التناص السياسي – مجيد الكفائي

التناص السياسي – مجيد الكفائي

اعتدنا أن نسمع بمفهوم «التناص»  في الأدب حيث تستعير النصوص من بعضها أفكاراً وصوراً  وعبارات فيتكرر المعنى بثوب جديد .

لكن التناص لا يقتصر على الرواية والشعر بل يمتد إلى السياسة أيضا وربما يظهر فيها بصورة أكثر وضوحاً خصوصاً  في العراق حيث تبدو الحكومات المتعاقبة وكأنها تعيد كتابة النص ذاته مع تغيير العنوان وبعض التفاصيل . فمع كل انتخابات أو تشكيل حكومي جديد تبدأ دورة مألوفة من الوعود : مكافحة الفساد، تحسين الخدمات، بناء الاقتصاد، توفير فرص العمل، وحصر السلاح بيد الدولة.

تتغير الوجوه أحياناً وتتبدل الشعارات لكن الخطاب يبقى متشابهاً  إلى حد يثير شعور المواطن بأنه يستمع إلى نسخة معدّلة من خطاب قديم لا إلى مشروع جديد فعلاً . وكأن السياسة العراقية دخلت في حالة «تناص دائم» تستنسخ فيه الحكومات لغة من سبقها من دون أن تنتج واقعاً مختلفاً . هذا التكرار لا يكشف فقط ضعف البرامج السياسية بل يعكس أيضاً أزمة أعمق تتعلق بطبيعة النظام السياسي نفسه .

فحين تكون البنية السياسية قائمة على المحاصصة والتسويات أكثر من اعتمادها على الرؤية والكفاءة يصبح من الطبيعي أن تتشابه الحكومات لأنها تتحرك ضمن الشروط نفسها وتواجه القيود ذاتها بل وتستخدم الأدوات والخطابات نفسها لضمان البقاء والاستمرار .

المشكلة أن التناص الأدبي غالباً ما يكون مصدر غنى وإبداع بينما التناص السياسي في العراق تحول إلى حالة من الجمود .

فالنص السياسي لا يعاد إنتاجه بهدف التطوير بل بهدف إعادة تدوير الأمل وتأجيل خيبة الشارع  . ولهذا لم يعد المواطن يتفاعل مع الوعود بالحماسة السابقة لأن ذاكرته مليئة بخطابات متشابهة لم تغيّر واقعه اليومي  ومع ذلك فإن كسر هذا التناص ليس مستحيلاً . فالعراق لا يحتاج إلى حكومة تتقن إعادة صياغة الشعارات بل إلى مشروع سياسي مختلف في التفكير والممارسة مشروع يكتب «نصاً جديداً» لا يقتبس من إخفاقات الماضي بل يتعلم منها .

عندها فقط يمكن أن تتحول السياسة من تكرار مملّ إلى فعل حقيقي يصنع الفرق

في النهاية يبدو أن أخطر أنواع التناص ليس ذلك الذي يحدث بين الكتب بل الذي يحدث بين الحكومات حين يصبح المستقبل مجرد إعادة تحرير للماضي .