فيلم بولندي يتنافس في كان

فيلم بولندي يتنافس في كان كاشفاً خفايا التأريخ الأوربي

كان – سعد المسعودي

يُصوّر المخرج البولندي بافل بافليكوفسكي   أحداث فيلمه الجديد « فاذرلاند  «الوطن»  بعد الحرب الباردة، ببراعةٍ شخصية الأديب الألماني الحائز على جائزة نوبل، وهو يعاني من عذابٍ شديدٍ عند عودته إلى وطنه بعد الحرب. فيلمٌ رائع ظل يترقبه نقاد ورواد  المهرجانات. الفيلم  مدته ساعة و22 دقيقة، وهو استثناءٌ في مسابقةٍ تتجاوز فيها معظم الأفلام الروائية ساعتين، بل قد تبدو أحيانًا أطول بمرتين. بمدة عرضٍ تُذكّر بأفلام كوينتين دوبيو الكوميدية،  وبهذا  أراد المخرج  بافل بافليكوفسكي أن يقول «الفيلم القصير قد يكون عظيمً»  وهذا ما حصل مع فيلمه  «وطن» فيلم مبهر بجمالياته السينمائية  ولعل اختيار الأسود والأبيض  اعطى ميّزة للفيلم  وهو أمرٌ لن يُفاجئ من شاهدوا فيلمي «إيدا» (الحائز على جائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي عام 2013) و»الحرب الباردة» (الحائز على جائزة أفضل مخرج في مهرجان كان السينمائي  عام 2018)،

وبذلك يكمل  ثلاثيةً تُكرّس لظلال التاريخ الأوروبي. ومن هنا تأتي هذه اللوحة الفنية البارعة، التي لا تهدف إلى استحضار الماضي بقدر ما تسعى إلى الغوص في نسيج التاريخ نفسه، وجوهر ماضٍ لا يزال يُلقي بظلاله علينا حتى وقتنا الحاضر ..

والفيلم يتحدث عن قصة زوجين من الموسيقيين الشغوفين اللذين عبرا الستار الحديدي في خمسينيات القرن الماضي. ويواصل فيلم «الوطن» على المنوال نفسه، عائدًا بنا إلى بدايات الحرب الباردة. ويتناول الفيلم لحظةً، تبدو للوهلة الأولى حدثًا ثقافيًا عابرًا في ألمانيا ما بعد الحرب، لكنها في الواقع تُلامس طيفًا أوسع من الانقسام الأوروبي والتاريخي والوجودي والفيلم يبدأ من بدايات العام 1949، وهو أشبه بفيلم رحلات، يروي قصة الكاتب الألماني توماس مان وابنته إريكا، وهما يسافران بسيارة بويك عبر ألمانيا المدمرة بعد الحرب، من فرانكفورت غرباً إلى فايمار شرقاً . في رحلة مشبعة بالحكايات وايضا المزج بين الم المبدع الاديب والشعارات التى تزدهر في ومن الحرب والهزائم .

احداث درامية

تتطور الأحداث الدرامية اثناء سفر «مان»  إلى ألمانيا من منفاه في الولايات المتحدة لتسلم جائزة بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لميلاد غوته. كانت ألمانيا الشرقية والغربية قد قُسّمت على يد الحلفاء؛ وفي خضم تصاعد توترات الحرب الباردة، يُلقي الكاتب خطابات في كلتيهما ليؤكد على وحدة الثقافة الألمانية في هذا المشهد المنقسم حديثًا. ولكن قبل كل ذلك، يُقدّم لنا بافليكوفسكي مقدمة: ابن مان، كلاوس (أوغست ديل)، في حالة يُرثى لها على ما يبدو، يتحدث إلى إريكا عبر الهاتف. يشكو بمرارة لأخته قائلًا: «لقد دمروا كل شيء، والآن يريدونه أن يُريح ضمائرهم».

وتُجسّد هولر شخصية إريكا بأداء رائع ، وهي تشكّ أيضاً في أن الزيارة فكرة سيئة للغاية. لكنها توافق على مرافقة والدها دعماً له، مما يُمهّد لرحلة برية بين ألمانيا الغربية والشرقية، حيث تتداخل فيها صدمات العائلة والوطن.

تحقق النجمة الالمانية القديرة ساندرا هولر حضورا اضافيا في عملها الجديد وهنا نتساءل هل  يوجد ممثل أفضل في العالم الآن من ساندرا هولر؟ لقد حققت النجمة الألمانية نجاحًا باهرًا بأدائها المذهل في فيلم توني إردمان (2016)، وارتقت إلى مستوى أعلى من الفن من خلال أدائها الرائع في فيلمي (تشريح السقوط) و(منطقة الاهتمام)، وكلاهما عُرض لأول مرة في مهرجان كان السينمائي عام 2023.وفاز في العالم الماضي فيلمها – تشريح السقوط – بجائزة السعفة الذهبية . لهذا يمثل حضورا حالة من الترقب والاهتمام والمتابعة .

وتُقدّم أداءً رائعًا مجددًا في فيلم- فاذرلاند – ( الوطن ) ، حيث تُتقن نظرةً تتراوح بين الشفقة والازدراء العميق، بينما تعود إريكا مان، الكاتبة والممثلة المسرحية والناشطة المناهضة للنازية، إلى أنقاض ألمانيا برفقة والدها، الكاتب الحائز على جائزة بوليتزر، توماس مان. إنه فيلم درامي شعري آخر، ذو طبقاتٍ مُتعددة، من إخراج المخرج البولندي المبدع بافل بافليكوفسكي، يُتوّج بعد فيلمي «Ida» و»Cold War»ثلاثيةً غير مُترابطة من الأفلام التي تُصوّر الفوضى و»الارتباك الأخلاقي» الذي ساد أوروبا ما بعد الحرب ببراعةٍ فائقة . الارتباك الأخلاقي» الذي ساد أوروبا ما بعد الحرب ببراعةٍ فائقة .من الرحلة إلى ذروته مع خبر عائلي مفجع يكشف عن برود والدها تجاه القضايا الأكثر أهمية بالنسبة لهم، فتوبخه إريكا على غطرسته في «حكمته الأولمبية وعباراته الأنيقة».

و المخرج «بافليكوفسكي» ولد في وارسو عام 1957 وغادرها وهو  في الرابعة عشرة من عمره، ولم يعد إليها إلا بعد نصف قرن، لا يُصوّر عودته من المنفى صدفةً. يجسّد فيلم «الوطن» الكاتب توماس مان (هانز زيشلر، الممثل المفضل لدى المخرج الألماني « فيم فيندرز في بداياته) عام 1949 و الحائز على جائزة نوبل في الأدب عام 1929 من ألمانيا النازية عام 1933. يعود لأول مرة إلى وطنه، .