تطواف‭ ‬الغريب‭ ‬‭(‬17‭)‬- حسن النواب

وقفتُ‭ ‬أمام‭ ‬موج‭ ‬البحر‭ ‬أحدَّثهُ؛‭ ‬ومن‭ ‬ذاكرتي‭ ‬يفيضُ‭ ‬موج‭ ‬بحيرة‭ ‬الرزَّازة‭ ‬وطقوس‭ ‬جلسات‭ ‬الليل‭ ‬عند‭ ‬ضفافها‭ ‬حتى‭ ‬شهقة‭ ‬الفجر؛‭ ‬مع‭ ‬رنة‭ ‬آلة‭ ‬العود‭ ‬للفنان‭ ‬إياد‭ ‬زيني‭ ‬وصوت‭ ‬المغني‭ ‬سعد‭ ‬الكربلائي‭ ‬وتعليقات‭ ‬عاشق‭ ‬الأدباء‭ ‬والفنانين‭ ‬تركي‭ ‬المطيري،‭ ‬وسيارة‭ ‬القاص‭ ‬علي‭ ‬حسين‭ ‬عبيد‭ ‬الهرمة،‭ ‬مع‭ ‬القصائد‭ ‬الشعبية‭ ‬للشاعر‭ ‬عودة‭ ‬ضاحي‭ ‬التميمي‭ ‬وإيقاعات‭ ‬الطبل‭ ‬للفتى‭ ‬ماجد‭ ‬التي‭ ‬يعشقها‭ ‬المسرحي‭ ‬علي‭ ‬الشباني‭ ‬مع‭ ‬حسرات‭ ‬علي‭ ‬النواب،‭ ‬تذكرت‭ ‬رحلتنا‭ ‬الليلية‭ ‬إِلى‭ ‬بحيرة‭ ‬الرزازة‭ ‬يوم‭ ‬أخذنا‭ ‬الشاعر‭ ‬خزعل‭ ‬الماجدي‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬أمسيته‭ ‬الشعرية‭ ‬في‭ ‬منتدى‭ ‬الأدباء‭ ‬الشباب‭ ‬إِلى‭ ‬موجها‭ ‬الحزين‭ ‬وهو‭ ‬يستمع‭ ‬إِلى‭ ‬أنشودة‭ ‬كربلائية‭ ‬هتفنا‭ ‬بها‭ ‬جميعاً‭.. ‬الماء‭ ‬والهواء‭ ‬والحب‭ ‬كربلاء،‭ ‬تلك‭ ‬الأنشودة‭ ‬التي‭ ‬كتب‭ ‬كلماتها‭ ‬الصديق‭ ‬محمد‭ ‬عبد‭ ‬فيحان؛‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬لحم‭ ‬الغنم‭ ‬يشوى‭ ‬على‭ ‬جمر‭ ‬أعددناه‭ ‬من‭ ‬صناديق‭ ‬العتاد‭ ‬الفارغة‭ ‬التي‭ ‬تركها‭ ‬الجنود‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أشبعوا‭ ‬المدينة‭ ‬بالقنابل‭ ‬من‭ ‬مدافعهم‭ ‬في‭ ‬انتفاضة‭ ‬شعبان،‭ ‬وقفت‭ ‬أمام‭ ‬البحر‭ ‬هنا‭ ‬في‭ ‬أستراليا‭ ‬ومدرار‭ ‬دمعي‭ ‬يكاد‭ ‬ينافس‭ ‬هدير‭ ‬الموج‭ ‬الذي‭ ‬يلامس‭ ‬أصابعي‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬ترتعش‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الذكريات‭ ‬التي‭ ‬لن‭ ‬تعود‭. ‬كان‭ ‬البحر‭ ‬ساعة‭ ‬ظهيرة‭ ‬يشبه‭ ‬جلد‭ ‬حيوان‭ ‬خرافي‭ ‬تلمعُ‭ ‬أصدافه‭ ‬مع‭ ‬أشعة‭ ‬الشمس‭ ‬وحشود‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬العراة‭ ‬يتوسدون‭ ‬رمله‭ ‬الدافئ،‭ ‬قلت‭ ‬له‭ ‬أيها‭ ‬البحر‭ ‬كم‭ ‬يا‭ ‬ترى‭ ‬من‭ ‬الغرقى‭ ‬الآن‭ ‬يستغيثون‭ ‬بلا‭ ‬أمل‭ ‬في‭ ‬أعماقك‭ ‬السحيقة؟‭ ‬وكم‭ ‬من‭ ‬الحيوانات‭ ‬المائية‭ ‬تعوم‭ ‬في‭ ‬تخوم‭ ‬مساربك‭ ‬العميقة؟‭ ‬وكم‭ ‬من‭ ‬الأعشاب‭ ‬المائية‭ ‬التي‭ ‬تتراقص‭ ‬بنشوة‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬زفرة‭ ‬ريح‭ ‬من‭ ‬الطبيعة؟‭ ‬لكنك‭ ‬أيها‭ ‬البحر‭ ‬برغم‭ ‬كل‭ ‬قسوتك‭ ‬وجبروتك‭ ‬وغضبك‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬قاسياً‭ ‬مثل‭ ‬مفخخة‭ ‬تنفجر‭ ‬قرب‭ ‬مسجد‭ ‬أو‭ ‬شارع‭ ‬أو‭ ‬بناية‭ ‬حكومية‭ ‬في‭ ‬بلادي،‭ ‬أيها‭ ‬البحر‭ ‬لقد‭ ‬كتب‭ ‬عنك‭ ‬أرنست‭ ‬هيمنجواي‭ ‬أجمل‭ ‬رواياته،‭ ‬تلك‭ ‬الرواية‭ ‬التي‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬صياد‭ ‬عجوز‭ ‬يقاوم‭ ‬المصاعب‭ ‬حتى‭ ‬آخر‭ ‬رمق‭ ‬لكي‭ ‬يجيء‭ ‬بسمكة‭ ‬كبيرة‭ ‬إِلى‭ ‬ساحل‭ ‬البحر،‭ ‬برغم‭ ‬أنَّ‭ ‬الحيتان‭ ‬نهشت‭ ‬نصفها‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬الطريق‭ ‬إِلى‭ ‬اليابسة،‭ ‬وأنت‭ ‬البحر‭ ‬الذي‭ ‬كتب‭ ‬عنك‭ ‬جنكيز‭ ‬ايتما‭ ‬توف‭ ‬روايته‭ ‬الروسية‭ ‬الشيقة‭ ‬الكلب‭ ‬الراكض‭ ‬على‭ ‬حافة‭ ‬البحر،‭ ‬وآه‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الرواية‭ ‬حين‭ ‬قرر‭ ‬الجد‭ ‬العظيم‭ ‬ترك‭ ‬القارب‭ ‬ليموت‭ ‬غرقاً‭ ‬حتى‭ ‬يصل‭ ‬حفيده‭ ‬بالزورق‭ ‬المثقوب‭ ‬سالما‭ ‬إِلى‭ ‬الشاطئ،‭ ‬وأنت‭ ‬البحر‭ ‬الذي‭ ‬حاصرت‭ ‬الشاعر‭ ‬محمود‭ ‬درويش‭ ‬في‭ ‬بيروت‭ ‬فكتب‭ ‬عنك‭ ‬مديح‭ ‬الظل‭ ‬العالي،‭ ‬وأنت‭ ‬البحر‭ ‬الذي‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬أخذت‭ ‬الباء‭ ‬منك‭ ‬ووضعتها‭ ‬أمام‭ ‬الراء‭ ‬تصبح‭ ‬حربا‭ ‬؟‭! ‬أجل‭ ‬أيها‭ ‬البحر،‭ ‬ها‭ ‬هي‭ ‬العذارى‭ ‬من‭ ‬الصبايا‭ ‬تأتي‭ ‬صوبك‭ ‬بسراويل‭ ‬قصيرة‭ ‬حتى‭ ‬تشمُّ‭ ‬فحولتك؛‭ ‬بينما‭ ‬أنت‭ ‬تستنشق‭ ‬بملل‭ ‬ريعان‭ ‬أنوثتهنَّ‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تفض‭ ‬بعد،‭ ‬وها‭ ‬هم‭ ‬الرجال‭ ‬ينغمرون‭ ‬بموجك‭ ‬المالح‭ ‬حتى‭ ‬يطفئون‭ ‬اشتعال‭ ‬شهوتهم‭ ‬للنساء،‭ ‬بحر‭ ‬على‭ ‬ضفافه‭ ‬تنام‭ ‬الناس‭ ‬عراة‭ ‬إلاَّ‭ ‬من‭ ‬أحلامها،‭ ‬غير‭ ‬أنَّ‭ ‬هذا‭ ‬الكرنفال‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬بملابسهم‭ ‬الشبه‭ ‬عارية‭ ‬ليس‭ ‬بوسعه‭ ‬أنْ‭ ‬يخطف‭ ‬الأبصار‭ ‬من‭ ‬موجك‭ ‬الصاخب‭ ‬والذي‭ ‬يضرب‭ ‬بأصابع‭ ‬اللازورد‭ ‬حجر‭ ‬السواحل‭ ‬حتى‭ ‬يفيق‭ ‬من‭ ‬سكونه‭ ‬الرتيب،‭ ‬لهاث‭ ‬عجيب‭ ‬على‭ ‬سواحلك‭ ‬يحدث‭ ‬كل‭ ‬لحظة‭ ‬وشهوة‭ ‬مستباحة‭ ‬تكاد‭ ‬تصل‭ ‬إِلى‭ ‬عنان‭ ‬السماء،‭ ‬وأنت‭ ‬تبصر‭ ‬النسوة‭ ‬العاريات‭ ‬يتوسدنَّ‭ ‬رملك‭ ‬الساحلي‭ ‬لكنك‭ ‬بلا‭ ‬شهوة‭ ‬ولا‭ ‬رغبة،‭ ‬أيها‭ ‬البحر‭ ‬أعرف‭ ‬أنَّ‭ ‬نار‭ ‬جهنم‭ ‬تشتعل‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬أرخبيل‭ ‬روحك‭ ‬لكنك‭ ‬تظلُّ‭ ‬هكذا‭ ‬أبداً؛‭ ‬بحرٌ‭ ‬يتهافت‭ ‬ويتوق‭ ‬لفخاخ‭ ‬موجك‭ ‬الجميع،‭ ‬ولكن‭ ‬ليس‭ ‬بوسعك‭ ‬أنْ‭ ‬تمنح‭ ‬الظمأى‭ ‬منهم‭ ‬قطرة‭ ‬ماء‭ ‬عذبة‭. ‬لكم‭ ‬أيها‭ ‬البحر‭ ‬تشبه‭ ‬طاغية‭ ‬ملعون‭ ‬حكم‭ ‬بلادي‭ ‬لأربعين‭ ‬عاماً؛‭ ‬حتى‭ ‬شمس‭ ‬المهجر‭ ‬هنا‭ ‬قاسية‭ ‬ولا‭ ‬ترحم‭ ‬بنبال‭ ‬جمرها،‭ ‬فلقد‭ ‬داهمت‭ ‬موجة‭ ‬حر‭ ‬لا‭ ‬تطاق‭ ‬ربوع‭ ‬أستراليا‭ ‬الخضراء،‭ ‬وجعلت‭ ‬الكناغر‭ ‬تفرُّ‭ ‬من‭ ‬الغابات‭ ‬المحترقة‭ ‬وتهيم‭ ‬بالشوارع‭ ‬الظليلة‭ ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬نسمة‭ ‬برد،‭ ‬بل‭ ‬أنَّ‭ ‬موجة‭ ‬الحر‭ ‬أرغمت‭ ‬الناس‭ ‬جميعاً‭ ‬وبجميع‭ ‬أطيانهم‭ ‬ومذاهبهم‭ ‬وأعراقهم‭ ‬على‭ ‬الفرار‭ ‬زرافات‭ ‬إِلى‭ ‬حيث‭ ‬سواحل‭ ‬المحيط‭ ‬الهندي‭ ‬وأمواجه‭ ‬الهادرة،‭ ‬ولك‭ ‬أنْ‭ ‬ترى‭ ‬ذلك‭ ‬المشهد‭ ‬الأسطوري‭ ‬لفئات‭ ‬وأنماط‭ ‬البشر‭ ‬من‭ ‬جميع‭ ‬أصقاع‭ ‬العالم،‭ ‬فكما‭ ‬نعرف‭ ‬أنَّ‭ ‬أستراليا‭ ‬تضمُّ‭ ‬أقليات‭ ‬من‭ ‬جميع‭ ‬الأوطان،‭ ‬مشهد‭ ‬مثير‭ ‬ويبدو‭ ‬خُرافيَّاً‭ ‬حقاً‭..‬

يتبع‭…‬

حسن‭ ‬النواب