
ما الفرق بين المنهاج الوزاري والبرنامج الحكومي ؟ – حسن الياسري
لقد لاحظتُ أنَّ الكثيرين يخلطون بين المنهاج الوزاري والبرنامج الحكومي، إذ يذهب البعض إلى أنهما شيءٌ واحد، ويميل البعض الآخر إلى أنَّ المنهاج غير البرنامج.ولإيضاح الأمر لا بدَّ من الرجوع إلى الدستور، وبالتحديد إلى خلفيات صياغة البند رابعاً من المادة (76) منه التي تتحدث عن وجوب قيام رئيس الوزراء المُكلَّف بعرض أسماء الوزراء والمنهاج الوزاري على مجلس النواب لنيل ثقته. فلقد ورد في أوليات صياغة النص من قبل لجنة كتابة الدستور–ابتداءً- عبارة (البرنامج الوزاري أو الحكومي)، وعند وصول النص إلى اللجنة الفنية المختصة بإعادة النظر في الصياغات من الناحية الفنية الدستورية أُلغي لفظ (البرنامج) ؛ لكونه غير عربيٍّ ودخيلٌ على اللغة العربية،فهو لفظٌ فارسيٌّ (برنامه)، ووُضع مكانه لفظ (المنهاج) الذي يعني (الطريق الواضح)، فإنَّا نقول في كلامنا الفصيح (المنهج الدراسي) و(المناهج التربوية والتعليمية)،وتوسم الرسالة التي يعدُّها المرجع الديني لبيان الأحكام الشرعية بـ (منهاج الصالحين)، وفي مُحكم التنزيل (لكلٍ جعلنا منكم شرعةً ومنهاجاً) ؛ لذا غدا المصطلح الدستوري (المنهاج الوزاري) بدلاً من (البرنامج الحكومي).وتلكما هي القصة بكل يُسرٍ !!
تجربة عراقية
وممَّا سلف يتجلَّى أنْ لا فرقَ معتداً به بين اللفظين (المنهاج والبرنامج)، ولا معيار للتمييز بينهما، بل لا محلَّ صحيحاً للتمييز بينهما ؛ لانعدامهِ أساساً. ولعلَّ البعض سينبري لإثارة إشكالٍ على هذا الكلام مؤداه أنَّ التجربة العراقية أفرزت الفرق بين (المنهاج الوزاري) و (البرنامج الحكومي).فالأول يشير إلى ما يُقدِّمه المُكلَّف إلى مجلس النواب، أما الثاني فهو ما تقوم الحكومة به، بعد نيلها الثقة، إذ تعمدُ، عبر الأمانة العامة لمجلس النواب، إلى إعداد هذا (البرنامج التفصيلي) عن كل ما تروم القيام به.ويتم المصادقة عليه من قبل مجلس الوزراء وليس مجلس النواب.
ولسنا نجانب الصواب إنْ وصفنا هذه التجربة في التمييز بين المنهاج والبرنامج بـ (البدعة).إذ لا أساس لها دستورياً من جهةٍ ، ومن جهةٍ أخرى لا أُرجِّحُ أنَّ ثمة تجربةً دستوريةً تُعزِّز هذا التمييز.فلقد مضى القول إنَّ لفظ (البرنامج) رُفض دستورياً لأعجميتهِ ، وإنَّ اللفظ العربي الصحيح الفصيح هو (المنهاج).وفيما يتعلق بالفرق بين لفظي (الوزاري) و (الحكومي) فجديرٌ بالذكر أنْ ليس ثمة تباينٌ بين هذين اللفظين، فكلاهما صحيحٌ.إذ يصحُّ القول (المنهاج الوزاري) و(المنهاج الحكومي) ؛ بيد أنَّ إطلاق الدستور لفظ (الوزاري) يُرجِّحه في الاستعمال.أما إذا أردنا أن نعطي مكنةً للحكومة في تلافي ما قد يشوب المنهاج من نقصٍ أو ما قد يعتريهِ من غموضٍ أو ما قد يستجدُّ من ظروفٍ جديدةٍ توجب المعالجة فلا غضاضة آنئذٍ في السماح لها بإعداد ملحقٍ بالمنهاج يكون أكثر تفصيلاً.وليس بسائغٍ وقتها أن نُطلق عليه (البرنامج الحكومي) ، بل الصحيح أنْ يكون موسوماً بـ (ملحق المنهاج الوزاري) مثلاً، أو نحو ذلك.
هل ينبغي أن يتضمن المنهاج آليات التنفيذ؟
في الفقه الدستوري الحديث تكون الإجابة نعم، وبدرجةٍ معقولةٍ ؛ لأن المنهاج الذي لا يتضمن آليات تنفيذٍ يتحوَّل إلى ما يُشبه الإعلان السياسي أو خطاب النوايا.أما الحكومة الحديثة فتُقاس بقدرتها على تحويل الأهداف إلى سياساتٍ، والسياسات إلى مناهج وآليات تنفيذٍ، وهذه الأخيرة إلى نتائج قابلةٍ للقياس، فبدلاً من القول «القضاء على البطالة»، يجب تحديد الآليات التي يتعيَّن سلوكها في هذا السبيل، ومنها مثلاً القول ( عبر منح قروضٍ مُيسَّرةٍ لمليون مشروعٍ صغير).وبناءً على ذلك يُفترض أن يتضمن المنهاج الأدوات الآتية :
1- الأدوات التشريعية : وتشمل التشريع، سنَّاً أو تعديلاً. فمن السنِّ : مشروعات قوانين سترسل إلى البرلمان (مثل إعداد مشروع قانون النفط والغاز، مشروع قانون مجلس الاتحاد..).ومن التعديل : تعديلاتٌ تشريعيةٌ مطلوبةٌ (مثل تعديل قانون الانتخابات، تعديل قانون الأحزاب..).
تحول رقمي
2- الأدوات الإدارية : مثلاً : إعادة هيكلة الوزارات، إنشاء هيئاتٍ معينة، التحول الرقمي.
3- الأدوات المالية : مثلاً :مصادر التمويل، أولويات الإنفاق، ربط الموازنة بالأداء.
4-أدوات التنسيق بين الوزارات،المحافظات،الهيئات المستقلة.
هل ينبغي أن يتضمن المنهاج جداولاً زمنيةً ومدداً للتنفيذ ؟
في الأنظمة المتقدمة سيكون الجواب: نعم، إذ أصبح هذا معياراً للحكومات الحديثة. فالمنهاج الوزاري المعاصر لا يكتفي بالقول:(توسيع شبكة الكهرباء أو مشكلة الكهرباء)، بل ينبغي أن يورد –مثلاً:(إضافة 5000 ميغاواط خلال 3 سنوات،تقليل ساعات الانقطاع بنسبة 40بالمئة …الخ.ومعنى ذلك الانتقال من الوعود والخطابات الإنشائية إلى الالتزامات القابلة للتقويم والرقابة. هل ينبغي أن يتضمن المنهاج مؤشرات قياس الأداء (KPIs)؟ مؤشرات القياس هي الأدوات التي تقيس النجاح رقمياً، وبدون هذه المؤشرات يبقى المنهاج مجرد وعودٍ انتخابيةٍ.
في الإدارة الحكومية الحديثة أصبح التطرُّق إلى ذلك من أهم العناصر التي يتضمنها المنهاج.وهذه المؤشرات تشمل عدة أمورٍ، من قبيل :نسبة الإنجاز، معدل البطالة، ساعات تجهيز الكهرباء، نسبة الفقر، سرعة إنجاز المعاملات، مستوى الإيرادات غير النفطية، عدد المدارس أو المستشفيات المنجزة، مؤشرات الحوكمة والشفافية.
هل ينبغي أن يُقسِّم المنهاج عمر الحكومة إلى مراحل من حيث الإنجاز ؟ من المحبَّذ تقسيم عمر الحكومة في المنهاج إلى مراحل (منهاج الـ 100 يوم، السنة الأولى، منتصف الدورة..).هذا يمنح الحكومة معرفة الزمن للإنجاز والبرلمان مكنة المراقبة على ذلك الإنجاز. إن كلَّ ما تمَّ ذكره من عناصر ومحاور وإن لم يكن واجباً تضمينها في المنهاج الوزاري بمقتضى المنهج التقليدي القديم، بيد أنَّ تضمينها فيه أضحى أمراً مطلوباً بمقتضى المنهج الحديث ومفاهيم الحوكمة الحديثة، وإن المنهاج الذي يخلو منها الآن سيغدو ضعيفاً وفاقداً للمصداقية ومجرَّد وعودٍ وخطابٍ إنشائيٍّ.
























