مسيحي من عائلة طوبيٌة افتتح محلاً لبيع الخمور ثم أجبر على إغلاقه وهاجر
الصابئة طائفة مرموقة في سوق الشيوخ منهم علماء وأدباء وسياسيون قوميون وشيوعيون وبعثيون
إبراهيم الولي
لكي تكتمل صورة سكان سوق الشيوخ، نعبر الفرات الى الجانب الأيسر من المدينة الذي إعتدنا على تسميته صوب الصبّة يعني ضفة الصابئة المندائيين. وهم قوم مسالمون لهم طقوسهم الدينية الخاصة، خصوصا ما يتعلق منها بمراسم الزواج حيث كان العروسان يغمران في مياه نهر الفرات الى وسطهما ومعهما رجل الدين المكلف بإجراء مراسم الزواج. ولست أريد الخوض بأصل الديانة الصابئية الا أن المعروف أنهم من أتباع نبي الله يحي إبن زكريا عليهما السلام.
بسم الله الرحمن الرحيم هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء 38 فنادته الملائكة وهو قائم يصلٌي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين 39 وهم عادة ما يعملون في صياغة الذهب والفضة في داخل السوق. وقد نلاحظ أن أبناء هذه الطائفة متميزون في ذكائهم وجديتهم في الدراسة وهم مبرزون بصورة خاصة بالرياضيات وعلوم الفلك. ويسرني أن أستحضر هنا بعض أسماء من أبناء هذه الطائفة، وإن كانوا من مناطق أخرى من العراق، لأنهم رفعوا إسم بلدهم العراق بإنجازاتهم. أول هؤلاء الدكتور عبدالجبار عبدالله الذي كان رئيسا لجامعة بغداد وأستاذا في معهد Massachusetts Institute of Technology MIT في الولايات المتحدة، لقد كان رجلاً فذٌا هرسته تقلبات السياسة في بلدنا حتى مات غريبا مهموماً. كما أذكر الدكتور نعمان الشيخ عبد، وهو بارز في علم الفلك، والدكتور عبدالعظيم سبتي الذي نتذكره عندما كان يحل ضيفا في برنامج العلم للجميع الذي كان يقدمه المرحوم كامل الدباغ من تلفزيون بغداد. وقد جمعتني الصدفة قبل ثلاثة أعوام بالدكتور عبدالعظيم، في مدينة شيفيلد في بريطانيا، حيث هو الآن باحث في علم الفلك في أكبر الجامعات البريطانية، وكم كنت سعيدا بإبن بلدي إذ علمت منه أنه إكتشف جرماً في المجموعة الشمسية سمٌته الجهات العلمية بإسمه، فله التحية. وفضلا عن هؤلاء العلماء، هاكم من برز منهم وأبدع في الشعر والأدب كالشاعر عبدالرزاق عبدالواحد والدكتوره لميعة عمارة كما برع عديد منهم في علوم الطب ولا أشك أن هناك اخرين ممن برعوا في مجالات متعددة ممن لم يسعدني الحظ للتعرف عليهم.
مراسيم عاشوراء
ولا بد لي أن أبين أني لم أر من أتباع الديانات الأخرى في سوق الشيوخ غير شخص مسيحي إفتتح محلا لبيع الخمور وهو من عائلة طوبيٌة في الناصرية، ثم أجبر على إغلاقه وهاجر. كما أن عائلة يهودية من المعلمين مكثت في سوق الشيوخ لمدة عام أو أكثر ثم إنتقلت الى الناصرية، وهي عائلة موشي. علماً بأن كنيسا يهوديا توراه كانت قائمة في المدينة في زمن غابر،فقد عاشت في المدينة جالية يهودية ربما في القرن التاسع عشر تتعاطى التجارة و الصيرفة ثم هاجروا قي اوائل القرن الماضي وكان اخرهم تاجر الآقمشة الياهو يعقوب. وقد بقي أثر المبنى وهو بيت قديم مهجور كتب على بابه الخارجي باللغة العبرية ما يشير الى أنه كان معبدا يهودياً واقع في محلة النجادة مقابل بيت العرفج.
كانت مراسم إحياء عاشوراء وغيرها من المناسبات الدينية تجرى في سوق الشيوخ وذلك بإقامة مجالس العزاء القرايات في الليالي العشر الأولى من شهر محرم، في بيوت الهداوي والدلٌي والحمداني والسنيد وآل حيدر والعلوان وآخرين، وكانت تتم بإلتزام شديد. وكانت مواكب العزاء الحسينية تمر من أمامنا ونحن نسمع المشاركين يرددون هذي عادة ما نبدّل لا وحق سيد الرسالة والردة الأخرى ويفكنه من حكم السنّة . وكنت وأنا صبيٌ أجري خلف المواكب مع صبيان اخرين، وأسمع شعارات المرددين ولا أفهمها، فضلا عن أننا نحتفل بالعيد في يوم لا يشاركنا فيه أصدقاؤنا إلا بعد يوم أو يومين. كانت هذه الفروق تحزنني ولم أستطع أو لم يرد عقلي الصغير هضمها.
جدير بالذكر أن مواكب أخرى نشطت إثر وفاة الملك غازي في حادث إصطدام سيارته في 5 نيسان»ابريل 1939. وهو أمر لم تحسم أسبابه بعد. كان المردد يقول الله وكبر يا عرب غازي أنفكد من داره وإرتجٌت ي أركان السما من صدمة السيارة . أما نحن الصغار فقد كنا نردد غازي إنفكر منكاره منقاره ظنا منا أن هذا هو الصحيح.
أناشيد مدرسية
كانت تلك الشعارات تطلق تعبيرا عن مواقف سياسية مخطط لها مركزيا وإن كانت تصدر عن عقيدة.
الملك غازي تولى عرش العراق في أيلول»سبتمبر 1933 وتوفي في إبريل نيسان 1939.
بدأ مشروع لجمع التبرعات لفلسطين في عام 1936 فكنا ونحن صبية نتبرع لفلسطين بمصروفنا اليومي الذي كان يتراوح بين الفلسين والأربعة فلوس وكنا نتباهى بورقة صغيرة نعلقها في عروة السترة كدليل على تبرعنا إما لفلسطين أو لمشروع آخر هو الطيران. كان مرسوما على الورقة صورة طائرة ذات جناحين ومروحة. وقد إشترت الحكومة بعدئذ ثلاث طائرات في عام 1938 بتلك التبرعات وكانت تلك نواة القوة الجوية العراقية.
كان ذلك المشروع دافعا قويا للشعور بالقومية العربية والوطنية التي مثلها نشيد الصباح الذي كنا ننشده وقت إصطفاف الطابور اليومي
فلسطين…فلسطين
سيوف العرب تحميك
أيدنوا منك صهيون؟
كانت الأناشيد الحماسية تبعث فينا النشاط والأمل مثل
نحن الشباب لنا الغد
ومجده المخلد
نحن الشباب..
ونشيد آخر هو
لاحت رؤوس الحراب
تلمع بين الروابي
هيا فتوة للجهاد.. هيا.. هيا هيا…هي
ونشيد بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان….ومن مصر إلى يمن……..
أثارت تلك الأناشيد في نفوسنا الحماس فلم نكن ندرك بعد ونحن صغار لعبة السياسة الدولية ولعبة الأمم Game of Nations وما ستؤول اليه الأمور سواء في فلسطين أو غيرها من وطننا العربي.
وكان آخر ما تغنينا به وما نزال وأنا الآن في الثمانين، أردده بيني وبين نفسي هنا في الغربة، فتدمع عيناي موطني.. موطني.. الجلال و الجمال و السناء و البهاء في رباك، و الحياة و النجاة و الهناء و الرجاء في هواك، هل أراك سالماً منعما و غانماً مكرما، هل أراك في علاك تبلغ السماك موطني….
هذه الأغاني الوطنية كانت تهز مشاعرنا وتثير فينا، نحن الصبية، الإعتزاز بإنتمائنا لوطننا العراق ولأمتنا الأكبر. وهذا التمازج الفطري بين الموسيقى والكلمات النبيلة المتمثلة بتلك الأناشيد واللحن البسيط الذي يسهل أداؤه للجميع.
وقد إشتهر الأخوين فليفل بالريادة في هذه الألحان. ومما ألاحظه في هذه الأيام عودة الكثير من المطربين الى أداء وإحياء هذه الأناشيد لتثير فينا الحنين لذلك الزمن الجميل… فحسنآ يفعلون.
أرجو ملاحظة أن لهجة أهل سوق الشيوخ وما حولها تشبه لهجة أهل الخليج العربي خصوصا الجزء الشمالي منه. فنحن هنا نحوٍل حرف الجيم الى ياء، فنقول النيايير للنجارين ودياي للدجاج ورجٌي للرقٌي وريّال للرجل ونيدي للنجدي وهكذا. ولعل الإختلاف في تلفظ مخارج الكلمات وأحيانا مدلولاتها كان يسبب لنا إزعاجا عند السفر الى بغداد أو الى مدن وسط وشمال العراق. فنحن مثلا نستخدم كثيرا كلمة جا كمتكئ لفظي من شأنه إعطاء المتحدث فسحة قصيرة من الوقت كي يسترسل بأداء الفكرة.. وقد عرف الباحثون أن هذه الكلمة كانت تستخدم لنفس الغرض في العصر السومري في اللغة الكلدانية. ولا عجب، فمدينة سوق الشيوخ تقع في منطقة نفوذ الحضارة الكلدانية بحكم موقعها الجغرافي. وغير هذا فنحن نقول فاتيه للصندوق ورازونه للكوٌة الصغيرة في الحائط، وجاز لكعب القدم، وكض بمعنى أمسك، ونوّي أي الى جانبي أو قربي، وحذاي اي بجانبي، وجيه بمعنى لأن أو بسبب، وكوّاك أي جيد، وحدر بمعنى أسفل الشىء، ويبغج بمعنى يصرخ بشكل مزعج، وطك بمعنى الضرب على الدفوف للرقص، و يلصف بمعنى يلمع،وباشط أي حاد، و يمرعد بمعنى يمزق، و يتمقلج أو يتعيقل أو يتنحور وكلها بمعنى التكلف والتظاهر،ونسمي الباذنجان باينذان و البامية بانية وهكذا…
كما ينفرد أهل سوق الشيوخ بظاهرة لغوية أخرى، تلك هي تصغير الكلمات… فترانا نسمي ـ قطعة الخبز.. خبيزة، والولد وليد، والماء أمميٌة، والتمرة تميرة، والبيت بويت، وقلبي كليبي، والسمكة سميجة. وإذا كان الرجل متوعكا تراه يقول ماني طويِب.
كان هذا الخلط في لفظ حروف العلة بدل الساكنة يسبب للبعض حرجا، فعلى سبيل المثال ذهب أحدهم الى مدينة أخرى لعلاج عينيه، فإذا به يصرح بأنه جاء لعلاج عجوني بدلا من أن يقول عيوني ظنا منه أن هذا هو النطق الصحيح. كما أنه كان يسأل البقال عن سعر كيلو الخجار أي الخيار… وهكذا. ذلك يذكرّني بإستبدال بعض أهل الخليج العربي حرفي القاف والغين أحدهما مكان الآخر، حتى إختلط على السامع ما إذا كان المقصود الإستقلال أو الإستغلال أو العكس، على أن هذا الخلط بين حرفي القاف والغين لم يصل الى سوق الشيوخ لحسن الحظ. ونحن في المنطقة نقول إي بدل نعم كجواب بالأيجاب وأحياناً للتعجب، فإذا تحرينا هذه الكلمة لوجدناها في الآية 53 من سورة يونس في القرآن الكريم
بسم الله الرحمن الرحيم ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين صدق الله العظيم. لا بد لي أن أنوه هنا بأن الحديث عن اللهجات ونطق الكلمات لم يكن بالضرورة مقتصرا على أهل سوق الشيوخ و العشائر المحيطة بها، بل لعل هذه الظاهرة تغطي العديد من مناطق العراق الجنوبية خاصة بل العراق عامة..كما يلأحظ ان الجيل الجديد من ابناء المدينة لم يعودوا متمسكين بتلك المفردات اللغوية أو اللهجة المتميزة.
الحياة السياسية
يعلم القارئ أن فترة الثلاثينات من القرن الماضي كانت بالنسبة للسياسة الدولية مفصلا يرتبط أولها بنتائج وآثار الحرب العالمية الأولى 1914 1918 ويأتي في مقدمة التأثير فيها مؤتمر فرساي وتوابعه في سان ريمو ولوزان وسيفر evreS، و لا يفوتني التذكير بوعد بالفور المشؤم، وإعلان سايكس بيكو، تلك المعاهدات والمؤتمرات قسٌمت الشرق الأوسط كما هو معروف الى مناطق نفوذ فرنسية وبريطانية، مع تعاظم نفوذ الإتحاد السوفييتي في أوروبا الشرقية وإنحسار تأثير النازية والفاشية التي تبنتها ألمانيا وإيطاليا في شخصي هتلر وموسوليني وحزبيهما بمثل ما إندثر الى زمن دور اليابان الإمبراطوري. كما أن آثار تلك الحرب صبٌت في هزة للإقتصاد العالمي تبلورت في The Great Depression الممتدة ذروتها من 1929 1931 والتي أثرت سلباً على الحياة الإقتصادية للبشر كافة، حتى انها ألقت بظلالها على عائلتي كمثل تأثيرها على ملايين الناس في العالم الواسع.
فقد حكى لي والدي أنه كان خلال فترة العشرينات من القرن الماضي في تجارة للجلود وبضائع أخرى مع سيناء مصر، و اخرى يذهب بها مع شريكه المرحوم محمود الشميسي الى مومباي في الهند، وكانوا يسافرون عبر الخليج العربي الى بحر العرب بسفن شراعية كبيرة تسمى بوم وفيها من المشقٌة ما فيها. على أن آخر رحلاته كانت في عام 1929 مع ذروة الإزمة موضوع البحث، مما سبب لهما خسارة فادحة أفلستهما تقريبا، فلم يعد والدي بعد ذلك الى ممارسة التجارة وإقتصر نشاطه على خدمة جامع النجادة وإقامة الآذان فيه الى أن توفاه الله في عام 1948، رحمة الله عليه.
دعوات سياسية جديدة
فأين سوق الشيوخ من هذه الصورة الكونية أقول، لقد ظل العراق الذي وقع تحت الإنتداب البريطاني ومن ثم وصاية عصبة الأمم League of Nations بعد إعلان الملكية في دولة العراق 1921، وسوق الشيوخ جزء منه، يتخبط في حراك سياسي كمن يفتش في الظلام عن بصيص نور يعينه على الرؤية الواضحة. فكنا نرى تدخل بريطانيا في كل شأن من شؤون العراق سياسي وإقتصادي وإجتماعي، فقد ساعدت على خلق طبقة من العراقيين خصوصا ملاك الأراضي الزراعية، ممن إرتبطت مصالحهم بالتاج البريطاني من خلال التاج العراقي. هكذا إذن صرنا نرى أحد أفراد إحدى العائلات قد ترشح الى مجلس النواب أو حتى الى الوزارة. فهنا ترسخ تيار ربط حياته بالغرب وقد ظهر ذلك بأوضح شكل خلال الحرب العالمية الثانية 1939ــ 1946 حين كانت بريطانيا، تحت إسم الحلفاء، تنشىء مكتبة ودار للسينما المتنقلة في سوق الشيوخ، هدفها الظاهر ثقافة الشباب وباطنها ربط هؤلاء الشباب والشيب بأهداف الغرب في محاربة النازية والبلشفية سواء بسواء. وذلك على الرغم من مظاهر التحالف بين الدول الغربية والإتحاد السوفييتي في ذلك الحين. هذا تيار سياسي واضح صبغ حياة العراقيين بلونه بما فيهم من في سوق الشيوخ.
/6/2012 Issue 4218 – Date 5 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4218 التاريخ 5»6»2012
AZP07























