المجتمع الدولي ومجزرة الحولة

المجتمع الدولي ومجزرة الحولة
عــادل البيـــاتي
المجزرة المروعة التي ارتكبتها قوات النظام في سوريا في اجماع الدول الكبرى باستثناء روسيا والصين يوم الجمعة الماضي في الحولة بضواحي حمص، لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة في سلسلة، فطالما أن المجتمع الدولي مُتراخٍ في تعامله مع هذا النظام وما دام النظام الدولي متواطئاً مع دمشق ويمارس لعبة الاستغباء عما يجري على أرض سوريا من قتل للأبرياء وتنكيل بالنساء والأطفال، وهذه الجريمة البشعة أودت بحياة حوالي الـ30 طفلاً قتلوا ذبحاً على أيادي النظام، حيث قتلت قوات النظام في ذلك اليوم 114 شهيداً بينهم عشرات الأطفال ممن لم تتعد أعمارهم العشر سنوات، كانت صورهم تفجع المتابعين، كانت مأساة وحشية كما وصفها روبرت مود رئيس بعثة المراقبين الدوليين وهي انتهاك صارخ ورهيب كما وصفها بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة.. ولكن ماذا تكفينا وماذا تكفي الشعب السوري هذه الاستنكارات والتصريحات
يبدو أن النظام العالمي ومن يسمونه المجتمع الدولي يعيش اليوم أزمة أخلاقية، واعتاد على مشاهدة مناظر الدم ومشاهد القتل اليومي ، ولطالما أصمّ هذا المجتمع وهذا النظام الدولي اسماعنا بشعارات حقوق الانسان وحرية الشعوب…ولكنه أثبت انفصام شخصيته مابين القول والفعل. أين التدخل الدولي الانساني لانقاذ الشعوب المقهورة؟ أين الممرات الآمنة التي يجب أن تقام لانقاذ الجرحى والمحاصرين؟ أين جدوى العقوبات على النظام والمجتمع الدولي يشاهد الخروقات للعقوبات من كل الأطراف ولا يتدخل؟ ولماذا الامتناع عن تسليح الجيش الحر؟ أين الجامعة العربية وأين بعثاتها ومبعوثوها والرحلات المكوكية بلا طائل ولا نتيجة؟ يجب أن تكون مجزرة الحولة في حمص، مثلما المجازر الأخرى التي يرتكبها النظام يجب أن تكون نقطة تحول وصحوة ضمير العالم والمجتمع الدولي، فالعبء الأخلاقي يفرض على المجتمع الدولي أن يغيّر من نهجه المهادن وسلوكه المتساهل مع نظام دمشق… ووقف استباحة دماء الشعب.
رئيس بعثة مراقبي الأمم المتحدة أكد في تصريح اعلامي له بعد الحادثة من خلال تدقيق أجراه المراقبون الأمميون أن السلطات السورية استخدمت مدفعية الدبابات في قصف منطقة الحولة التي حصلت فيها الفاجعة، وأضاف ان مقتل 32 طفلا يمثلون مستقبل سوريا شيء مؤسف جدا و غير مقبول . وأظهرت لقطات بثتها الفضائيات ومواقع الانترنت جثثا غطتها الدماء لأطفال تهشمت جماجم بعضهم من ضحايا القصف في بلدة الحولة يوم الجمعة، وعرضت صور لجثث مصابة بما بدا انها طلقات رصاص في الرأس وقد صفت على أحشاء تغرقها الدماء. المعارضة السورية طالبت مجلس الأمن والمجتمع الدولي بـ تحمل المسؤولية واعلان فشل خطة عنان واتخاذ قرارات سريعة وحاسمة لانقاذ سوريا وشعبها وانقاذ المنطقة برمتها بتشكيل ائتلاف عسكري دولي خارج مجلس الأمن لتوجيه ضربات جوية الى مفاصل النظام العسكرية والأمنية .
ان مثل هذا الاستهداف للمدنيين يمثل رمزا مأساويا لفشل جهود المجتمع الدولي والجامعة العربية، لايقاف العنف تجاه المدنيين في سوريا، وعلى المجتمع الدولي الاضطلاع بمسؤولياته لوقف نزيف الدماء في سوريا بشكل يومي. فلقد سالت دماء أكثر من 20 ألف سوري منذ 14 شهراً، واعتقل أكثر من 250 ألف مواطن سوري، وهجّر أكثر من مليون آخرين، ومع ذلك ما زالت لغة التعامل مع النظام في دمشق هادئة، وفي أحيان أخرى دبلوماسية، وهي تترجى النظام الدموي أن يكف عن القتل، بل الأكثر من ذلك، يخرج علينا بان كي مون ليتهم مجموعات ارهابية والقاعدة بالوقوف وراء التفجيرات التي ضربت مدناً سورية عدة. ولا نعلم من أين جاء بان كي مون بهذه المعلومات، ومراقبوه ينامون مبكراً ويصحون متأخرين، وكأنهم جاءوا للنزهة وقضاء عطلة في ربوع الشام الدامية، وليس لمتابعة مجريات القتل اليومي، وتدوين الحقائق التي يدعي المجتمع الدولي أن بعضها ما زال غائباً عنه. ونتساءل من أين جاء بان كي مون بتلك الحقائق؟ وكيف وصلت اليه تلك المعلومات، وفي الوقت ذاته نراه صامتاً وهو يشاهد يومياً مئات المدن السورية تُدَك بالقذائف، والرصاص يحيل أحيائها الى حمراء دامية؟
انه جزء من ذلك التواطؤ الدولي الذي بات يطحن الشعب السوري.. انه جزء من تلك المنظومة الدولية التي تقف اليوم عارية بعد أن نزعت عنها الثورة السورية ورقة التوت الأخيرة، وجعلتها تعيش في انفصام بين ما تدعيه من انسانية عالمية، وبين ما تمارسه من صمت مطبق حيال ما يجري في سوريا.
لابد من احياء دعوات قطر والسعودية الى ضرورة تسليح الجيش السوري الحر، ليس لاسقاط النظام، فذاك شأن سوري داخلي، ولكن حتى يتمكن هذا الجيش بأفراده المنشقين عن الجيش النظامي، من الدفاع عن أنفسهم ومدنهم بوجه آلة القمع الوحشية التي تعتاش على الدم السوري الطاهر البريء. ليس المجتمع الدولي وحده مسؤولاً عما يجري للشعب السوري، فلقد تراخي العرب ــ ممثلين بجامعتهم ــ وما زال دورهم لا يقل سلبية عن دور المجتمع الدولي، وصار واضحاً أن ما كانت تطالب به قطر والسعودية من ضرورة التحرك لحماية الشعب السوري، صائب ودقيق، بل ان المبادرة التي قدمتها الجامعة العربية، بجهود قطرية وسعودية، كان بامكانها أن تنقل سوريا من حال الى حال بعيداً عن حمامات الدم، لو أنها وجدت تعاطياً عربياً ودولياً أكثر جدية معها من ذاك الذي حصل. لن تكون الأحوال في سوريا الثائرة بعد مجزرة الحولة كما كانت قبلها، فالشعب السوري صار أكثر اندفاعاً للحصول على حريته والاقتصاص من هذا النظام، دون أن يبالي بأية مواقف دولية خجولة، ما زالت ترفض حتى أن تلبي ولو جزءاً بسيطاً من متطلبات الشعب السوري الثائر. الشعب المجاهد الذي يقاوم دبابات ورصاص النظام بصدور عارية، قادر على أن يكمل مسيرته، وقادر على أن يصل الى نهاية ثورته.
أكاديمي من العراق
/5/2012 Issue 4212 – Date 29 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4212 التاريخ 29»5»2012
AZP07