
الدولة التي نريدها
لماذا لا تسمح بها الطبقة السياسية؟ – محمد علي الحيدري
في كل موسم سياسي، تعود كلمة “الدولة” إلى الواجهة بوصفها الوعد الأكبر والخطاب الأجمل. دولة القانون، دولة المؤسسات، دولة العدالة. كلمات مألوفة، محفوظة، تُستعمل بسخاء في البيانات والخطب، لكنها نادراً ما تُترجم إلى سلوك سياسي حقيقي. والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: إذا كان الجميع يتغنّى بالدولة، فلماذا لا تولد؟
المشكلة لا تكمن في غياب التصوّر، فالعراقيون يعرفون جيداً أي دولة يريدون. دولة تحميهم لا تخيفهم، تخدمهم لا تبتزهم، تساوي بينهم لا تصنّفهم. لكن العقدة الحقيقية تبدأ عند لحظة الاصطدام بين هذا الحلم الشعبي وبين مصالح طبقة سياسية اعتادت إدارة اللادولة، لا بناء الدولة.
الدولة، في معناها الجاد، تعني الاحتكام إلى قواعد ثابتة، وتقديم العام على الخاص، والتنازل عن الامتيازات غير المشروعة. وهذا بالضبط ما لا تنسجم معه بنية العمل السياسي القائم على المحاصصة، وتوزيع النفوذ، وحماية الشبكات لا المؤسسات. فالدولة القوية تُنهي الحاجة إلى الوسطاء، بينما كثيرون لا يعيشون سياسياً إلا بوجودهم.
ليست المشكلة في النصوص الدستورية أو القوانين الناقصة فقط، بل في الإرادة السياسية. فحين تتحوّل الدولة إلى شعار انتخابي لا إلى مشروع حكم، يصبح الحديث عنها نوعاً من التجميل اللفظي للواقع، لا محاولة جادة لتغييره. وهنا يفقد الخطاب صدقيته، ويزداد الشرخ بين المواطن والسياسة.
الأخطر من ذلك أن الإصرار على إدارة الضعف، لا معالجته، يجعل من أي محاولة إصلاح حقيقية تهديداً قائماً. فالدولة، حين تُبنى، لا تُبقي أحداً فوق المساءلة، ولا تسمح بتعدّد المراجع والولاءات. ولهذا تُقاوَم، أحياناً بصمت، وأحياناً بتشويه كل من يطالب بها بجدية.
ربما لا يحتاج العراق إلى شعارات جديدة عن الدولة، بقدر ما يحتاج إلى شجاعة سياسية تعترف بأن الطريق إليها مؤلم، وأن بناءها سيُسقط امتيازات، لا شعارات. عندها فقط يمكن أن يصبح السؤال الحقيقي: هل نحن مستعدون لدولة تُدار بالقانون، أم نكتفي بدولة تُستعمل في الخطابات؟
ذلك هو الامتحان، وتلك هي المفارقة التي لم تُحسم بعـــــــد.






















