بين يدي نهج البلاغة – عبدالهادي البابي

بين يدي نهج البلاغة – عبدالهادي البابي

في مساءٍ يفيضُ بالمودة ، تشرّفتُ بزيارة الأستاذ القديرالدكتور محمد الفيحان (أبو حمزة) في منزله الكريم ، وذلك لعيادته والإطمئنان على صحته التي أثقلتها السنون . ورغم وطأة المرض وتعب الجسد ، أستقبلني بحفاوته المعهودة وأبتسامته التي لم تغادر مُحيّاه ، واصفاً الزيارة بأنها باقة وفاءٍ في زمن الشُح .

لم تكن مكتبته العامرة مجرد رفوفٍ تكتظ بالمجلدات ، بل كانت تجسيداً حياً لروحه وتاريخه. وحين سألته عن أقرب الكتب إلى نفسه – وظننتُ بحكم مسيرته الإعلامية والأكاديمية الحافلة أنه سيشير إلى مؤلفٍ في الصحافة أو ديوانِ في الشعر أو كتاب في الأدب – لكنه فاجأني حين أمتدت يداه بوقارٍ وإجلال نحو كتاب (نهج البلاغة) في وسط مكتبته .. ففي لحظةٌ من الخشوع، وبيدين مرتعشتين ، وصوتٍ يتهدجُ بالرهبة ، فتح صفحات الكتاب وكأنه يفتحُ نافذةً على النور، ثم راح يقرأ لي مقطعاً من (خطبة المتقين) ،  رأيتُ الدموع تتحادر من عينيه المتعبتين، وسمعتُ في صوته حشرجةً يملؤها الإيمان وهو يقول :

(من ذا الذي يقوى على تمالك نفسه أمام هذه المواعظ البالغة والحكم العظيمة التي تغوص في أعماق الروح)..!

لقد كان مشهداً مهيباً تذوبُ فيه المسافات بين القارئ والمقروء ، حيث وجد الدكتور الفيحان في كلمات الإمام علي (عليه السلام) السلوى والسكينة ، وكأنه يرى في صفات المتقين مرافئ أمانٍ لقلبه المتعب .. لا نملك إلاّ أن نرفع أكف الضراعة بالشفاء العاجل لهذه القامة الكربلائية الشامخة ، فرغم أن المرض والسكري قد حاصرا جسده بكل قسوة ، إلاّ أنه ظل أميراً للكلمة ، وفياً لسيد البلغاء، ومعلماً للأجيال.. حفظ الله الدكتور أبو حمزة  ، وألبسه ثوب الصحة والعافية، وأدامه ذخراً ومنارةً للعلم والأدب والصحافة .