نبوءة أيوب..الإصدار الأول لصبيح عمر

نبوءة أيوب..الإصدار الأول لصبيح عمر
ماض متكسر وحاضر مأزوم

قراءة ياسين شامل
لو نتأمل العنوان نبوءة أيوب للإصدار الجديد للشاعر صبيح عمر، لأول وهلة تواجهنا، ثريا النص التي تنبئنا بأن ما يأتي بعد ذلك سوف يتحقق، وقد جاء في الذكر الحكيم على لسان أيوب وأيوب إذ نادى ربه ربي أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين الأنبياء 83، ونرى هنا الرجاء من قبل أيوب ومدى العمق في الطلب والأسلوب الأخلاقي العالي في الدعاء وهذا الدعاء إلى الله . لكن أيوب الإنسان كم عانى من العذاب والألم إلا أنه يبلغ نبوءته إلى صديقه.
أن العنوان جاء صادماً، وينور ما بعده، وجاء الإهداء ليزيد العنوان إشراقاً ودلالة مختزنة يوسف .. إليك نبوءتي وكأنما أيوب يهدي يوسف هذه النبوءة ، ويوسف الذي فسر الأحلام وأستطاع أن يكون المنقذ لأهل مصر من السنين العجاف. إذا كان يوسف يفسر الأحلام حق تفسيرها، فكيف إذا عرضت عليه نبوءة أيوب ؟ .
تقنية الشاعر هذه بديعة، فهي تخلق شيئاً جديداً، بكلمات ليست في صفحة واحدة، لكن الترابط وثيق وملتحم، فأيوب يمثل الألم، ويوسف الذي ألقي في غيابة الجب، منسياً في سجنه، يمثل الغربة . و قال للذي ظنّ أنه ناج منهما أذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربّه فلبث في السجن بضع سنين . يوسف 42.
ولا أدري أن كان الشاعر قد ضمن المجموعة سلام على مصر ص77 التي لها ارتباطاً تواثقياً بقصة يوسف بمصر وما دار فيها ويدور من أحداث بصورة استلهامية أو بقدرة واعية، ربما الطرح الأخير هو الأرجح، وكأنه يريد يوسف آخر ليحط في أرضها وينأى بها عن القحط والجوع والألم . فالشاعر يبني نصوصه تحت مهيمنة واحدة، ويصهرها في نسق عام.
يستمد الشاعر قوة الألم، وعمق مأساته في الغربة من الماضي المتكسر إلى الحاضر المأزوم بتوظيف الموروث الديني، مشتغلاً على ثيمة الألم وثيمة الغربة، كل هذا الألم الذي يُسلط من قبل المستبدين على رؤوس الآخرين من الناس والفقراء، والمعاناة تأتي من الكبار الذين يخططون للحروب كي يدخلها الفقراء، وعندما يقتلون يعدهم المتسلطون بالجنة نرى ذلك متجلياً في، فقراء الجنة ص16، قمر آخر ص24 الرمز ص52، صاحب الجلالة ص74 ، وغيرها .
وفي خطوة … في قبضة الثبات يعكس الشاعر نبوءة أيوب المساق إلى الخلاص، ليكون شهيداً في عامه الأخير 1983، فأيوب سوف يعدم، ويبلغ صديقه حسن نبوءته قبل إعدامه، وقد أتى العنوان بدراية من قبل الشاعر ليرتقي بالحدث في واقع الحياة لما هو موروث ديني .
أن هذه النبوءة تتجسد كواقع معاش، وأن نبوءة أيوب أما أنت، سوف تعاود من جديد،» بأعوامك المقبلة، حياة أخرى ص21، يهديها إلى يوسف، ونبوءة أيوب الإنسان يبلغها إلى صديقه حسن، هاتان النبوءتان تسيران في خطين متوازيين، وتستمد النبوءة الثانية صدقها الذي لم يكتمل لحد الآن، من قوة النبوءة الأولى، وأن حتمية اكتمالها ستتحقق فيما بعد، في المستقبل القادم .
وقد أتخذ الشاعر من قصة يوسف، وأيوب رمزين لهما دلالاتهما في الإصدار فهذا ما نجده في العنوان والإهداء، وما يتكشف لنا في ذاهب لا اسم لي ص32 , ” الرمز ص52 وفي سحر ص70 نجد الألم، وحزن يوسف، وصبر أيوب، وسفِر أيوب الإنسان كأغلى قيمة في رحلة الوجود.
في الألم المتسلسل من تلك الرحلة
أيقظني
صبر أيوب
و حزن يوسف
و سِفر الثالث ص71
ولعلي لا أخطئ إذا قلت أن الثالث هو أيوب الإنسان.
أن انكسارات الشاعر المرئية وغير المرئية على المستوى الذاتي تأتي من عمق تاريخ الأجداد، ولم تكن مأساته لوحده فهي مأساة الكثيرين في صراع الوجود، ليتخذ هذا الصراع أشكالاً عديدة، والشاعر يؤمن أن النهاية الحتمية لحركة الوجود سوف تكون لإرادة الحياة الموشاة بالورود حيث يقول في ورد الخال ص7
في بطون من كتبوا تاريخ الأجداد بين الكسر والترميم
إلى الآن شبح الكسر يأخذنا لسلالتنا الأولى في كل مرة يتركنا نتصارع بالنباح أو العويل
………
………
و غادرنا الحجر، عيناك وجه الحياة »
و الصمت وجه الليل،
و حين تكونين معي أرى فيك النهار أجمل»
زهرة في الحب، وردة في الخال ننام عندها،
كلما أشتد هذا الورد
خلت ناري،
يرسمني وجهاً واحداً لزهرة الأبدية.
أن هاجس الموت يكاد يطغي كموجة في بحيرة ساكنة، ويظهر على سطح النصوص يلازمه الألم، وتعانقه المعاناة، وذلك لرقي مشاعر الشاعر الإنسانية لاستذكار ومعايشة الحوادث التي جرت، سجن المتطلعين لحرية الفكر والمعتقد، مقتل عبد الكريم قاسم إعدام أيوب، قتل سلمان الربيعي، موت محمود عبد الوهاب يلهب مشاعره، وهذا ما نجده يطفو في الجريدة ص12، خطوة … في قبضة الثبات ص19، عشق علي ص47، قمر آخر ص24، يسوع الناصري ص57، عبد الكريم قاسم ص59، كف بلون واحد ص82 .
/5/2012 Issue 4203 – Date 19 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4203 التاريخ 19»5»2012
AZP09