
كلام أبيض
إستناني – جليل وادي
أحيانا ومنذ الصباح الباكر تجد نفسك تدندن باغنية معينة، وتبقى مسيطرة عليك طوال اليوم، تحاول الفكاك منها لكن دون جدوى، مرة تبدأ من نهايتها وأخرى من وسطها، وربما تبتكر كلمات من عندك مع المحافظة على اللحن، يبدو لي ان الأغاني التي تراودك بلا قصد، هي الأقرب لمشاعرك، قد تسأل نفسك كيف حضرت هذه الأغنية الآن مع انك لم تستذكرها منذ مدة طويلة، أسئلة كثيرة لا نملك لها اجابات يقينية، هذا بالضبط ما حصل صباح يوم الجمعة مع اغنية (استناني) التي أدتها بجدارة فائقة الفنانة نجاة الصغيرة، فحمّلت كلماتها بكم هائل من المشاعر، وهنا تكمن عبقرية المطرب الذي يتفنن بصوته فيستخرج ما فيه من أحاسيس تتناغم مع الكلمات، والأغنية كما تعرفون من ألحان الفنان كمال الطويل الذي لمت نفسي كثيرا لمحدودية معرفتي بسيرته وأعماله الفنية التي بلغت أوجها في تقديري مع أغنية (استناني)، ففيها تجلت الروح الرقيقة التي يتمتع بها هذه الملحن، ووجدت ان وصف سيدة الغناء العربي ام كلثوم لرياض السنباطي تنطبق عليه، اذ قالت في معرض تقييمها لبعض الملحنين ان السنباطي لا يلحن الكلمات بل يلحن المعاني، وهذه شهادة كبيرة يستحقها السنباطي.
في أغنية (استناني) التي تعني بالعربية الفصيحة (انتظرني) تكامل الصوت مع اللحن مع الكلمات التي كتبها مأمون الشناوي الذي كان صادقا للغاية في مشاعره، حتى انك تستغرب كيف عبر عن مشاعر عميقة بهذه العذوبة الشعرية، وهذا ليس بغريب على الشناوي الذي يعد من أبرز كتاب الأغنية العربية في القرن الماضي، ومن الشعراء الذين يتسمون بالرومانسية والبساطة العاطفية، ولكم أن تتأملوا في أغانيه للسيدة ام كلثوم مثل (فات الميعاد) و(بعيد عنك).
بالمناسبة لست بصدد الحديث عن هؤلاء الفنانين بالأساس، بل لموضوع آخر مغاير تماما، وأكمل لكم بأن اعجابي تعاظم بكمال الطويل بعد استماعي لأغنية (استناني) قبل عقود، بينما كنت لا أستسيغ شكله، فهو طويل القامة وضخم الجسد، ويجعلك شكله العام تحكم بأنه لا يمكن أن يخرج منه ما هو رومانسي، ويتعزز الحكم عندما تعرف انه ضابط بالجيش المصري، فشكله لا يشبه الأشكال المعروفة للفنانين، وكأن الرقة والرومانسية مرتبطة بالأشكال الرشيقة كما هي الحال عند عبد الوهاب والسنباطي، لذلك تشكلت عندي صورة ذهنية سلبية عن كمال الطويل، حتى انها وصلت الى مستوى عدم الارتياح، ومثل هذا الشعور طبيعي لدى بعض الناس مع انه غير منطقي، ولا يجوز اعتماده، ففي الطريق يصادفك العديد من الأشخاص منهم مَنْ ترتاح لأشكالهم وتشعر بالانجذاب لهم، بينما تنفر من أخرين، ويصل الانجذاب والنفور في بعض الأحيان لمستوى الكره والحب، ولكن اذا ما أتيحت لك معاشرتهم ربما تجد ما يتناقض مع حكمك الشعوري او غير الشعوري، الشكل جميل والروح قبيحة او العكس. أذكر عندما كنت عسكريا في منتصف ثمانينيات القرن الماضي في مدرسة ضباط صف المشاة الأولى بالموصل، ان أحد جنود وحدتنا (لا أرغب بذكر اسمه) ضخم الجثة عريض المنكبين على حد وصف الفنان عادل امام، لدرجة ان التجهيزات في الوحدة تسلمه بدلتين عسكريتين ليخيط منهما بدلة واحدة على مقاسه، وهو الجندي الوحيد الذي يحق له التجوال بحذاء عادي وليس (بسطالا)، ولضخامته وتعذر تحمله للتدريب أوكلت له مهمة النفخ بالبوق، ربما ظن آمر الوحدة ان (كرش) هذا الجندي فيه الكثير من الهواء يتيح له النفخ بالبوق الذي يؤدي وظيفة الاستيقاظ الصباحي، او الدعوة لتجمع او غيرهما، العديد من الجنود عبروا عن عدم ارتياحهم لنافخ البوق الذي تطارده لعناتهم لايقاظهم من النوم فجرا وهم في غاية الارهاق بسبب كثافة التدريب، فضلا عن وجهه المتجهم بطبيعة تكوينه. ومن محاسن الصدف جمعني العمل في حانوت الوحدة العسكرية مع هذا الرجل الذي تبين لي انه رقيق وشفاف، وروحه من الجمال يتعذر وصفها، وقد تعلقنا به ايما تعلق، وما عاد يطيب لنا الحديث الا معه، بجلسات سمر يجمّلها بصوته العذب الذي يبدد كآبتنا الدائمة بأغاني الفرح، فيشيع في أجوائنا البهجة، وعندها أدركنا ان الحكم على الأشكال خطيئة لا تغتفر .






















