الشلل لم يثن جواد عن مواصلة الإبداع

الشلل لم يثن جواد عن مواصلة الإبداع

جواد الرميثي

لم يكن المرض الذي أقعد الفنان الراحل يحيى جواد عام 1967 نهاية لمسيرته ، بل تحوّل إلى محطة اختبار لإرادته الصلبة ، حيث واصل عطاؤه الفني بإصرار لافت ، مؤكداً أن الإبداع لا تحدّه العوائق الجسدية . فقد ظل يعمل من منزله ، منتجاً أعمالاً فنية وأدبية أغنت المشهد الثقافي العراقي ، وأضافت اسمه إلى قائمة المبدعين الذين نالوا تقدير الدولة وتكريمها .

وُلد جواد عام 1928 في محلة باب السيف في جانب الكرخ من بغداد ، ونشأ في بيئة شعبية غنية بالمجالس الأدبية التي أسهمت في تشكيل وعيه الثقافي المبكر .

 نشر أولى قصصه القصيرة عام 1946 بعنوان «أحياء وأموات»، ثم افتتح عام 1947 أول استوديو خاص به للخط والرسم والنحت والتصميم في منطقة الكريمات ، مدخل شارع الشواكة ( بناية وزارة العدل حاليا ) .

رغم إصابته بمرض عضال أقعده عن العمل في الاستوديو لاحقاً ، فقد واصل نشاطه الفني من داخل منزله ، مشاركاً في عدد من المعارض التشكيلية ، من بينها معرض نادي المنصور عام 1956 ، والمعرض السنوي لدائرة الفنون التشكيلية عام 1978. كما أصدر عام 1987 مجموعته القصصية «الرعب والرجال»، التي ضمت خمس قصص ، وأنتج له تلفزيون بغداد فيلماً وثائقياً بعنوان «حكاية للمدن».

تميّز الراحل بتعدد مواهبه ، إذ كان خطاطاً بارعاً على المرمر والخشب ، ومصمماً لأغلفة الكتب والمجلات ، إلى جانب كونه نحاتاً ورسّاماً وقاصاً . وقد شكّل دكانه الصغير في منطقة الصالحية ملتقى للمثقفين من شعراء وفنانين وكتّاب ، قبل أن ينعزل لاحقاً في غرفته التي تحولت إلى مرسم ومكتبة في آنٍ واحد .

ورغم معاناته الجسدية ، استطاع يحيى جواد أن يبدع مستخدماً ثلاثة أصابع فقط ، معتمداً على إرادة استثنائية وذهن متقد .

 عُرف بين أقرانه بلقب «يحيى الخطاط»، وبرز اسمه في مجال النحت منذ أواخر الأربعينات وبدايات الخمسينيات ، في فترة كان فيها هذا الفن محدود الحضور داخل العراق .

رحل يحيى جواد عام 1984 بعد مسيرة حافلة بالعطاء ، تاركاً إرثاً فنياً وأدبياً يعكس قوة الإنسان حين يتسلح بالإرادة ، وسيبقى مثالاً مضيئاً للفنان الذي لم يستسلم للظروف ، بل حوّلها إلى دافع لمزيد من الإبداع .