إيران‭ ‬والعراق‭ ‬وحرف‭ ‬الجر‭ ‬

فاتح‭ ‬عبد‭ ‬السلام

حروف‭ ‬الجر‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬العربية،‭ ‬دقيقة‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬المعاني‭ ‬المتنوعة‭ ‬بين‭ ‬السببية‭ ‬والظرفية‭ ‬والاستغراق‭ ‬والتوكيد،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬اكتراث‭ ‬اغلبية‭ ‬من‭ ‬الكتّاب‭ ‬والمتحدثين‭ ‬بتلك‭ ‬الدقة‭ ‬الواجبة‭. ‬والحرف‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬أبو‭ ‬الأسود‭ ‬الدؤلي‭ ‬–‭ ‬ت‭ ‬69‭ ‬للهجرة‭ – ‬أشهر‭ ‬مَن‭ ‬وضع‭ ‬قواعدها،‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يظهر‭ ‬معناه‭ ‬الا‭ ‬إذا‭ ‬جاء‭ ‬مع‭ ‬غيره‭.‬

‭ ‬وفي‭ ‬السياسة‭ ‬والحرب‭ ‬المشتعلة،‭ ‬برز‭ ‬حرف‭ ‬الجر‭ (‬في‭) ‬ليتصدر‭ ‬المكانة‭ ‬الاقوى‭ ‬والأخطر،‭ ‬اذ‭ ‬نرى‭ ‬في‭ ‬وضعه‭ ‬في‭ ‬الجملة‭ ‬فرقاً‭ ‬كبيراً‭ ‬عن‭ ‬المعنى‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬حذفه‭ ‬من‭ ‬الجملة‭ ‬ذاتها‭. ‬وهذه‭ ‬الجملة‭ ‬الشهيرة‭ ‬التي‭ ‬يتداولها‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬مرة،‭ ‬وتمرّ‭ ‬عليها‭ ‬التصريحات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬مرة‭ ‬أخرى،‭ ‬وتحبس‭ ‬لها‭ ‬الانفاس‭ ‬والاقدار‭ ‬والمقامات‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬عند‭ ‬ورودها‭ ‬أو‭ ‬حذفها‭ ‬مرات‭ ‬عديدة،‭ ‬هي‭ ‬جملة‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬صيغتين‭ ‬خطيرتين‭:‬

‭ ‬الصيغة‭ ‬الأولى‭ ‬“‭ ‬تغيير‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني”‭ ‬التي‭ ‬يتبناها‭ ‬الجانب‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬والصيغة‭ ‬الثانية‭ ‬هي‭ ‬“‭ ‬تغيير‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الايراني”‭ ‬التي‭ ‬يميل‭ ‬اليها‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬ليتجنب‭ ‬الحرب‭ ‬الشاملة‭ ‬ويعقد‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬صفقة‭ ‬تشمل‭ ‬الملف‭ ‬النووي‭ ‬وملحقاته‭ ‬ويخرج‭ ‬من‭ ‬المأزق‭ ‬الذي‭ ‬وضع‭ ‬نفسه‭ ‬فيه‭ ‬بشكل‭ ‬سريع‭.‬

‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬المجاور‭ ‬انقسام‭ ‬واضح‭ ‬بين‭ ‬الملايين‭ ‬الخمسة‭ ‬والأربعين‭ ‬حول‭ ‬بقاء‭ ‬حرف‭ ‬الجر‭ ‬في‭ ‬الجملة‭ ‬او‭ ‬إطلاق‭ ‬الجملة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬وجود‭ ‬هذا‭ ‬الحرف‭ ‬الخطير‭. ‬

يبدو‭ ‬انّ‭ ‬هناك‭ ‬حرصاً‭ ‬أمريكياً‭ ‬واضحاً‭ ‬على‭ ‬بقاء‭ ‬الحرف‭ ‬“‭ ‬في‭ ‬“داخل‭ ‬الجملة،‭ ‬ولعل‭ ‬مد‭ ‬اليد‭ ‬لعقد‭ ‬مفاوضات‭ ‬جديدة‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الباب‭.‬

وهي‭ ‬فرصة‭ ‬ثمينة‭ ‬مبذولة‭ ‬أمام‭ ‬نظام‭ ‬الحكم‭ ‬الإيراني،‭ ‬فليس‭ ‬هناك‭ ‬اعتراض‭ ‬امريكي‭ ‬حتى‭ ‬اللحظة‭ ‬على‭ ‬نظام‭ ‬ولاية‭ ‬الفقيه‭ ‬بشرط‭ ‬الا‭ ‬تكون‭ ‬العمامة‭ ‬عنواناً‭ ‬لصاروخ‭ ‬أو‭ ‬قنبلة‭ ‬نووية‭ ‬أو‭ ‬ضرباً‭ ‬لمصالح‭ ‬الحلفاء‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

حرف‭ ‬الجر‭ (‬في‭) ‬يتوافر‭ ‬في‭ ‬استخداماته‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬امتياز‭ ‬كبير،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬متاحاً‭ ‬لأحد‭ ‬في‭ ‬حروب‭ ‬أمريكا‭ ‬السابقة،‭ ‬وخاصة‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2003‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬النص‭ ‬السياسي‭ ‬الامريكي‭ ‬المتفق‭ ‬عليه‭ ‬والثابت‭ ‬والنهائي‭ ‬هو‭ ‬تغيير‭ ‬النظام‭ ‬العراقي‭ ‬وليس‭ ‬التغيير‭ ‬في‭ ‬النظام،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬قبل‭ ‬الحرب‭ ‬وخلالها‭ ‬وبعد‭ ‬انتهائها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إجراءات‭ ‬الاجتثاث‭ ‬وحل‭ ‬الجيش‭ ‬العراقي‭ ‬وإطلاق‭ ‬يد‭ ‬التصفيات‭ ‬واعلاء‭ ‬موجات‭ ‬الزبد‭ ‬الى‭ ‬المقامات‭ ‬الدستورية‭ ‬السامية‭.‬

يا‭ ‬ترى‭ ‬هل‭ ‬يدرك‭ ‬الباقون‭ ‬في‭ ‬سدة‭ ‬حكم‭ ‬إيران‭ ‬أهمية‭ ‬التمسك‭ ‬الأمريكي‭ ‬حتى‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬بحرف‭ ‬الجر‭ ‬في،‭ ‬أم‭ ‬انهم‭ ‬ذاهبون‭ ‬الى‭ ‬تضييع‭ ‬الفرصة‭. ‬وهذا‭ ‬الكلام‭ ‬ينطبق‭ ‬مائة‭ ‬بالمائة‭ ‬على‭ ‬العراق‭.‬

[email protected]

رئيس‭ ‬التحرير‭-‬الطبعة‭ ‬الدولية