لسنا متأخرين .. نحن في توقيتنا الخاص – دعاء يوسف

لسنا متأخرين .. نحن في توقيتنا الخاص – دعاء يوسف

لكل شيء أوان.” حكمة قديمة تتكرر في ثقافات مختلفة، وتعود جذورها إلى تصورات عميقة عن الزمن والإنسان، كما نجدها في نصوص مثل سفر الجامعة، حيث يُقال إن لكل أمر تحت السماء وقتًا محددًا. هذه الفكرة، رغم بساطتها، تصطدم يوميًا بإحساس داخلي مختلف تمامًا: شعور دائم بأننا متأخرون.

يتسلل هذا الشعور بهدوء، عبر المقارنات غير المعلنة، عبر مراقبة الآخرين، عبر جمل عابرة من قبيل “كان يجب أن…” أو “لو أنني بدأت مبكرًا…”. يتحول الزمن من مساحة نعيش فيها، إلى مقياس نحاسب به أنفسنا. عندها، لا يعود السؤال: ماذا أريد؟ بل: لماذا لم أصل بعد؟

لكن الحقيقة التي يغفلها كثيرون أن الزمن ليس سباقًا موحدًا. لا توجد نقطة انطلاق واحدة، ولا خط نهاية متطابق للجميع. كل تجربة إنسانية تُبنى على ظروف مختلفة، اختيارات مختلفة، وحتى تأخيرات تبدو عشوائية، لكنها غالبًا ما تعيد تشكيل المسار بطريقة لا يمكن توقعها.

الشعور بالتأخر لا يأتي من الواقع بقدر ما يأتي من الصورة التي نرسمها له. نحدد أعمارًا للنجاح، مواعيد للحب، توقيتات للإنجاز، وكأن الحياة جدول زمني يجب الالتزام به. وعندما لا تتطابق حياتنا مع هذا الجدول، نُفسر ذلك كفشل، لا كاختلاف.

غير أن بعض التأخيرات ليست تأخرًا أصلًا، بل نضجًا يحدث في وقته. أشياء كثيرة لا يمكن أن تُفهم أو تُنجز قبل أن نمر بتجارب معينة، قبل أن تتغير رؤيتنا، قبل أن نصبح مستعدين نفسيًا لما نطلبه. ما يبدو تأخرًا من الخارج، قد يكون انسجامًا دقيقًا في الداخل.

في المقابل، لا يعني الإيمان “بالتوقيت الخاص” تبرير الجمود أو الهروب من المسؤولية. الفرق دقيق بين من ينتظر لأن الوقت لم يحن بعد، ومن يؤجل لأنه يخشى المحاولة. التوقيت ليس عذرًا، بل وعيٌ باللحظة المناسبة، واستعداد لها عندما تأتي.

ما يحتاجه الإنسان ليس سباقًا أسرع، بل فهمًا أعمق لمساره. أن يدرك أن المقارنة تختزل التجارب، وأن لكل طريق إيقاعه الخاص، وأن ما يحدث في حياته ليس دائمًا متأخرًا، بل مختلف.

في النهاية، ربما لا يكون السؤال: لماذا تأخرنا؟

بل: هل نحن مستعدون فعلًا لما نعتقد أننا تأخرنا عنه؟