الوفاء‭ ‬رسالة-أياد العناز

الوفاء‭ ‬شيمة‭ ‬الكرام،‭ ‬والغدر‭ ‬صفة‭ ‬اللئام‭.. ‬مَن‭ ‬لا‭ ‬وفاء‭ ‬له‭ ‬لا‭ ‬دين‭ ‬له‭…‬
‭ ‬تلك‭ ‬كلمات‭ ‬مأثورة‭ ‬تداولها‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬سيرهم‭ ‬وكتبهم‭ ‬منذ‭ ‬مئات‭ ‬السنين‭ ‬وعبرت‭ ‬عن‭ ‬تجارب‭ ‬عميقة‭ ‬خاضوها‭ ‬واستخلصوا‭ ‬منها‭ ‬الدروس،‭ ‬وكان‭ ‬الامام‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬ابي‭ ‬طالب‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭  ‬يقول‭ ‬الوفاء‭ ‬توأم‭ ‬الصدق‭ .‬

وقال جبران‭ ‬خليل‭ ‬جبران‭:‬

الوفاء‭ ‬في‭ ‬المحبة‭ ‬لا‭ ‬يُقاس‭ ‬بالكلام،‭ ‬بل‭ ‬بالأفعال‭.‬

تمر‭ ‬الشعوب‭ ‬الحرة‭ ‬بمنعطفات‭ ‬انسانية‭ ‬مؤثرة‭ ‬وبمخاضات‭ ‬عسيرة‮ ‬‭ ‬وأحداث‭ ‬مؤلمة،‭ ‬تلقى‭ ‬بظلالها‭ ‬على‭ ‬مجمل‭ ‬الأوضاع‭ ‬السياسية‮ ‬‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬وتحاكي‭ ‬بتلقائية‭ ‬وجدانية‭ ‬صادقة‭ ‬حقيقة‭ ‬التكاتف‭ ‬والتعاضد‮ ‬‭ ‬والثبات‭ ‬على‭ ‬القيم‭ ‬والمبادئ‭ ‬والأخلاق‭ ‬الحميدة‭ ‬والسلوك‭ ‬المجتمعي‭ ‬الرفيع‭.‬

ويبقى‭ ‬الوفاء‭ ‬من‭ ‬اسمى‭ ‬القيم‭ ‬الإنسانية‭ ‬والثوابت‭ ‬الصادقة‭ ‬التي‭ ‬تؤكد‭ ‬الانتماء‭ ‬الحقيقي‭ ‬للنفس‭ ‬النقية‭ ‬بنبل‭ ‬مواقفها‭ ‬وطيب‭ ‬أخلاقها،‭ ‬الذي‭ ‬يمنحها‭ ‬العمق‭ ‬الفكري‭ ‬والإنساني‭ ‬في‭ ‬استمرارية‭ ‬البذل‭ ‬والعطاء‭ ‬والالتزام‭ ‬بالعهود‭ ‬وعدم‭ ‬تغيير‭ ‬المواقف‮ ‬‭ ‬بتعاقب‭ ‬الأحداث‭ ‬وتغيير‭ ‬الظروف،‭ ‬بل‭ ‬تبقى‭ ‬النفس‭ ‬الزكية‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬اوقات‭ ‬المحن‭ ‬والشدة‭.‬

لا‭ ‬قيمة‭ ‬للكلمات‭ ‬اذا‭ ‬لم‭ ‬تقرن‭ ‬بالأفعال،‭ ‬ودرجة‭ ‬الوفاء‭ ‬وعلوها‭ ‬بقيمة‭ ‬أفعال‭ ‬صاحبها‭ ‬واصالته‭ ‬وثبات‭ ‬قيمه‭ ‬التي‭ ‬تبرز‭ ‬معدنه‭ ‬الاصيل‭ ‬في‭ ‬المواقف‭ ‬الصعبة‭ ‬واخلاصه‭ ‬ومحبته‭ ‬التي‭ ‬نشأ‭ ‬وتربى‭ ‬عليها‭ ‬خلاف‭ ‬المصالح‭ ‬الفئوية‭ ‬والمنافع‭ ‬الشخصية‭.‬

لا‭ ‬يمكن‭ ‬للإنسان‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬كريم‭ ‬النفس‭ ‬عفيف‭ ‬اليد‭ ‬صادق‭ ‬العهد،‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬نفسه‭ ‬وفية‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬الوعي‭ ‬والادراك،‭ ‬متمسكة‭ ‬بالقيم‭ ‬الايمانية‮ ‬‭ ‬والاختيار‭ ‬الصحيح،‭ ‬لا‭ ‬تضعف‭ ‬أمام‭ ‬مغريات‭ ‬السلطة‭ ‬والمال‭ ‬بل‭ ‬تبقى‭ ‬ثابتة‭ ‬على‭ ‬أصولها‭ ‬حافظة‭ ‬لتاريخها‭ ‬متمسكة‭ ‬بعهودها‭.‬‮ ‬

تمر‭ ‬المجتمعات‭ ‬بعتمات‭ ‬وعثرات،‭ ‬ولكن‭ ‬يبقى‭ ‬الوفاء‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬رؤية‭ ‬النور‭ ‬الذي‭ ‬ينبثق‭ ‬من‭ ‬النفس‭ ‬المطمئنة‭ ‬التي‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬الوفاء‭ ‬والثبات‭ ‬اختيار‭ ‬واعٍ‭ ‬يسعى‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬تاريخ‭ ‬إنساني‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يمحو‭ ‬بسبب‭ ‬ارهاصات‭ ‬مجتمعية‭ ‬زائلة‭ ‬وأحداث‭ ‬آنية‭ ‬بل‭ ‬يبقى‭ ‬نوره‭ ‬ساطعًا‭ ‬في‭ ‬جنبات‭ ‬الحياة‭.‬‮ ‬

الوفاء‭ ‬والطيب،‭ ‬ألا‭ ‬ننسى‭ ‬من‭ ‬زرعوا‭ ‬فينا‭ ‬آثارًا‭ ‬عميقة‭ ‬ونستحضر‭ ‬مواقفهم‭ ‬النبيلة‭ ‬وكلماتهم‭ ‬الصادقة‭ ‬وافعالهم‭ ‬القيمة‭ ‬لتبقى‮ ‬‭ ‬شموس‭ ‬فضائلهم‭ ‬ساطعة‭ ‬مهما‭ ‬اشتدت‭ ‬الظروف‭ ‬وعظمت‭ ‬الاهوال،‭ ‬والوفاء‭ ‬ليس‭ ‬ثقل‭ ‬في‭ ‬المنة‭ ‬والعطاء،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬سمو‭ ‬في‭ ‬الفهم‭ ‬وعمق‭ ‬للإدراك‭ ‬الإنساني‭ ‬الصادق‭.‬‮ ‬

الوفاء‭ ‬مسؤولية‭ ‬ووعي‭ ‬ورسالة‭ ‬وأمانة‭ ‬يحتضنها‭ ‬ويحرص‭ ‬عليها‭ ‬الإنسان‭ ‬القويم‭ ‬خلقًا‭ ‬والراقي‭ ‬سلوكًا‭ ‬والثابت‭ ‬قولًا‭.‬‮ ‬

الوفاء‭ ‬الصادق‭ ‬ليس‭ ‬كلمات‭ ‬تذروها‭ ‬الرياح،‭ ‬بل‭ ‬بصمات‭ ‬في‭ ‬نفوسنا‭ ‬وأرواحنا‭ ‬وعقولنا‭ ‬ثابتة‭ ‬على‭ ‬جدران‭ ‬الأزمنة،‭ ‬من‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يكتبها‭ ‬فليغمس‭ ‬قلمه‭ ‬في‭ ‬مخبرة‭ ‬الانتماء‭ ‬الحقيقي‭ ‬وليجعل‭ ‬من‭ ‬حروفه‭ ‬جسراً‭ ‬لقول‭ ‬الحق‭ ‬ومن‭ ‬كلماته‭ ‬مسارًا‭ ‬للفضيلة‭ ‬والقيم‭ ‬العليا‭.‬

اياد‭ ‬العناز