
الرجل الذي رفع العلم – سعد العبيدي
في صباحٍ مدرسيّ باكر إبان عهد الملك فيصل الثاني، يسأل معلم الرياضة تلامذة المدرسة الابتدائية في الأعظمية: من يرفع العلم اليوم؟
يندفع فالح إلى الأمام قبل بقية التلاميذ، يرفع يده عاليًا بعينين لامعتين وحركةٍ سريعة واثقة… طفل وسيم، مشدود القامة على صغر سنّه، وفي ملامحه ذكاءٌ وحيوية تلفتان الانتباه. وبعد انتهاء المراسيم، يتأمله المعلم طويلًا، يربّت على كتفه ويقول: سيكون لك شأن.
يعود إلى البيت مفعمًا بالفخر، وقبل أن يغيّر ملابسه المدرسية، يروي لوالده أكرم فهمي ما جرى بعينين متقدتين بالحماسة. يصغي الأب، الخبير بشؤون الرياضة، بابتسامةٍ أخذت تكبر بهدوء، ثم يضمّه إليه ويقول بصوتٍ بدا كأنه وعدٌ مبكر: كنت أعرف أن شيئًا كبيرًا ينتظرك. ومنذ ذلك اليوم، أخذ الأب يرافقه إلى ملاعب الأعظمية، فيما يدخلها بلهفةٍ تشبه عودة المرء إلى بيته الحقيقي. هناك، بين صفارات المدربين ورائحة التراب المبلل بالعرق، بدأ شيءٌ داخله يكبر سريعًا. وفي كلية بغداد الثانوية، صار حضوره يُعرف قبل أن يُنادى اسمه؛ يركض بخفةٍ تجعل الآخرين يلتفتون إليه، كأن جسده خُلق للحركة وحدها، ومع الأيام صار يتنقل بين المضمار وقاعات التدريب حتى بدت الرياضة الشيء الوحيد الذي يمنحه شعورًا كاملًا بنفسه. استهوتْه الجندية، وكبرت في داخله المشاعر الوطنية، فدخل الكلية العسكرية وهو يرى فيها الوجه الآخر لذلك الشغف الذي تربّى عليه في الملاعب. ومع السنوات، أخذت صوره تملأ جدران القاعات الرياضية، بينما يكبر اسمه في الملاعب بهدوء الواثق: ذهبية العراق والعرب في سباق المئتي متر، حضور أولمبي، ثم سنوات طويلة بين قيادة المنتخب الوطني لكرة السلة واللجنة الأولمبية.
يصفه الأصدقاء بالرجل الذي يحمل المرح أينما جلس. يروي الطرائف كأنه يوزّع الطمأنينة على من حوله. وحين تولّى مديرية التدريب البدني وألعاب الجيش، أدارها بكفاءةٍ جعلت اسمه حاضرًا في الوسطين العسكري والرياضي معًا.
اجتماع للضباط
هناك، في الفيلق الأول الخاص، وقبيل انتهاء الحرب مع إيران، تبدأ الأرض بالانسحاب من تحت قدميه.
في مقرّه، حيث كان الضباط يجتمعون ليلًا للسمر هربًا من ضغوط الحرب وثقل أعصابها، يروي في إحدى الجلسات طرفةً عابرة. تتعالى الضحكات سريعًا، من دون أن ينتبه إلى وجهٍ ظلّ جامدًا وسط الجميع، يلتقط كلماته بعنايةٍ باردة، كمن يعثر على دليل إدانة.Top of Form وفي زمنٍ كانت الوشاية تصل فيه أسرع من أخبار الجبهات، تبلغ الطرفة الرئيس مسجّلةً بصوتٍ واضح. يرسل على إثرها الأمن الخاص مفرزةً تأخذه من مكتبه كما يؤخذ جريح من ساحة خاسرة، وتقتاده إلى الرضوانية؛ ذلك المكان الذي تتلاشى فيه الأسماء، وتصبح النجاة مجرد احتمالٍ بعيد. حتى وجد نفسه في قاعةٍ بدت كأنها حفرةٌ واسعة يُلقى فيها الرجال بأسماءٍ قانونية. يجلس في أعلى طاولاتها عواد البندر، وإلى جواره رجلان بوجوهٍ جامدة، فيما يُعرّف نفسه بصفته رئيس محكمة الثورة. يتلو التهمة ببرود:
– المساس بالذات الرئاسية.
ثم يسأله وهو محمول على نقالة داخل القفص، إن كان مذنبًا.
يحاول الكلام، لكن صوته لا يخرج؛ كانت حنجرته قد أنهكها التعذيب الطويل.
يضرب البندر بمطرقته الخشبية، وينطق الحكم كمن يوقّع معاملةً روتينية:
– الإعدام شنقًا.
لم يكن الحكم بالشنق تفصيلًا عابرًا في نهايته، كان جزءًا من الإذلال المقصود؛ فالعسكري الذي قضى عمره بين السلاح والساحات يُترك عادةً لموتٍ يواجهه واقفًا أمام الرصاص، لا معلقًا بحبلٍ في عتمة السجون. لكن أحدًا لم يكن معنيًا بتاريخٍ امتلأت جدرانه بالميداليات والصور والأعلام. كانت طرفةٌ مرتجفة في جلسةٍ مغلقة أثقل في ميزان الرئيس من سنواتٍ طويلة قضاها فالح أكرم فهمي وهو يعدو في الملاعب باسم العراق، أو يرتدي قيافة القتال العسكرية مدافعًا عن العراق.
وفي الرضوانية، حيث تتآكل الأجساد ببطء، أخذ عباس الوحش على عاتقه إكمال ما تبقّى من تحطيم الروح؛ يجرّه إلى جولاتٍ جديدة من التعذيب، كأن الحكم وحده لم يكن كافيًا. حتى روى السجناء أن فالح سبق حبل المشنقة إلى نهايته، وأن القسوة المرة أنهكت جسده قبل اكتمال تنفيذ الحكم. وهكذا اختفى الرجل الذي بدأ طفلًا يرفع العلم، ثم شابًا يرفع اسم العراق، لينتهي وحيدًا في عتمةٍ لم تكن تتذكّر من البشر سوى خوفهم.























