حروب – هدى جاسم

حروب – هدى جاسم

على شاطئ بحر بعيد كانت تلوح بكلتا يديها كلما اقتربت سفينة من الشاطئ وهي تمني النفس ان يكون من تنتظر على متنها بعد ان غادر مكانه منذ سنوات طويلة، لم تسعفها الكلمات ولم تقنعها انه غادر الى مكان بعيد ولم يعد له اي مبرر مقنع لنفسه بالعودة، رسم مستقبله بعيدا عنها على الرغم من انها من اقنعته بالسفر لايجاد فرصة حياة جديدة بعد ان اشتد عوده وصار رجلا خلفته الحرب بموت ابيه فيها وهي من تحملت وزر الموت والاحتياج وتخلي الكثير عنها.

عندما ودعته لاخر مرة قالت له لاتنسى اننا معا سنكون اقوى وانني بانتظارك لانني لا املك من هذا العالم غيرك ولا اتحمل وزر حرب اخرى تاخذك مني بعيدا كما اخذت اباك ، لا احتمل ان تترك يدي تلوح للغائبين دونك وان تلبسني ثياب حداد لا استطيع حتى شرائها ، وعدها بالعودة وان تكون معه في اقرب موعد وسيكملان الحياة معا كما بدأت.

مضت السنوات والرسائل اختفت والصور ضاعت والسفن كانت لشحن البضائع وليس للبشر، الحروب ملئت البلاد واختفى على اثرها الكثير من العباد، الياس دب في كل القلوب المنتظرة الا قلبها، كان ينبض بالذكريات كيف كان طفلا ، كيف كبر وحمل حقيبة المدرسة وكيف التقط اول صورة عند بوابتها، كيف ضمته خوفا من كل الصواريخ العابرة للقارات خوفا من اختطافه وتحويله الى قلب بلا نبض، كيف امسكت بيده وهو يتخرج من جامعته وهو يضع قبعة التخرج على راسها امتنانا بمسيرتها من اجله، كيف كافحت ليكون حتى وان ذاب جسدها تعبا وانتظار.

كانت ذكرياتها تمر امامها وهي تنتظر عند بوابات المطارات وشواطئ البحار عل احدهم يحمل اليها خبرا عنه، دائما كانت الكوابيس تداهمها ان الحرب ستقطف مرة اخرى ثمارها الناضجة وهذه المرة الحرب ليست حربه والبلاد ليست بلاده، ارتجف جسدها والطارق على الباب يكرر صوت كادت تعرف مغزاه، ارتجف جسدها ووضحت على محياها التجاعيد فجأة  وكانت خطواتها تتراجع لئلا الطارق يختطف منها اخر احلامها.

فتحت باب بيتها المتهالك الا من الذكريات لتسمع صوت يبلغها ان الحرب هناك اخذت اخر ماتملك، قال لها انه لم يجد عملا فاضطر للدخول في حرب لا تعنيه مقابل بعض النقود ليعيش، لكنه فقد الحياة بلمسة زر من الطرف المقابل لتلك الحرب البعيدة.

سقطت على الارض ولوحت باخر انفاسها بان للحروب حكايات معها اخذت منها كل شئ واخر الاشياء صوتها وحركة جسدها وهي تركض في الموانئ بحثا عن شاب كان يمكن ان يكون لها دليلا لحياة جديدة.