مهرجان كان يعيش بضعة أيام في قرية ناجي

فوكادا يعتمد الصمت الطويل لا الضجيج الدرامي

مهرجان كان يعيش بضعة أيام في قرية ناجي

كان – سعد المسعودي

تعثرت كثيرا السينما  اليابانية  في بداياتها  وظهرت  في بداياتها  متشابهة  رغم أن السينما في اليابان لها تاريخ يعود إلى أكثر من 100 سنة وتعتبر من أقدم وأكبر صناعات السينما في العالم وقدمت أسماء كبيرة نالت اكبر الجوائز وأهمها في المهرجانات والملتقيات الدولية,ورغم حضور أسماء يابانية أسطورية مثل» أكيرا كوروساوا وهاياو ميازاكي، فإن شوهي إمامورا امتلك عالمًا مختلفًا تمامًا وفاز بالسعفة الذهبية لأكثر من مرّة   الأولى عام 1983 عن فيلم أغنية الصعود الى ناراياما، الذي استعاد أسطورة يابانية قديمة حول التضحية بكبار السن أثناء المجاعات,قدّم إمامورا الفيلم بلغة قاسية وواقعية، كاشفًا الجانب البدائي والوحشي في الطبيعة البشرية.

أما فوزه الثاني فجاء عبر فيلم « ثعبان البحر»، وهو دراما نفسية عن رجل يقتل زوجته ثم يحاول بدء حياة جديدة بعد خروجه من السجن.. تميّز الفيلم بحس تأملي هادئ، مع معالجة عميقة لفكرة الذنب والعزلة وإمكانية الخلاص .اليابان تشارك هذا العام في الدورة 79 بفيلم «بضعة أيام في ناجي» للمخرج الياباني «كوجي فوكاد»ا، وهو أول فيلم من بين 22 فيلمًا  تم عرضه للنقاد وستُقيّمها لجنة تحكيم مهرجان كان السينمائي ،.

على  مدى ساعة و50 دقيقة. ينقلنا الفيلم الى عوالم جمالية عاليه وهو التحدي بأستمرار الصناعة السينمائية التي ولدت قبل مئة عام .

 والفيلم  يتحدث عن  «المهندسة المعمارية  يوري «التي تصحبنا معها الى قرية «ناجي»  ونتوجه إلى اليابان، حيث تزور يوري، ، أخت زوجها السابقة التي تربطها بها علاقة جيدة. تعيش يوريكو في الريف، على مقربة من قاعدة عسكرية. يُعلن الراديو المحلي بانتظام عن تدريبات بالذخيرة الحية تُجرى خلال النهار وهو مايسبب ازعاجا وقلقا لسكان القرية و بالتأكيد توجد أماكن معيشة أكثر فخامة. يوريكو، وهي نحاتة، تُعطي دروسًا في الرسم وتساعد في حلب الأبقاروتهتم بالزراعة  في البداية تبدو الزيارة  هادئة و عابرة في الأصل، لكنها تأخذ مساراً غير متوقع عندما تقبل يوري بأن تشاركها جلسة تصوير. مع مرور الحلقات، يملأ الصمت بالذكريات، وتظهر رابطة عميقة كانت مدفونة طويلاً بين المرأتين. بعيداً عن صخب طوكيو، تستسلم يوري لدفء الحياة اليومية في الريف والناس الذين يحيطون بها. تمر الأيام كما لو أن شيئاً هنا يدعوها للبقاء

و المخرج «كوجي فوكادا « يعود إلى مهرجان كان و رحلة المخرج  الياباني تعيد تعريف الدراما النفسية خلال أقل من عقد، حيث نجح في ترسيخ اسمه كأحد أبرز الأصوات السينمائية الآتية من آسيا إلى مهرجان كان السينمائي، عبر أفلام تتقاطع فيها العزلة مع القلق النفسي، والهدوء الظاهري مع الانفجارات العاطفية المكتومة.

ومع عودته هذا العام إلى الكروازيت بفيلمه الجديد«ناغي نوتس» “يواصل فوكادا رحلته الخاصة داخل أروقة المهرجان ، وهي رحلة بدأت فعليًا عام 2016 عندما خطف الأنظار بفيلم “Fuchi ni Tatsu” المعروف عالميًا بعنوان «هارمونيوم»، أحد أهم أفلام الإثارة  النفسية اليابانية في العقد الأخيرالبداية التي غيّرت مسيرته

قبل ظهوره في مهرجان كان السينمائي، كان المخرج الياباني « كوجي فوكادا «اسمًا معروفًا داخل الدوائر السينمائية المستقلة في اليابان، لكنه لم يكن قد وصل بعد إلى العالمية.

سينما هادئة

ما يميز سينما المخرج» كوجي فوكادا « ليس الضجيج الدرامي، بل العكس تمامًا.فأفلامه تعتمد على: الصمت الطويل، التوتر غير المرئي، العلاقات الإنسانية الهشة، الشخصيات التي تخفي أكثر مما تقول، الانفجارات النفسية البطيئة.ويُنظر إليه غالبًا باعتباره امتدادًا حديثًا لتقاليد السينما اليابانية التأملية التي أسسها مخرجون كبار مثل ياسوجيرو أوزو وكييوشي كوروساوا، لكن بروح أكثر معاصرة وقلقًا.في عالم فوكادا، لا يأتي الرعب من العنف المباشر، بل من التصدعات الصغيرة داخل الحياة اليومية.

وبعد سلسلة من الأفلام التي رسخت مكانته داخل المهرجانات الأوروبية، عاد المخرج  فوكادا العام الماضي إلى مهرجان كان السينمائي عبر فيلم  “الحب على المحك”، الذي عُرض ضمن قسم “كان بريميير”.الفيلم تناول العلاقة المعقدة بين الشهرة والخصوصية داخل المجتمع الياباني، عبر قصة نجمة شابة تواجه ضغوطًا اجتماعية ومهنية بعد انكشاف حياتها العاطفية.ورغم أن الفيلم بدا أكثر مباشرة من أعماله السابقة، فإنه حافظ على السمات الأساسية لسينما فوكادا: الشخصيات المنكسرة، والنقد الاجتماعي الهادئ، والإحساس الدائم بالعزلة.

“ناغي نوتس”يوصف بأنه عمل ريفي تأملي يحمل طابعًا إنسانيًا وشاعريًا مختلفًا عن أفلامه السابقة.وبحسب الانطباعات الأولية، فإن “ناغي نوتس” يمثل مرحلة جديدة من النضج الفني لدى المخرج الياباني، حيث يتجه نحو سينما أكثر هدوءًا وتأملًا، دون التخلي عن حسه النفسي العميق.

كما يرى نقاد أن الفيلم يعكس تحوّلًا في رؤية فوكادا للعالم، من التركيز على التفكك العائلي والقلق الحضري إلى التأمل في فكرة المصالحة الداخلية والبحث عن السلام. خلال السنوات الأخيرة، أصبحت علاقة كوجي فوكادا بـمهرجان كان واحدة من أكثر العلاقات استقرارًا بين مخرج آسيوي والمهرجان الفرنسي.فكل عودة لفوكادا إلى الكروازيت تحمل معها توقعات نقدية مرتفعة، خصوصًا أن المهرجان لطالما احتفى بالسينما الآسيوية التي تجمع بين البعد الإنساني والأسلوب الفني المتفرّد.

ومع استمرار صعود السينما اليابانية الحديثة عالميًا، يبدو فوكادا اليوم واحدًا من أهم المخرجين الذين يمثلون الجيل الجديد للسينما اليابانية خارج الأسماء التقليدية الكبرى.

وبعيدًا عن البهرجة البصرية أو الخطابات المباشرة، يواصل كوجي فوكادا بناء مشروع سينمائي شديد الخصوصية، قائم على مراقبة الإنسان في لحظات ضعفه وهشاشته.

ومن “هارمونيوم” إلى “ناغي نوتس”، تبدو رحلته داخل مهرجان كان السينمائي أشبه بتطور تدريجي لصوت سينمائي يزداد نضجًا وهدوءًا مع كل فيلم جديد.