحت التأثير الذي تمارسه وسائل الإعلام ووسائط الاتصال، التي قال إنها كثيرة، ولكن في المقدمة منها القنوات الفضائية التي تبث من الدول العربية بخلاف القنوات الفضائية التي تبث باللغة العربية من عواصم غربية ، والمحطات التلفزيونية الأرضية، والإذاعات، مشيرًا إلى أن الجرائد والمجلات والمنشورات المختلفة من كتب وغيرها، تأتي في آخر القائمة، لسبب يعود إلى عزوف العرب عمومًا، عن القـراءة، قياسـًا إلى ما هو عليه الوضع في مناطق أخرى من العالم.
وذكر البحث أن البرامج الحوارية التي تغطي مساحة واسعة من ساعات البث، تأتي في مقدمة الأسباب التي تفسد اللغة العربية، وتسيء إليها إساءة بالغة، وتحـرم الأجيالَ الناشئة من تلقي لغة عربية سليمة من أفـواه المتحدثين في هذه البرامج الحوارية التي تشكل في مجملها أزمة في الإعـلام العربي المرئي. تضاف إلى أزمات أخرى عديدة متلازمة فيما بينها تلازما قويا.
غير أنّي أرى أنّ انهيار لغة أمة من الأمم مؤشر على انهيار الأمة ذاتها وانهزامها وفقدان وزنها الحضاري، في جوانب الحياة كافة، وما الانهيار اللغوي إلا جانب منه.
وقد تقول لي وماذا في استعمالنا للغات الأجنبية بدلا من اللغة العربية؟ أليست هي علامة للتقدم والتطور؟
أقول لك هناك عشرات الملايين في دول آسيا وأفريقيا يتحدثون بالإنكليزية أو الفرنسية، وأحيانا بهما معا.. فهل تستطيع أن تصف تلك الدول أنها دول متقدمة؟
فالمسألة إذن ليست مسألة تقدم بل مسألة انهيار شامل لا تُستثنَى منه اللغة. المنهزمون لا يصنعون حضارة لأنهم خرجوا من متون التاريخ إلى حواشيه القصية والقاصية والقاسية

/6/2012 Issue 4220 – Date 7 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4220 التاريخ 7»6»2012
AZP09