المجلة والبحث عن هوية

المجلة والبحث عن هوية

 الكلمة واحدة من رموز جيل الستينات الأدبي

  أحمد خلف

  ثلاث مرات نشرت لي مجلة الكلمة ــــ التي كانت لا تنشر لمن هب ودب كما يقال عادة ـــــ   المرة الاولى كانت سنة 1969في العدد الخامس ( مايس ) السنه الاولى قصة بعنوان ـــــ الانحدار والقاموس ــــ  لم تتضمنها اي من مجاميعي القصصية لتأثري في هذه القصة بالكثير من  قصاصين مشهورين عرب واجانب لذا فضلت عدم نشرها اسوة بعدد من قصص لاحقة واخرى لحقت بها كما هو الحال مع قصة الأنحدار والقاموس ــــ الاستاذ حميد المطبعي صاحب المجلة ومديرها المسؤول هو من تلقف مني نص الانحدار والقاموس ،  وهو مع الراحل القاص موسى كريدي يشكلان قطبي الرحى في ادارة المجلة واصدارها ــــ  وليس بعيدا اني اتوهم ماخامرني من افكار حول نشر تلك القصة مجرد اوهام وما اكثرها في تلك السنوات العجاف ،  سنوات حرب حزيران وهزيمة العرب القومية الصاعقة لكل الاجيال وليس لجيل الكلمة ( كما اصطلحنا على هذه التسمية مما لها من مردود طيب وحقيقي على نفوس ابناء الجيل ،  فالصيغة الجماعية التي توفرها الكلمة للجيل تتطابق مع المردود النفسي لعبارة جيل الكلمة  حيث لا يبقى نزوع فردي كقولنا جيل فلان او فلان) ،  لكن مجلة الكلمة  عادت ونشرت لي مقالا عن رواية الشاعر فاضل العزاوي ــــ مخلوقات فاضل العزاوي الجميلة ــــ  في العام نفسه ،  اما المرة الثالثة فقد كانت في 1970 قصة بعنوان : ( هجرة الآتي ) في تلك الاعوام كان ثمة جيل قد تشكل وحسم امره هو جيل الستينيات الأدبي ولكن لماذا هذه المقدمة في كلامنا عن الاستاذ حميد المطبعي وعن مجلة الكلمة ؟ الذي لولاه لما ظهرت الى الوجود ،  ولماذا هذا الاهتمام بالنشر في مجلته ؟  ماذا كانت تمثل لنا مجلة الكلمة  في ذلك الوقت وماذا يعني لنا مديرها المسؤول؟ وسط العماء القاهر الذي كانت عليه الثقافة الوطنية الذي سببته الظروف القاهرة ( اعني الجهل بمتطلبات الأمة في تلك الظروف العصيبة وإن افرزت عددا من المطبوعات والمجلات الرافضة للهزيمة وخنوع السلطات العربية ،  كمجلة كاليري في مصر والكلمة  في العراق  ) التي جرفتنا بها النكسة العربية ،  وسط تلك الفوضى والاحساس بالخيبة من مستقبل الأمة ظهر لنا ومن بيننا حميد المطبعي شابا مليئا بالنشاط والحيوية الثقافية ليصدر مجلة تعنى بثقافة جيل جديد ،  جيل علمته نكسة حزيران أن  ليس صحيحا الأستسلام لليأس رغم هول ما حصل للناس في معظم اقطار العرب من ويلات وهزيمة نكراء لم يحارب بها الحكام في حينه الا بالأغاني الثورية التي زادت الطين بلة. كان هذا الجيل يبحث وسط الخراب الوطني والقومي عن بصيص امل للعثور على هويته الشخصية والوطنية  او وضع اليد على صفحة بيضاء يسطر فيها جانبا من عذاباته وهمومه الفكرية والثقافية ،  داخل ووسط ذلك المرجل يتقدم حميد المطبعي ( بما عرف عنه من التزام انساني واخلاقي واهتمام بقضايا الامة والوطن ) على اصدار مطبوع معبر عن كل معاناة  المثقفين العراقيين وهمومهم ،   لتمتد مساحته الى الوطن العربي بعد اعداد قليلة ،  وليت الامر من حيث طبع المجله كانت المسؤولية جماعية بل تكفل الاستاذ المطبعي وحدة الإشراف على ادارتها  من طبع وتوزيع ( ولا اعتقد انها كانت تسد نفقات طباعتها ) مع وقفه شجاعة من قبل بعض اصدقائه لعل القاص الراحل موسى كريدي،  احد ابرز اصدقاء المطبعي والذي كان يعمل مجانا ودون مقابل كما اعتقد وانا على ثقة من انه لم يستلم مقابل جهده شيئا ( انما يعمل مجانا ) وقد استمر في وقفته تلك حتى قرر الاستاذ المطبعي توقف المجلة عن الصدور بأرادته ..

ــــ ماذا كانت مجلة الكلمة  تعني لنا في حينه ؟

ــــ وماذا كان حميد المطبعي يعني لنا في ذلك الوقت ؟

الجواب عن السؤالين : يكاد ياتي متجانسا بعضه مع بعض ،  لأن المجلة كانت تعني بالنسبة للجيل ضرورة وهبة نعمل على صيانتها وادامة استمرارها وعليه لا أظن ان أحدا منا لم يشعر بالغياب المؤلم للكلمة ولولا أن  صاحبها ومديرها المسؤول  هو من اوقف صدورها بارادته لكتب عنه وعن غيابها الكثيرمن الادباء ولكن كما يبدو ان ثمة قناعة توفرت لديه فاغلقها في الوقت المحدد لذلك ..

      من يمتلك روح المغامرة والشجاعة في القيام بفعل قد لا يعود عليه بالفائدة الماديه المرتجاة والموازية لروح المغامرة المتوقعه ،  لكنها قد تعود على الاخرين بالنفع الملموس ،  تلك خصيصة المطبعي وتلك الفائدة التي قدمها للجيل بكل اريحية واصرار رجل لم يفكر بلعبة الربح والخسارة بل شغلته رسالة جيل او أمة او بالحري ثقافة صاعدة رغم صعوبة الظروف التي كان المثقف العراقي يمر بها.. صدرت الكلمة  وظهرت الى الوجود وانتشر الخبر وذاع صيتها منذ العدد الاول كمجلة رائدة وتحت شعار (الكلمة  ــــ مجله تعنى بالأدب الحديث ) وكان هذا الشعار او الأعلان عن هوية المجلة بمثابة العرين الذي يحتمي او يستند اليه الجيل الجديد الذي بدأ يبحث من خلال ــــ الكلمة  ــــ عن هويته الأدبيه والثقافية الحديثة وكانت الحداثة عبارة لم تستهلكها الألسن ولا الأقلام بعد وكان صداها قويا في تلك الأيام ،  وعندما نقول لأحدهم قصيدة حديثة او قصة حديثة يعني اننا نحمل في دواخلنا روح المغامرة والتجديد فكيف الحال بمجله تتصدرها عبارة صريحة تخص الحداثة  اصلا ،  عندئذ راح العديد من ابناء جيل الستينيات يجاهر ويعلن عن التزامه بما تحمله المجلة من روح تجديد وحداثه ..    احتلت الكلمة  حال صدورها مكانتها الجديرة بها ،  كان من يتمكن من النشر فيها انما يكون قد خطى الخطوة الضرورية في عالم النشر ،  والمجلة  لكثرة المواد التي بدأت تصلها ورعاية الاستاذ حميد المطبعي وعدم ركونه للتقاعس او تأجيل اصدارها رغم ذلك كان اصدقاء المجلة بازدياد ،  واخبارها تتناقله الريح المسرعة من النجف الأشرف ،  حيث تصدر من هناك ومن مطبعة حجرية قديمة زرناها انا والشاعر فاضل العزاوي عام 1969 عندما باشرت مطبعة الغري بطبع مخلوقات فاضل العزاوي وقد سلمت قصتي الإنحدار والقاموس في اليوم نفسه الى رئيس التحرير  ولقد ادهشني المناخ الصعب الذي يعمل فيه الصديق حميد المطبعي وقد كنا في حديث مشترك انا والعزاوي عن كفاح المطبعي ولست ادري من منا وصفه بالمناضل وسط مناخ لا يمكن ان تصدر فيه مجلة كالكلمة  ،  وقد جاء في صفحتها الأولى ما نصه :

ــــــ الكلمة   ـــــ مجلة تعنلى بالأدب الحديث ــــ تصدر كل شهرين مرة موقتا..

صاحبها ومديرها المسؤول : حميد المطبعي

رئيس التحرير : موسى كريدي

  ومما يؤسف له هنا ان العدد الأول مفقود من مكتبتي الخاصة التي حرصت على ان تكون فيها اعداد مجلة الكلمة  حيث اكون وهو ما تمكنت من تحقيقه رغم ظروف البلد العصيبة التي مرت علينا جميعا وقد اضطررت الى بيع مكتبتي مرتين الأولى عام 1994والثانية في عام 2007 تحت ضغط الظروف لكني لم افرط بعدد كبير من كتب ستينية مهمة واول القائمة مجلة  الكلمة  باستثناء العدد الاول الذي لو كان معي الآن لقدمت قراءة خاصة لمواده مثلما فعلت مع مجلة الثقافة الجديدة في عيدها الستين ،  غير ان العدد الثاني للسنة الأولى تشرين الثاني 1968 يمكن ان يقدم لي ما استطيع ان افصح به للمتلقي والعدد الثاني ليس لي فيه نص لكي  اقتفي اثر بقية المواد الأخرى  وقد كتب على صفحة غلافه الأولى عبارة ــــ عدد ممتاز ــــ وأعتقد ان امتيازه متأت من احتوائه على مواد جيده لكتّاب جيدين وكذلك لزيادة عدد الصفحات حيث صدر بعشر ملازم اي بمئة وستين صفحة بزيادة  اربعين صفحة عن العدد الثالث ولعل من ابرز من كتب في العدد الثاني ( عدد ممتاز ) الشاعر المصري امل دنقل ومؤيد الراوي وثامر مهدي وخالد علي مصطفى ود علي جواد الطاهر وجمعة اللامي وسامي مهدي ومحمد عفيفي مطر واعتقد ان عبارة : الأشتراك في الأقطار العربية متأت  من مساهمة الشاعرين امل دنقل ومحمد عفيفي مطر .. على ان ترسل : كافة المراسلات والمخابرات باسم حميد المطبعي ـــ النجف ـــ العراق تلفون (682) من هذا نستدل على الثقه التي كان العاملون يتمتعون بها آنذاك وثقتهم تتحدد باليقين ان المجلة سوف تتسع دائرتها ومريديها حتى تصل الى الاقطار العربية ..  ومساهمة القاص جمعة اللامي كانت : قصته الشهيرة ـــ من قتل حكمة الشامي ــــ التي نشرتها الكلمة بعد ان تحمست لها كثيرا ،  وبعد نشر هذه القصة ارتبطنا انا وجمعة اللامي بصداقة لم تنفصم عراها بل عرفنا من خلالها وكانت الكلمة  / المجلة هي من ابرز همومنا و انشغالاتنا في حلنا وترحالنا وحميد المطبعي ثالثنا الذي لا يغيب من جلساتنا على اعتباره احد ابناء جيلنا  والمساهم الاول في نشر ثقافتنا  ،  شأنه في ذلك شأن ابرز الناشرين العرب الآخرين الذين لهم فضل على ثقافة اوطانهم وتلك خصيصة من خصائص الاستاذ حميد المطبعي ،  ترى هل ينتبه المعنيون والمسؤولون لواجبهم الوطني ،  تجاه الاسماء الثقافية التي قدمت اجمل ما لديها من سنوات عمر وتفان في سبيل خدمة الأمة وثقافتها العريقة  كما هو حال الاستاذ حميد المطبعي ؟؟.