صناعات‭ ‬ناعمة- محمد زكي ابراهيم

‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬يقفز‭ ‬بخطوات‭ ‬سريعة‭ ‬كل‭ ‬يوم،‭ ‬ويحقق‭ ‬إنجازات‭ ‬جديدة‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬الساعة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬البلاد‭ ‬العربية‭ ‬ما‭ ‬برحت‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬الضيق،‭ ‬وتعجز‭ ‬عن‭ ‬اللحاق‭ ‬بالعالم‭ ‬المتمدن،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬محاولاتها‭ ‬في‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المأزق‭ ‬الخانق،‭ ‬دائبة‭ ‬ومستمرة،‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬مرة‭  ‬تواجه‭ ‬الإخفاق،‭ ‬وتمنى‭ ‬بالفشل،‭ ‬وتصاب‭ ‬بالخيبة‭.‬

‭ ‬وسر‭ ‬هذا‭ ‬التراجع‭ ‬المستمر‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬افتقارها‭ ‬إلى‭ ‬صناعات‭ ‬ثقيلة‭ ‬متقدمة،‭ ‬وتقنيات‭ ‬إنتاجية‭ ‬متطورة،‭ ‬تضخ‭ ‬إنتاجها‭ ‬في‭ ‬السوق،‭ ‬وتسد‭ ‬الحاجة‭ ‬المحلية‭. ‬وتوفر‭ ‬القوة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬تتوخاها‭ ‬الشعوب‭.‬

ولأن‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬على‭ (‬الفقراء‭) ‬أمثالنا‭ ‬مجاراة‭ (‬الأغنياء‭) ‬الذين‭ ‬احتكروا‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬وبرعوا‭ ‬فيه،‭ ‬فقد‭ ‬بات‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نبحث‭ ‬عن‭ ‬البديل‭ ‬الذي‭ ‬يقلب‭ ‬المعادلة،‭ ‬ويصلح‭ ‬الأمور،‭ ‬فليس‭ ‬بالصناعات‭ ‬الثقيلة‭ ‬وحدها‭ ‬تتقدم‭ ‬الشعوب،‭ ‬ولا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هناك‭ ‬ميادين‭ ‬أخرى‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬رأب‭ ‬الصدع،‭ ‬وامتلاك‭ ‬عوامل‭ ‬القوة،‭ ‬ومن‭ ‬أهمها‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭ ‬الصناعات‭ ‬الناعمة،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬رأسمال‭ ‬ضخم،‭ ‬ولا‭ ‬إمكانيات‭ ‬فائقة،‭ ‬وليست‭ ‬حكراً‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬دون‭ ‬سواه‭.‬

والصناعات‭ ‬الناعمة‭ ‬مثل‭ ‬الثقافة‭ ‬والفن‭ ‬والإعلام‭ ‬والسياحة‭ ‬والإعلان‭ ‬والمصارف‭ ‬والجامعات،‭ ‬لا‭ ‬تستهلك‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الطاقة،‭ ‬ولا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الجهد،‭ ‬لأنها‭ ‬هشة‭ ‬وسهلة‭ ‬وقليلة‭ ‬الكلفة،‭ ‬لكنها‭ ‬شديدة‭ ‬التأثير،‭ ‬واسعة‭ ‬الانتشار،‭ ‬وهي‭ ‬أفضل‭ ‬الوسائل‭ ‬لجني‭ ‬المال،‭ ‬وأنجح‭ ‬السبل‭ ‬لبناء‭ ‬الذات،‭ ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬أساساً‭ ‬لبناء‭ ‬دولة‭ ‬قوية‭ ‬مهابة،‭ ‬لا‭ ‬يجرؤ‭ ‬كائن‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬المساس‭ ‬بها،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬حاصل‭ ‬اليوم‭.‬

إن‭ ‬دولة‭ ‬مثل‭ ‬سويسرا‭ ‬لا‭ ‬تمتلك‭ ‬صناعات‭ ‬ثقيلة،‭ ‬ولا‭ ‬تحتكم‭ ‬على‭ ‬معادن‭ ‬ثمينة،‭ ‬لكنها‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬بلدان‭ ‬أوربا‭ ‬ثراءً،‭ ‬وأكثر‭ ‬ما‭ ‬تشتهر‭ ‬به‭ ‬التحويلات‭ ‬المالية‭ ‬في‭ ‬مصارفها‭ ‬العملاقة،‭ ‬وأهم‭ ‬ما‭ ‬تملكه‭ ‬عدا‭ ‬عن‭ ‬الخبرة‭ ‬المصرفية،‭ ‬الثقة‭ ‬التي‭ ‬يوليها‭ ‬العالم‭ ‬بها،‭ ‬وحرصه‭ ‬الشديد‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬معها،‭ ‬وهي‭ ‬بارعة‭ ‬في‭ ‬تنظيم‭ ‬المؤتمرات‭  ‬الدولية‭ ‬على‭ ‬أراضيها،‭ ‬وتوفير‭ ‬كل‭ ‬مستلزمات‭ ‬النجاح‭ ‬لها،‭ ‬وحينما‭ ‬تأسست‭ ‬عصبة‭ ‬الأمم،‭ ‬كانت‭ ‬جنيف‭ ‬مقراً‭ ‬رسمياً‭ ‬لها‭ ‬عام‭ ‬1920‭ ‬حتى‭ ‬عام‭ ‬1941‭.‬

  ‬ولكي‭ ‬تستطيع‭ ‬الصناعات‭ ‬الناعمة‭ ‬أن‭ ‬تكبر‭ ‬وتتضخم،‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬اقتحام‭ ‬مجال‭ ‬جديد،‭ ‬ينتظم‭ ‬فيه‭ ‬ملايين‭ ‬الشبان،‭ ‬يعملون‭ ‬داخل‭ ‬غرف‭ ‬مغلقة،‭ ‬وأبنية‭ ‬واسعة،‭ ‬وهو‭ ‬البرمجيات،‭ ‬وقد‭ ‬باتت‭ ‬ضرورة‭ ‬من‭ ‬ضرورات‭ ‬العصر،‭ ‬وسمة‭ ‬من‭ ‬سمات‭ ‬التقدم،‭  ‬لا‭ ‬يستغني‭ ‬عنها‭ ‬أحد‭ ‬من‭ ‬العالمين،‭ ‬في‭ ‬السلم‭ ‬والحرب‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬العناصر‭ ‬الثقافية‭ ‬والأنشطة‭ ‬المصرفية‭ ‬تسهم‭ ‬عن‭ ‬قصد‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬قصد‭ ‬بتطوير‭ ‬هذا‭ ‬الجانب‭ ‬الحيوي‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الازورار‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬لا‭ ‬يعيش‭ ‬فيه‭ ‬سوى‭ ‬الأغنياء‭. 

‭ ‬إن‭ ‬صناعة‭ ‬الفن،‭ ‬أو‭ ‬الدراما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تشكل‭ ‬مورداً‭ ‬مهماً‭ ‬للشعوب‭ ‬التي‭ ‬سئمت‭ ‬من‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬مؤخرة‭ ‬الركب‭ ‬مثل‭ ‬العرب،‭ ‬لأنها‭ ‬حاجة‭ ‬إنسانية‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬منها‭ ‬لكل‭ ‬شعب‭ ‬من‭ ‬الشعوب،‭ ‬وثقافة‭ ‬شعبية‭ ‬لا‭ ‬يستغني‭ ‬عنها‭ ‬بلد‭ ‬من‭ ‬البلدان،‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬ماعدا‭ ‬ذلك‭  ‬وسيلة‭ ‬مثلى‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬الذات،‭ ‬وبيان‭ ‬الرأي،‭ ‬والانفتاح‭ ‬على‭ ‬الغير‭.‬

وإذا‭ ‬ما‭ ‬استغلت‭ ‬بشكل‭ ‬صحيح،‭ ‬فإنها‭ ‬كفيلة‭ ‬بتغيير‭ ‬حال‭ ‬المجتمع،‭ ‬والانتقال‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬وضع‭ ‬أفضل‭. ‬لأنها‭ ‬أداة‭ ‬نقد‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأولى،‭ ‬وليست‭ ‬عملاً‭ ‬يقصد‭ ‬به‭ ‬المتعة،‭ ‬أو‭ ‬تزجية‭ ‬الفراغ،‭ ‬أو‭  ‬قضاء‭ ‬الوقت،‭ ‬فحسب‭. 

ليس‭ ‬صحيحاً‭ ‬أننا‭ ‬عاجزون‭ ‬عن‭ ‬دخول‭ ‬العصر،‭ ‬والإسهام‭ ‬في‭ ‬الجهد‭ ‬الإنساني،‭ ‬لكن‭ ‬الصحيح‭ ‬أننا‭ ‬مانزال‭ ‬نجهل‭ ‬الطريق‭ ‬الحقيقية‭ ‬للتقدم،‭ ‬ولا‭ ‬ندرك‭ ‬كيف‭ ‬نلج‭ ‬إلى‭ ‬الحضارة‭. ‬،‭ ‬وإذا‭ ‬ما‭ ‬تجاوزنا‭ ‬هذا‭ ‬العائق‭ ‬فسنكون‭ ‬في‭ ‬حل‭ ‬من‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬صناعات‭ ‬ثقيلة‭ ‬تستهلك‭ ‬الجهد‭ ‬والمال،‭ ‬وتسهم‭ ‬في‭ ‬زيادة‭ ‬التلوث،‭ ‬ودمار‭ ‬البيئة،‭ ‬وتجعلنا‭ ‬غير‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬مأزق‭ ‬التبعية‭ ‬للآخرين‭.‬