
الإنطباع الأول ليس دائماً هو الحقيقة – هدير الجبوري
نلتقي في حياتنا بأشخاص عرفنا أصواتهم وصورهم قبل رؤيتهم ، وقرأنا أرواحهم قبل أن نقرأ وجوههم. نتحدث إليهم طويلا، نتبادل معهم الكلمات ومعها بعض الألفة، ثم يأتي اليوم الذي يحدث فيه اللقاء الأول وجها لوجه، ذلك اللقاء الذي يحمل في داخله رهبة خفية وأسئلة كثيرة لا تقال.
فالإنسان في تلك اللحظة لا يأتي دائما في أفضل حالاته.
قد يصل مرهقا، مثقلا بالقلق، أو عابراً ظرفاً أطفأ شيئا من بريقه.
ربما لم يمنحه الوقت فرصة للاهتمام بمظهره، أو ترك التعب أثره على وجهه، أو خذله مزاجه في أكثر اللحظات حساسية.
ومع ذلك، يقف أمام الآخر تحت سلطة الانطباع الأول، ذلك الحكم السريع الذي يصدر أحيانا بلا رحمة.
والمرأة، بما تمتلكه من حدس عال وذكاء عاطفي، تستطيع أن تقرأ ما خفي في العيون.
تميز من نظرة عابرة إن كانت قد تركت أثرا جميلا، أو إن كان المقابل قد فوجئ بصورة لم تشبه ما رسمه في خياله.
تدرك من نبرة صوته إن كان معجباً حقاً، أو يحاول إخفاء خيبة خلف كلمات مهذبة.
فالعيون كثيرا ما تقول ما تعجز المجاملة عن ستره.
وأحيانا يكون الوجع في التفاصيل الصغيرة؛ حين تشعر المرأة أن من التقاها للمرة الأولى لم يمنحها نظرة حقيقية، وأنه كان يشيح ببصره عنها، منشغلا بالنظر إلى شيء آخر، كأنه يهرب من مواجهتها أو يتجنب تأملها.
لحظة كهذه قد تمر على الطرف الآخر عابرة، لكنها تترك في داخلها إحساساً جارحاً ، وتوقظ ألما صامتا لا يراه أحد.
فهي لا تفسر الأمر على أنه شرود عابر، بل قد تراه رسالة خفية بعدم القبول أو الاكتراث. وقد يحدث أن يكون الخيال قد بالغ في رسم الصورة، أو أن التوقعات صنعت هيئة غير موجودة أصلا، فيأتي الواقع مختلفا، لا لأنه سيئ، بل لأنه حقيقي فقط. هنا تبدأ خيبة بعض الناس، لا من الشخص نفسه، بل من الصورة التي اخترعوها عنه في أذهانهم.
لكن الإنصاف يقتضي أن نعترف بأن الانطباع الأول ليس دائما الحقيقة، بل قد يكون أكثر الأحكام ظلماً لأنه يبنى على لحظة عابرة، وعلى هيئة مؤقتة، وعلى مزاج لا يدوم، وعلى ظروف لا نعرف عنها شيئا.
كم من شخص لم يلفت انتباهنا أول مرة، ثم أصبح لاحقاً من أجمل من عرفناهم روحاً وحضوراً. وكم من شخص أبهرنا في اللقاء الأول، ثم اكتشفنا أن البريق كان سطحاً فقط. الحياة أوسع من لحظة أولى، والناس أعمق من نظرة عابرة. لذلك لا تظلم أحداً لمجرد أنك لم تعجب به في اللقاء الأول، فقد تكون رأيت تعبه لا حقيقته، وملامحه المتعبة لا روحه، وصمته المؤقت لا شخصيته. امنح الآخرين فرصة ثانية، ففي كثير من الأحيان يبدأ الجمال الحقيقي بعد زوال رهبة اللقاء الأول.























