

شخصيات من بلادي.. هاشم البغدادي
سيرة حرف يبلغ الكمال – صالح رضا
يُعد هاشم البغدادي واحدًا من أبرز أعلام الخط العربي في العصر الحديث، إذ ارتبط اسمه بمرحلةٍ مهمة من تاريخ هذا الفن حين عاد الحرف إلى أصوله الصارمة واستعاد توازنه الجمالي بعد فترات من الضعف والتكرار. وُلد في بغداد عام 1917 في بيئةٍ احتضنت الحرف العربي بوصفه جزءًا من الحياة اليومية، فشبّ وهو يرى في الخط أكثر من مجرد وسيلة للكتابة، بل كيانًا حيًا له قواعده وروحه وخصوصيته. بدأ رحلته مبكرًا مع هذا الفن، وتتلمذ على أيدي أساتذة بارزين، حتى بلغ مرحلة النضج الفني التي أهلته للاتصال بشيخ الخطاطين حامد الآمدي في إسطنبول، حيث نال الإجازة التي تُعد شهادة عليا في عالم الخط، وبذلك أصبح امتدادًا أصيلًا للسلسلة الكلاسيكية لهذا الفن مع احتفاظه ببصمته الخاصة.
اتسم أسلوبه بدقةٍ متناهية في بناء الحرف، حيث كان يولي كل تفصيلة عناية كبيرة، فتظهر أعماله وكأنها بناءٌ هندسي متكامل تتوازن فيه الخطوط والانحناءات بنسب محسوبة بعناية، الأمر الذي منح لوحاته قوةً بصرية وأناقة في آنٍ واحد. وقد برع في خطوط الثلث والنسخ والديواني، وقدم فيها نماذج أصبحت مرجعًا يُحتذى به لدى الدارسين والمهتمين، إذ جمع بين الالتزام بالقواعد الكلاسيكية والقدرة على إضفاء روح معاصرة دون الإخلال بالأصل. ولم يقتصر أثره على إنتاجه الفني، بل امتد إلى دوره في التعليم ونقل الخبرة إلى أجيال لاحقة من الخطاطين الذين تأثروا بمنهجه القائم على الانضباط والصبر والدقة.
ترك البغدادي بصمات واضحة في المشهد البصري لمدينة بغداد، حيث ما زالت أعماله تزين العديد من المساجد والمؤسسات، شاهدة على مرحلة ازدهار فني ارتبطت باسمه، كما أسهمت مؤلفاته ونماذجه الخطية في ترسيخ قواعد هذا الفن وتسهيل تعلمه. وقد ظل حتى سنواته الأخيرة مثالًا للفنان المخلص لفنه، الذي يرى في الحرف رسالة تتطلب الإتقان والصدق قبل أي شيء آخر. رحل عام 1973، لكن أثره لم ينقطع، إذ بقيت أعماله حاضرة في الذاكرة الفنية، تُدرّس وتُلهم وتؤكد أن الجمال الحقيقي لا يرتبط بزمنٍ محدد، بل يستمر ما دام قائمًا على أساس راسخ من المعرفة والموهبة.
وفي تجربتي الفنية، حين اتجهت إلى رسم بورتريه لهذه الشخصية الكبيرة، لم يكن الهدف توثيق الملامح بقدر ما كان محاولة للاقتراب من جوهرها، من ذلك الصفاء الذي انعكس في حروفه، ومن ذلك الانضباط الذي شكّل أسلوبه. كــان التحدي أن تتحول هذه القيم إلى لغة لونيــــــة، وأن يحمل الوجه المرسوم شيئًا من روحه التي سكنت الحرف وأعطته هذا البقاء. إن هذا العمل يأتـــي بوصفه تحية فنية متواضـعة لاسمٍ كبيـــــر أسهم في صون جمال الخــط العربي ومنحــه حضورًا خالدًا في الذاكرة.























