الأسلوب بين نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس

الأسلوب بين نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس

الوضوح يشير إلى سعة الإختلافات بين الكاتبّين

شميم الجبوري

المطلب الأول

الأسلوب

كلمة الأسلوب صارت هذه الأيام حقاً مشتركاً بين البيئات المختلفة ،  يستعملها العلماء،  ليّدلوا بها على منهج من مناهج البحث العلمي. ويستعملها الأدباء… في الفن الأدبي… وفي العنصر اللفظي… وفي إيراد الأفكار… وفي طريقة التخييل. وكذلك الموسيقيون.. ومثلهم الرسامون.. وهكذا حتى أصبحت هذه الكلمة – الأسلوب- تكاد ترادف كلمة الشخصية في المعنى.

هذا الفهم الذي ذهب إليه الأستاذ (الشايب) يذكرنا بقول (بوفون): (الأسلوب هو الرجل) هذه المقولة المشهورة النابعة من صميم الحداثة في دراسة الأسلوب تفيد، أنه مهما حاول المبدع التنويع في أساليبه، سيبقى عنصراً مشتركاً يحكم نصوصه، حضوره، أي أسلوبه الخاص في تنظيم أفكاره.

فـ (الأسلوب منذ القدم كان يلحظ في معناه شكلية خاصة  هي طريقة الأداء أو طريقة التعبير التي يسلكها الأديب لتصوير ما في نفسه أو نقله إلى سواه بهذه العبارات اللغوية، ولا يزال هذا هو الأسلوب إلى اليوم، فهو طريقة الكتابة، أو طريقة الإنشاء، أو طريقة اختيار الألفاظ وتأليفها للتعبير بها عن المعاني قصد الإيضاح والتأثير أو الضرب من النظم والطريقة فيه. هذا هو تعريف الأسلوب الأدبي).

النتائج المرجوة

فالخطوة الأولى في عملية الإبداع هي اختيار الفن الذي يتخذ وسيلة للايصال، مثل المقالة أو القصيدة، أو القصة… الخ.. ثم اختيار المعاني أو الأفكار والحقائق، وترتيبها في منهج يكفل الوصول إلى النتائج المرجوة، سواء كان هذا المنهج طريقة التحليل أو التركيب، فإذا انتقل المبدع من هذا كله إلى مرحلة التعبير عنه بعبارات واضحة، تكشف عنه، فقد تكوّن له الأسلوب، بمعناه العام، علمياً كان أو أدبياً.

يقوم الأسلوب الأدبي على ثلاثة عناصر هي  الأفكار، والصور، والعبارات، وهناك روح مهيمنة على هذه العناصر، دون أن تُدرك أو ُيعْمَدَ إليها، أو تُتوَخَىَّ، لأنها ترتبط بذات المبدع ألا وهي العاطفة التي تتخذ عنصر الخيال وسيلة للإفصاح عنها.

وعند الدخول إلى عالم (نجيب محفوظ) الروائي نجد عالمه السحري قد خلد نفسه بنفسه من خلال النسق الفني، وإبداعه الروائي فالتطور المتلاحق عبر سنوات كتابته اتسم بالإبداع في البنية وصيغة الفن الروائي، والصدق الفني المعبّر، وقوة المنطق وجودة الحبكة وغيرها من التعبيرات أصبحت علامة على هذا العالم الروائي الخصب والثري. فأعماله الروائية كانت علامة مميزة،  لهاحضورها في ساحة المتلقي.

لهذا عدَّ الكثير من النقاد أسلوب (نجيب محفوظ)، طفرة في مسار الرواية العربية، إذ انتقل من النزعة الطبيعية التي سيطرت على إنتاجه حتى الثلاثية إلى شيء جديد، لا أجد اصطلاحاً نقدياً ينطبق عليه، ولكنني سأسمح لنفسي بأن أسميه “الواقعية الوجودية” وهذا التطور من الناحية الفنية قد حمل معه تطوراً آخر يسير إلى جانبه وينبع منه فالشخصيات والبيئات التي صورها (محفوظ) في مرحلتة الأولى التي انتهت بالثلاثية، التزم فيها الاتجاه الطبيعي الذي يقوم على أساس من الدراسة الواسعة والمعرفة الشاملة بأدق التفاصيل.

(فقد كان يرسم أبطاله رسماً تفصيلياً،  لا يترك كبيرة ولا صغيرة تتصل بهم دون أن يسجلها، كان يرسمها من الخارج، ويكاد يحدد طول الشخص ووزنه وتركيبه العضوي الدقيق، وهو بعد ذلك يرسمها من الداخل فيحدد تركيبهم النفسي، كأنه في أحد المعامل الكيميائية يحلل المواد إلى أصولها الأولية).

فالأديب ذو النزعة الطبيعية الذي عني بكل التفاصيل والجزئيات عناية فائقة حمل عصاه ورحل بعد (الثلاثية)، وسار في طريق ابتعد فيه عن أسلوبه القديم، هكذا ينتقل (محفوظ) من النزعة الطبيعية ويبتعد عنها ،  وبالوقت نفسه يبتعد عن الاهتمام بالتفاصيل إلى الاهتمام بالمشاكل الكلية العامة، فيتحول من ذلك الفنان المبدع الذي كان همه أن يعطينا أدق صورة للبيئة المحلية ،  إلى فنان يعرض ويناقش ويهتم بمشكلة إنسانية عامة تعني ،  بالبيئة المحلية كما تعني بالبيئة الإنسانية كلها.

خاصيتان مهمتان

إهتمت الكثير من الدراسات النقدية بأسلوب (نجيب محفوظ)، ففي مقالة للدكتور شاكر عبد الحميد عنوانها (نجيب محفوظ وجهة نظر نفسية) يبدأ في مستهل المقالة بمقولة (الأسلوب هو الرجل ذاته)، ويرى الناقد تطبيقاً واضحاً وحقيقياً يلمسه جلياً (في شخص نجيب محفوظ الأسلوب الجيد في رأي بوفون يتطلب خاصيتين رئيسيتين هما الوحدة والخطة المحكمة).

وهاتان الخاصيتان المهمتان تتحققان عندما يهيمن المبدع على موضوعه، ويفكر فيه بالقدر الذي يسمح له أن يرى بوضوح نظام أفكاره، وأن يصوغ ذلك النظام في قالب متتابع، وسلسلة متصلة، تحمل كل حلقة منها فكرة جديدة تقنع القارئ.

يضع الناقد (نجيب محفوظ) في فئة المتأملين غير المندفعين، لكونه يميل في كتابته الروائية إلى التأمل والتريث في حياة الناس والمجتمع المحيط به، لدرجة أنه عندما يبدأ في كتابة رواية ما، يضع أمامه ملفاً لكل شخصية من شخصيات رواياته، ويكتب فيه كل ما يطرأ عليها من التغيرات.

لذا فالأسلوب التأملي الذي اختاره (نجيب محفوظ) يمتاز بـ (الانتظار والتريث والصبر والدأب والعمل والكدح) ولابد من وجود الكثير من أوجه التشابه بين الأديب وشخصياته حيث أن (الأسلوب هو الشخصية باعتبار أن الأسلوب يكشف الكثير من الخصائص العقلية والمزاجية والإيقاعية لصاحبه. ومن خلال تركيزنا على دراسة أسلوب كاتبنا الكبير (نجيب محفوظ) وهو أسلوب خاص تظهر فيه شخصيته المتميزة).

وترى الباحثة أن رواية (القاهرة الجديدة) تعد انتقالة واضحة وإيجابية في أسلوب (نجيب) الروائي،  إذ إن المؤلف حاول جاهداً التخلص من الأساليب القديمة التي تمثلها (الحكاية الشعبية)، وحاول في هذه الرواية تخليص أسلوبه من صيغ البلاغة (الشكلية) التي تُعَد جمالاً في ذاتها، وانتقل إلى التصوير والتجسيد بأسلوب تقريري يعمد إلى الشمول والمباشرة، فحاول الكشف عن الشخصيات وبيئاتها حضارياً ونفسياً واجتماعياً قدر ما وسعه الجهد.

وحاول في ذلك كله أن يكون بالغ الدقة والتحديد  ،  فنراه يلجأ إلى الأسلوب التقريري ،  الذي يحدد من البداية الملامح العامة التي يظن المؤلف أنها ملامح ثابتة للشخصية. وإن هذه التقارير المصورة المطولة عن الصفات العامة للشخصيات وتاريخها ، هي أسلوب علمي له خطورته على الرواية ،  إذ من المفروض فنياً وأدبياً أن يترك للقارئ مجالاً ،  كي تنمو الشخصية بين يديه في أثناء الاستطراد في قراءة الرواية ،  وهذا أمر يدل على فرض الروائي شخصيته على إبطال رواياته.

وقد لا يحسب هذا الأسلوب في صالح الكاتب لولا ،  أن تلفت عناية القارئ إلى تطوير (نجيب محفوظ) للرواية ،  ورسمه لخطوطها العريضة ،  وإرساء دعائمها في الوطن العربي. وما لفت انتباه النقاد هو أن (الصياغة وأسلوب العرض والسرد يتركز غاية التركيز وتتجلى مهارة الكاتب الفنية في معاملة الكلمات بحرص وعناية ،  تجعل السبيل إلى تلخيص العمل الفني شاقاً وعسيراً، لأنه لا توجد فرصة لإسقاط أو حذف).

تأثير الصحافة

أما (إحسان عبد القدوس) فلا يمنع النجاح الجماهيري الواسع الذي حققه تشخيص عدد من العيوب في أسلوبه حين يعامل على وفق مقاييس النقد الأدبي.

من عيوب الأسلوب عند إحسان الوضوح الشديد، وقد عزا المهتمون بدراسته هذه الظاهرة إلى تضافر عوامل عدّة، منها طبيعته الشخصية التي تميل إلى البوح ومنها غلبة حسه الصحفي، (فكثيراً ما كان إحسان يكتب في رواياته فصولاً تبدو وكأنها نوع راقٍ من التحقيقات الصحفية، مثلما فعل في روايته (لا تطفئ الشمس)، حيث لجأ فيها إلى الوصف التفصيلي والسرد المليء بالجزئيات وتأثير الصحافة خطير على الأدب الروائي، لأن الصحافة تهتم بمعالجة الأحداث القائمة يوماً بيوم، أما الأدب فيهتم بالتكثيف والتركيز).

ومن الأسباب الأخرى التي فرضت هذا الوضوح على أسلوبه إحساسه بأنه لا يخاطب القارئ المثقف، بل القارئ البسيط الذي تحركه الأفكار السهلة والأحكام الجاهزة. (لذلك كان إحسان حريصاً على التبسيط الشديد في أدبه، لأنه كان يريد أن يصل إلى قاعدة عريضة من القراء، فعندما كان يكتب إحدى رواياته كان يفكر في نجاحها وشعبيتها، ولم يكن يضع في حسابه مقاييس النقد، ولم يكن يفكر في النقاد).

ولعل أكثر العوامل تأثيراً في امتداد هذا الخلل الأسلوبي لدى إحسان هو عدم متابعته تطور فن القصة والرواية العالمية. ويبدو أن السبب الكامن وراء هذا هو ثقته المفرطة بقدراته وموهبته، ولكن مثل هذا الثقة أمر مضلل (فلابد للروائي أن يتابع التطورات الأساسية في الرواية العالمية، ولكن إحسان، اعتماداً منه على موهبته النادرة لم يعبأ بهذه المتابعة، ولذلك فقد جاءت كل أعماله الأدبية التي تزيد على الخمسين في إطار أسلوب فني  واحد لا يتغير في الوقت نفسه نجد أن كتاباً أخرين من الجيل نفسه حرصوا على التطور والتجديد في أساليب الأداء الفني مثل نجيب محفوظ ويوسف إدريس).

ومن الثغرات الأخرى في أسلوب إحسان عبد القدوس هي التزامه الصارم بفكرة محددة في رواياته منذ بدء العمل الأدبي إلى آخره، وكأن الرواية بكل أحداثها وشخوصها ما جاءت إلا للبرهنة على صواب الفكرة التي أراد الكاتب إثباتها، وفي هذا الأسلوب من الخطورة شيء كثير، لأنه يقيد حركة الأديب ويحكم على شخوصه بالجمود، فالإنسان يعيش ويتطور، ويتراوح بين نوازع الخير والشر واحتمالات الخطأ والصواب، وكل هذا ضروري للفنان الحقيقي لكي يتحرك بحرية.

يتضح لنا أن فنية العمل الأدبي لدى (إحسان عبد القدوس) ،  تتناثر في أعماله  العاطفية أكثر من وجودها في أعماله الوطنية الخالصة، التي يغني فيها الموقف عن التعليق المباشر، ولكن درجة شيوعها في الأعمال العاطفية، تؤكد أحد جوانب الهدف العام الذي كانت تهدف إليه روايات عبد القدوس، وهو في هذا الجانب يقترب من روايات نجيب محفوظ في حقبة الأربعينيات مثل رواية (القاهرة الجديدة) و (زقاق المدق).