الفار .. عدالة القرار ومتعة الكرة

الفار .. عدالة القرار ومتعة الكرة

متى يعود الحكم إلى الشاشة ومتى يصبح  الصمت مثيراً للجدل؟

النجف- نجم عبد كريدي

أثارت بعض القرارات التحكيمية في مباريات دوري نجوم العراق الأخيرة، ولا سيما في مواجهتي نادي الكهرباء ونادي النجف، وكذلك لقاء نادي الشرطة ونادي الغراف، موجة واسعة من التساؤلات حول آلية استخدام تقنية حكم الفيديو المساعد “VAR”، خصوصاً في حالتي ركلتي الجزاء اللتين أثارتا الكثير من علامات الاستفهام بعد عدم رجوع حكام المباراتين إلى الشاشة رغم أن ركلات الجزاء تُعد من صميم الحالات الأربع الأساسية التي تدخل ضمن اختصاص تقنية الفار.

وهنا يبرز السؤال الأهم

هل الرجوع إلى تقنية الفيديو واجب قانوني لا يقبل الاجتهاد؟ أم أنه يدخل ضمن السلطة التقديرية للحكم وحكام غرفة الفار؟

وفقاً لفلسفة الاتحاد الدولي لكرة القدم الاتحاد الدولي لكرة القدم، فإن تقنية الفار لم تُستحدث لإدارة المباراة بدلاً عن الحكم، بل لتصحيح “الأخطاء الواضحة والصريحة” فقط، ضمن قاعدة شهيرة تقوم على “الحد الأدنى من التدخل والحد الأقصى من الفائدة”.

ولهذا فإن تدخل الفار يكون إلزامياً في أربع حالات رئيسية فقط:

صحة الأهداف وما يسبقها من تسلل أو مخالفة.

ركلات الجزاء وقرارات احتسابها أو إلغائها.

الاخطاء الحاسمة

البطاقات الحمراء المباشرة الخطأ في تحديد هوية اللاعب المعاقب.

لكن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في وجود النص القانوني، بل في تفسيره وتطبيقه داخل الملعب.

فالحكم يبقى صاحب القرار النهائي، وحتى مع وجود الفيديو، فإن تقدير “وضوح الخطأ” يظل خاضعاً لاجتهاده الشخصي، وهو ما يفسر اختلاف القرارات من مباراة إلى أخرى، بل وأحياناً داخل المباراة الواحدة نفسها.

في بعض الحالات يرى حكم الساحة أن اللقطة لا تستحق المراجعة لأنه واثق من زاوية رؤيته، بينما يرى الجمهور أو المحللون أن الحالة تستوجب الرجوع إلى الشاشة فوراً. وهنا تبدأ أزمة الثقة، لا بسبب التقنية نفسها، بل بسبب تفاوت معايير استخدامها.

تقنية الفار

لقد جاءت تقنية الفار لتحقيق العدالة وتقليل الأخطاء القاتلة، ونجحت بالفعل في حسم العديد من الحالات المستحيلة على العين البشرية، سواء في التسللات الدقيقة أو عبور الكرة لخط المرمى أو المخالفات الخفية.

إلا أن هذه التقنية، في المقابل، سلبت كرة القدم جزءاً من عفويتها ومتعتها التاريخية. فالمشجع الذي كان يحتفل بالهدف فور هز الشباك، أصبح يؤجل فرحته بانتظار قرار غرفة الفار.

واللاعب الذي كان يركض محتفلاً بهدفه، بات يلتفت إلى الحكم مترقباً احتمال إلغائه.

أما الحكم نفسه، فقد دخل في مرحلة جديدة أصبح فيها تحت رقابة إلكترونية دائمة، ما انعكس أحياناً على شخصيته وهيبته داخل المستطيل الأخضر.

ومع تكرار الجدل، بدأت أصوات كثيرة تطالب بإعادة صياغة العلاقة بين الحكم وتقنية الفيديو، خصوصاً بعد ظهور حالات متشابهة يتم التعامل معها بطرق مختلفة، الأمر الذي يفتح أبواب الاتهامات والانحياز وسوء التقدير.

ومن هنا برزت مقترحات عديدة لعقلنة استخدام الفار، أبرزها فكرة “طلب الفار”، بحيث يُمنح كل فريق عدداً محدداً من طلبات مراجعة اللقطات أثناء المباراة، على غرار بعض الرياضات العالمية، بما يقلل من السلطة التقديرية المطلقة للحكم، ويمنح الأطراف شعوراً أكبر بالعدالة والشفافية.

و أن من أهم المقترحات أيضاً أن تكون مراجعة الحكم للحالات عبر الشاشة بشكل علني وواضح أمام الجماهير، مع عرض اللقطات على الشاشات العملاقة والقنوات الناقلة، حتى يشعر الجميع أن القرار يتم أمام أعينهم لا خلف أبواب مغلقة داخل غرفة تقنية مجهولة التفاصيل.

ورغم كل الملاحظات والانتقادات، تبقى تقنية الفار تجربة تكنولوجية غيّرت وجه كرة القدم الحديثة، وأثبتت قدرتها على إنقاذ المباريات من أخطاء قاتلة، لكنها في الوقت ذاته ما زالت بحاجة إلى تطوير قانوني وفلسفة أكثر وضوحاً في التطبيق.

فالمشكلة ليست دائماً في الفار، بل أحياناً في طريقة استخدامه.

وعندما يغيب الوضوح في توقيت الرجوع إلى الشاشة، يصبح الجدل أكبر من القرار نفسه، وتتحول التقنية التي وُجدت لتحقيق العدالة إلى مصدر دائم للشك والاحتقان.

وبين عدالة القرار ومتعة الكرة، يبقى التحدي الحقيقي أمام الاتحاد الدولي لكرة القدم هو الوصول إلى صيغة تجعل التقنية خادمة لكرة القدم، لا أن تتحول إلى بطل المباراة الأول.