
في الذكرى السنوية لعيد العمّال
هل يعرف المنتجون حقوقهم؟ – علي حجارة
لا يخفى عيدهم لمن يحتفل به، ولايغيب عن بال طبقة واسعة من المجتمع (لاسيما من ينتظر عطلة رسمية إثره !!) ما لعيد العمّال من أهمية ثقافية واجتماعية تتجاوز في مضمونها استذكار فئة واسعة وفاعلة من فئات الشعب .. وعليه وبعيداً عن مديح سواعدهم المفتولة وعرق جبينهم الطاهر، نقتنص الفرصة في مقالٍ مطوّل لأن نكون واقعيين مع هذه الفئة، بدل تشجيعهم بمديح لا يُغني ولايُشبع في زمن الكلام المعسول على حساب الحقوق المغبونة، وتأكيداً على مبدأ (علمني كيف أصطاد بدل إعطائي سمكة)، سنعرض ثلاث مسائل لها من الأهمية ما لايُمكن التغاضي عنها من العامل في العراق، والتي أجد من الصعوبة (تناقضاً في الوقت ذاته) أن يطلّع عليها لأنه ببساطة (حاير بالخبزة) وليس لديه الوقت كي يقرأ، لكن لعل وعسى أن يقع هذا المقال المطول بيد الحقوقي والإعلامي والمهندس والطبيب وموظف الدولة، كي يُساهموا في مد يد العون لتثبيت حقوق العامل بدل التصدق عليه بالمجاملات أو تقديم النسب الضئيلة من المساهمات حال مراجعته إياهم .. ودون إكثار في الكلام، نعود إلى المسائل الثلاث التي يجب على العامل أن يطّلع عليها :
بالونات النقابة
أن تكون عاملاً ضمن مجموعة حِرفية ما فمن المفترض أن انضمامك (كما يحصل في باقي بلدان العالم) إلى نقابة تمثلك و تقف سنداً للأخذ بحقوقك، ولكن للأسف فأغلب النقابات الفاعلة ترتبط بالمهن ذات نسب الدخل العالية أو التي تتصل بشكلٍ من الأشكال بالسلطة داخل هذا البلد كنقابة الأطباء أو الحقوقيين، بعيداً عن العامل البسيط، ولايوجد نقابة لممتهني الحِرف أو ممن يعملون ضمن فرق شعبية توكل لها أعمال ترتبط بمقاول أو شركة تنفيذية، هل سمعتم مثلاً عن نقابة النجّارين أو نقابلة الصبّاغين؟!، بالطبع لا، لكن هذه الحِرف والأعمال تنضوي تحت مظلة الاتحاد العام لنقابات العمّال، التي من المفترض أن يجتمع لديها من يُمثل الفئات السابقة، بما يُفعّل دورها، لكن ولأن مؤسساتنا تسير وفق مبدأ (يا مستعجل عطلك الله) فهذه النقابة تبرز وتظهر وتصحو من سباتها في المناسبات لا في المواقف التي تستدعي مد يد العون للطبقة الأفقر في العراق، ولو دخلت إلى صفحتها الرسمية ستجد أن آخر تحديث لنشاطاتها الواقعية بعد صدور هذا المقال هو 2024، أما إن زرت صفحة النقابة على الفيس بوك فستجد أن أغلب النشاطات تقع في جانبٍ استعراضي لايمت للدور الحقيقي الذي من المفترض أن يتصل بالواقع، فهناك زيارات لرئيس النقابة وهناك توزيع هدايا وهناك مسؤول تدعو له النقابة بالشفاء من وعكة صحية وكل ما سلف يرتبط بصور مُكثفة لموظفين بعينهم، لايسع المقال لتشخيصهم بقدر الاستغراب مما كان يجب أن تُفعّله تلك المؤسسة على صفحاتها كأرقام الاستشارات وعرض الحقوق التي يجب أن يعرفها العامل أو على الأقل بيان النسب أو الإحصاءات التي ترتبط بأنواع الحرف وانتشارها كي يطّلع عليها المختصون بدل البالونات والصور المزوّقة .. وربما هنا المسألة تتصل بضعف الوعي الإعلامي وأن هناك أدواراً أخرى للنقابة غير استعراض زيارات وزير العمل!!، لكنها والحق يُقال لم تُبين ذلك ضمن ما يُمثلها إعلامياً، أو ما يرتبط بأرض الواقع .. فلم نرَ (على سبيل المثال لا الحصر) أي رد فعلٍ منها يوم تمت مساومة الكثير من العمال على أصواتهم الانتخابية من المستثمرين المشاركين في الانتخابات الأخيرة، ولم نر رد فعلٍ منها مع حملات رفع أجور العاملين، أو اعتراضها على غزو اليد العاملة الرخيصة من الدول الأخرى، كما لم نر تركيزاً على بعض نصوص قانون العمل العراقي التي يجب أن تكون مشاعة ومعروفة للكل دون استثناء على صفحتها، خذ على سبيل المثال المادة العاشرة من القانون التي تنص على « يحظر هذا القانون التحرش الجنسي في الاستخدام و المهنة سواء كان على صعيد البحث عن العمل أو التدريب المهني أو التشغيل أو شروط و ظروف العمل» فهل تم بيان إحصاءات أو كشف إجراءات النقابة التي تتعلق بفحوى القانون وعرضها على الجمهور، أم أن الواقع معروف ولا يحتاج لبيان نسب برأي النقابة ؟.
ربح المستثمر
من المهم أن يعرف العامل (إن نسي ذلك) بأن المستثمر (أياً كانت طبيعة الاستثمار) يتحكم، لا بالمؤسسة التي يمتلكها فقط، ولكن بشكل السوق وتأثيره على العامل البسيط، واختصاراً لمجلد كامل عن الاختراقات والانتهاكات التي تؤثر على العامل بسبب جشع المستثمر، وتجاوزاً لقضايا انتهاك أوقات العمل ولعدم الإتيان بشيء جديد فيما يتصل بالمواقف غير الأخلاقية التي تواجهها المرأة العاملة التي يكون المستثمر سبباً لها وفق سوء إدارته، فسنركز على مسألة العمالة الأجنبية التي (يغرف) المستثمر منها أرباحاً خيالية بواقع الأجور المتدنية للعامل الأجنبي لاسيما الحرفيون والعاملون في مواد البناء المقبلون من الدول ذات الأزمات السياسية، فقد أصبح استقدام هؤلاء وبالاً حقيقياً بأجورهم المنخفضة وساعات عملهم التي لاتنتهي واحتلالهم لسوق عمل كانت الطبقة الفقيرة من عاملي العراق تلتجئ إليها هرباً من احتلال الآسيويين لعمالة الخدمة في المطاعم والمشاريع المتوسطة، وكل ذلك بسبب مستثمر لايأبه، بل يتجاوز قرار مجلس الوزراء العراقي لعام 2024 المطبق لأحكام قانون العمل رقم 37 لسنة 2015، والذي يؤكد على إلزام المشاريع بتشغيل 80 بالمئة عمالة عراقية كحد أدنى، سعياً لأن يملأ هذا المستثمر مشاريعه بالـ (حار، مكسب، رخيص).
كعادة المستثمر أو صاحب أي مشروع في هذا السياق الاعتراض على طبيعة العامل العراقي بأنه مزاجي أو متململ، لكن في المقابل من غير المعقول أن لايتم توفير نظام الإجازات المرن والتأمين الصحي الذي يرتبط بوزارة العمل وإجراءات السلامة الحقيقية وأجور النقل المُقرة من المشرع العراقي، ثم تطالب العامل أن لايكون مزاجياً.
ولو شئنا أن نكون واقعيين فالعامل غير مزاجي بقدر كون أفعاله نتاج ضغط غير محدود من المستثمر أياً كان نوع الاستثمار.
الوزارة وقلّة الوعي
في قانون وزارة العمل المُقر من مجلس النواب أحد عشر نقطة تُبين المهام الرئيسة التي تضطلع بها هذه الوزارة، من الممكن الاطلاع عليها إلكترونياً، وللأسف فالعارف بأحوال عمّال الطبقة الفقيرة وشبه المتوسطة في العراق لن يجد لدى الغالبية منهم وعياً كافياً بما تعمـــل عليه الوزارة لتفعيل تلك النقاط، ولن نستطيع هنا (ضمن حدود المقال) مناقشتها وتحليلها جميعاً من التي نجحت الوزارة بتفعيلها من عدمه، لكننا سنكتفي بنقطتين، الأولى هي النقطة الرابعة التي تنص على (تأمين الضمان الاجتماعي لجميع العمال) إذ خصصت الوزارة تطبيقاً إلكترونياً باسم (ضمان) لجمع البيانات الكافية للعامل سعياً لتثبيته ضمن شبكتها، وهو متوفر على الهواتف، أما النقطة الخامسة التي تنص على (تعميق الوعي الخاص بالسلامة المهنية في مجال العمل بما يكفل حماية العامل من الأمراض المهنية وحوادث وإصابات العمل) فكلنا نعلم بأن هناك قصوراً من هذه الناحية بين العاملين، إذ من المفترض تكثيف عمل لجان الوزارة لمتابعة المعامل وشركات البناء سعياً لتطبيق شروط السلامة وإشاعة تفاصيلها، فأغلب المعامل، لاسيما التي تتمركز في أطراف بغداد وفي داخل المناطق الشعبية لاتلتزم ولو بجزئية بسيطة من هذه الشروط، وعدا هذا فالتجمّعات العمّالية التي تقف قرب محال الإنشائية وشركات البناء لاتعرف من حقوقها سوى الأجر الذي تتقاضاه بعد يوم عمل طويل في أحد المنازل لإصلاح ماسورة أو عملية ترميم، ولاتعي أي شيء يرتبط بإجراءات السلامة أو أي ضمانات أخرى.
ختاماً، لايسعنا هنا سوى الإشارة إلى أن المسائل الثلاثة المرتبطة بالنقابة، المستثمر، الوزارة، تعكس أدوار الجهات التي يجب أن تثبّت حقوق العامل، فهي المسؤولة عن الإجراءات التي تكفل كرامته، أو على الأقل استمراره بالعمل وفق ظروف طبيعية، وهو ما يأمله لا العامل فقط بل كل فرد من أفراد مجتمع لايتم يومه بشكل طبيعي لولا اليد التي تقدم له خدمات تدفع إلى تطوره .. يد العامل البطل ومن غيره.























