جهد سردي يتركّز على قوة الذاكرة
أسلوب الحكي وروي وقائع الحرب في دهاليز للموتى
علوان السلمان
بغداد
على لسان تودروف (لو سالت نفسي لماذا حب الادب؟فالجواب الذي يتبادر الى ذهني هو:لانه يعينني على ان احيا).
والكتابة الروائية جنس ادبي لاتحده حدود بحكم انفتاحه على احتمالات وتأويلات متفاوتة والتجريب في المشهد السردي يشكل سترتيجية نصية لها منطلقاتها النظرية ورهاناتها الابداعية وطرائقها الفنية وتقنياتها الجمالية لذا فهو افق الابداع ومحركه وفعله المتجاوز لذي ينطوي على ابعاد ذاتية ومعرفية وتاريخية وجمالية مكتنزة ببصمة المؤلف الفكرية ووعيه المعرفي الذي ينتج موقفا تجاه واقعة يحققها الوجود والحركة الزمكانية بلحظتها التي يسجلها الكاتب والتي هي نسق من العلاقات التي تحيل الى فكرة الصراع بين المتناقضات التي تشغل الحيز الوجودي بتدفق انساني يفرش روحه ليحقق ابعادا دلالية ويسهم في اظهار ماوراء حكائيتها.
و(دهاليز للموتى) المنجز الروائي المضاف لعوالم (سفر الثعابين) و(تعالى وجع مالك) و(جدد موته مرتين) والذي نسجت عوالمها انامل مبدعها حميد الربيعي واسهمت دار تموز على نشرها وانتشارها/2014 وهي تنطلق من حادثة سرعان ما تحولت الى متاهة صراعات نفسية تستحضر التذكر وتحرك الذاكرة والتخييل وتغوص في عوالم الاستذكار مع اختراق المشخص من الواقع وشحنه بالمتخيل بتكثيف دقيق يولد نصا نابضا يثير ويبعث الدلالات المتناسلة مع تحولات الامكنة التي تمتد لتشمل المنظومة الاجتماعية والثقافية والتاريخية وكل ما يقترن بدهاليز الذاكرة فضلا عن اعتماد بنية زمنية متلاحقة متشعبة الاحداث متكئة على تقنيات سردية متمثلة في (التداعي/الحوار بشقيه (الذاتي والموضوعي). والتي يتداخل فيها الواقعي بالتخييلي عبر فصولها التي فرشت روحها على مائتين وثلاثين صفحة من الحجم المتوسط معتمدة اسلوب الحكي من خلال روي وقائع حرب عامي 1990 آب/1991 وتداعياتها الانسانية عبر فصولها التي علتها عتبات نصية تشير الى عنوانات فرعية شكلت علامات بمثابة مداخل تسبق المتن النصي والتي تتناول موضوعات نفسية واجتماعية ناجمة عن اوضاع مازومة بسبب الحرب والحصار والاحتلال (حافلات السفر/ الصدفية/ قشر الرمان/ برغي اصم/ ماحدث/ السنة القواقع/ اضافة لما حدث/ جرو كليب/ ما سيحدث/ ولادة الرمل/ اظنه قد حدث/ قواقع ليلة النيران/ وقائع ما حدث/ شحاذة السحر/ المنفلق/ صرخة الغرين/ القصر/ تنويه) اضافة الى عتبة العنوان الرئيس الذي يعطي دلالة التنقل ما بين النفسي والمكاني مصحوبا بروح الاغتراب فضلا عن انه يشكل الشبكة الدلالية التي يفتتح بها النص ويؤسس لبؤرة الانطلاق التي تهيمن عليها المكانية والذي يهدف الى تبئير انتباه المتلقي كونه استخلاص للبنية الدلالية للمتن السردي ودلالة سيميائية متوهجة ونافذة رؤيوية تمنح المستهلك (المتلقي) وعيا معرفيا بما تحمله من طاقة ايحائية تشده لولوج عوالم المتن واكتشاف شفراته الدلالية لذافهو سلطة النص وواجهته الاعلامية التي تؤشر الى معنى من خلال التمازج ما بين الثقافي والاجتماعي في تجسيده الانساني الذي شكل قوسا دلاليا يفيض بالاشارات والايماءات الموحية بالرؤى والانفعالات وهو يفرش روحه على غلاف يقوم بدور الايحاء بمسارات النص واتجاهاته الدلالية والذي تتشكل ارضيته الامامية من الوان متراكبة (رمادي/ نيلي يوحيان بفضاء يخيم عليه الحزن ويشي بالاحباط ولون اخضر يحيل الى الخصب والخير والحياة اما الابيض المتوهج الاضاءة عبر تشكيلته الهندسية (باب) فهو يشير الى الامل فضلا عن ايحاءات النقاء والصفاء وهذا كله يكشف عن اهميته فيما يؤديه من دور في مستوى البناء النصي والتشكيل الجمالي لانساق الخطاب بصفته النواة المحركة التي يسبح حولها النص فصار مفتاحا تاويليا يفك شفراته ومغاليقه وطاقة ايحائية تشد المتلقي للولوج الى عوالم النص. وكل هذا يعني ان الدرامية والتوتر والصراع هي قوام السرد فضلا عن البؤس والتشرد والاغتراب اذ تقوم هذه الالوان بتجسيد لعبة التناقضات والصراع الذي يترجمه النص في قيمتها ورؤاها اما الغلاف الخلفي فظل امتدادا للواجهة الاولى التي اطرت لونا سمائيا انتشرت عليه حروفا تكشف عن اسرار النص وتجربة السارد حققها الدكتور حسن سرحان هذا يعني ان الغلاف بواجهتيه يتجاوز وظيفته التداولية ويقوم بمهمة ايحائية.
وعبر كل هذا يؤسس الروائي عالما منفتحا على زمكانية يحققها البطل (كفوء البابلي) مستحضرا جانبا من تاريخ دولة الكويت ابتداء من ظهورها كدولة والارهاصات التي رافقتها والتطورات التي حصلت من خلال حرب الثمانينات ومرورا بحرب1990 آب/1991 والحصار الاقتصادي وانتهاء بدخول الاحتلال 2003 .
(القوات الدولية تحاصر القبائل عبدالله يحاصر المدينة جنود الغزاة تحاصر الناس في البيوت حلقة تتلو حلقة حتى يضيق علينا الخناق.صارت الدور جحورا مظلمة نلتحف جدرانها من الخوف يحيط بنا الهلاك لا محالة. انتهت الحكايات لنواجه مصيرنا المحتوم التسلية الليلية ما عادت مجدية شح الحديث وبتنا ننتظر المجهول القادم.
في الالف ليلة وليلة تسكت شهرزاد عن الكلام المباح عندما يطلع الصباح نحن في زمن اهوج سكتنا عن الحكايات حالما حل الظلام الليل الدامس فوق البيوت نشر ظلاله فأنفت الذاكرة واللسان البوح) ص210 .
فجدل النص يقوم على التداخل بين الواقعي والمتخيل كاشتغال جمالي يؤسس بشبكته الدلالية ومعماريته الانزياحية والرؤية التي يحققها فضلا عن تميز الخطاب بتنوعه تبعا لتداعيات الشخصية الرئيسة وهواجسها وهويندرج في اطار (السرد الاستذكاري) المنفتح على ذاته والمانح للمستهلك (المتلقي) حق المشاركة في عملية الانتاج الحكائي . اضافة الى ان الحلم والحوار الداخلي هما المسيطران على احداث السرد ومن خلالهما نتعرف على الحالة النفسية للشخصية التي تواجه مصيرها وتتحدى ذاتها ومجتمعها هذا يعني ان السرد يتكئ على ميثولوجيا البطولة مع تكثيف رمزي ينفذ الى عمق الفكرة مع ايقاع سردي يحاول تجاوز الامكنة واختراق الازمنة فضلا عن ان الراوي العليم كان ملما في تصعيد الاحداث حتى بلوغ الذروة بالحفاظ على نسقية النص وكشف دلالاته مع ربط الازمنة لذا فالرواية تندرج ومستوى التاريخي التوثيقي فتحكي واقعا.
(كان يا ما كان ستكون في الليلة التالية ونحن تحت حصار مطبق حكاية اخرى عن الاب الذي تسكنه نوازع لا تهدأ تعربد في وجهه فيكفهر حنقا يتحول الجلد الداكن الى ازرق محتقن يتطاير من العيون ومض غاضب من يراه يتوقع احتراق العالم في فرن جهنمي تتركه الناس لحال سبيله يداري رموزا غريبة تطفو فوق سطح ذهنه غالبا ما تفلت عن ارادته فتغدو رؤيا تؤرق من ينال سهامها) ص67 .
فالروائي يعتمد المشهدية والسرد بدخوله عراء الحياة اليومية فيصور وحل الواقع سوسيولوجيا ليحقق يوميات مرحلة تاريخية منغمسة في تفاصيلها اكثر من استهلاك الحكاية كي يحقق خريطته الممزقة لذا فهو (ينتمي لسلالة بن خلدون لا الطبري) على حد تعبير احدهم وبذلك يجرنا الراوي الى عوالم الدهشة وآفاق الرؤى الحالمة التي تمزج بين الرمز والاسطورة والمشهد الفني باسلوب يحرك الخزانة الفكرية من اجل الغوص في المعاني المستترة خلف الالفاظ.
(في بقعة غير مرئية من امتداد الصحراء اصب اللعنات وحيدا في فراغ الكون ازئر انقب عن القهر الذي خنقني لكنه ليس هنا ولا هناك حفرة تتلو حفرة اظافري مغاريف رمل انه هنا في هذه الارض الفلاة حقا الغضب يطوقني لكني لكنه هنا فلقد مررت في طريق عرعر ثم انحرفت الى عمق الصحراء كانت نقطة سفوان قريبة كما هي الان كان قبرا مفتوحا والصوت منه يناديني حلم عبدالله المشؤوم منذ ايام الصبا لا اضيعه ابدا ساقلب الصحراء حتى اجده هدني التعب ولم استدل ثمة من اضاء انوار السيارة حزمة قوية سلطت فوق حبات الرمل فتراقصت جفلة عندئذ اتضح انه خرم كابرة في ارض واسعة تعالي يااغنيات ويا تراتيل الولادة ومزامير المدن تعالوا ننشر ونشهد ان عبدالله سيدفن هنا هذا لحده ان زمن الدفن قد حـان) ص227 .
فالروائي يقدم تراجيديا من منظور يبدو ان الراوي يتحكم عبرها في مصير شخصياته ويعرف عنها كل شيء بل ويتجاوز بلقطات سردية متعددة وقد ساعد على ذلك الهيكل الدائري للاحداث التي وظفت فيها الذاكرة حيث تتحول ذاتها الى خلاصة لما يتذكره باعتماد التداخل الزمني والاحداث وتطورها في المخيلة باحضار المشاهد المتفاعلة معها عبر العلاقات المشكلة للنص.
فالكاتب يركز في جهده السردي على قوة الذاكرة ووظائفها الكتابية فيقدم نصا يكشف عن عمل سايكولوجي مستند الى معطيات سلوك الشخصية التي لعبت دورا في تصوير السلوك النفسي وتحولاته والارهاصات التي عانت منها.
اما المستوى التخييلي الذي تبنته الرواية فهو يقوم على ستراتيجية نصية قوامها ادهاش المتلقي ومصادمة توقعاته.
وبذلك قدم الربيعي عبر دهاليزه مشاهدا مفتوحة تهتم بتصوير الطقوس الاجتماعية والميثولوجية الممزوجة بالخيال الذي يستدعي المستهلك (المتلقي) للمشاركة في عملية الانتاج الحكائي المتميز بتعدد افقه واتساع فضائه.
(الساعة الخامسة كنت اعد الحقيبة ربما الساعة السابعة بالضبط اماه يا(ام كفوء).وانت ايتها الزوجة (مياسة) وسومر ايضا حتى لا تزعل البنت الحلوة التوقيت فحالما العقربان ثبتا عند السابعة صباحا خرجت من البيت فحدثت الكارثة قيل فيما بعد ان كل ساعات العالم قد توقفت القوم الصفر الذين يعبدون الزمن فصنعوا له شتى اصناف الساعات اولوا الامر بان احجار الكوارتز جذبها شهاب مر بذؤابة قرب الارض في الغرب اليقظ عندما ننام قالوا: سرة الارض تزحزحت عن مكانها فاختلت الجاذبية) ص8 ـ ص9 .
فالنص يتكئ على سردية تحمل بين ثنايا سطورها اثقال الماضي وتراكماته وما يتجلى من سياقات التعاقب المتصلة بالزمن والسرد وذاكرة الرائي فضلا عن اكتنازها بطاقة ومخزون لغوي يشتغل على مادة حكائية تنتمي من حيث زمنية الانجاز الى الماضي الموظف كمادة للحاضر المؤطر بالبعد التخييلي لجسد النص وبمتابعة مسار وتطور الشخصيات نجد ان الخيط الرابط بين مشاهدها هو حضورها القلق المغترب والمثقل باسئلة الواقع.























