الإقطاع في لواء الكوت.. دراسة التاريخ والاقتصاد
محمد رشيد السعيدي
ولد هذا الكتاب عام 1958، في السنة التي تحول فيها العراق أحد أهم تحولاته، بتغير نظام الحكم من الملكي الى الجمهوري، وتحول الاقتصاد من الرأسمالي الى الاشتراكي؛ خارجا من منطقة الاسترليني. في تموز من ذلك العام، وفي ظل تلك التغيرات الكبيرة، انفتحت بوابة الأمل أمام المحامي محمد علي الصوري . بعد اكتمال عملية البحث، وقراءة المراجع، والاطلاع على الوثائق الرسمية والاحصائيات في وزارات الزراعة والصحة والعدل؛ تلك الاحصائيات التي ضمنها كتابه. فقد كان الصوري، ربما، غير قادر على نشر كتابه في ظل النظام الملكي.. ولكنَّ بُعد نظره جعله يعمل لعدة سنين قبل 1958، على أمل. ونشره بتحقق الأمل ثورة 1958. المحامي محمد علي الصوري، ابن الشيخ خليل الصوري؛ الذي انحدر من مدينة صور اللبنانية، حاملا لقبها، ليدرس الفقه وعلوم الدين في مدارس» حوزات النجف. ثم كلف بمهام وكالة المرجع الديني ليقوم بواجباته الشرعية والدينية في مدينة الكوت في بداية القرن العشرين. كان الصوري من الرعيل الأول للمحامين في مدينة الكوت، طيبي الذكر حسين علي زكي وتقي الوزان وناجي الراضي. وبسبب دراسته في بغداد العقدين الرابع والخامس من القرن العشرين، الهائجة بالفكر والضاجة بالأحزاب والصحافة والأدب، فقد اطلع حتما على الفكر الماركسي، أو تعرف الى بعض الشيوعيين. بقرينة كتابة مقدمة الكتاب من قبل القاص والروائي العراقي ذو النون أيوب. تلك كانت المصادر المعرفية والفكرية الثلاثة للصوري الدينية والأكاديمية والماركسية ، والتي حددت منهج الكتاب، وميزت طريقة كتابته. هذا الرجل المتربي في بيت فقيه، ونشأ باحثا عن العدالة الاجتماعية، ورائيا في علي بن أبي طالب ع النموذج الاسلامي المتميز للحكم، وفي أبي ذر الغفاري أول ثائر اشتراكي في العالم للصوري كتاب اسمه أبو ذر الغفاري مازال مخطوطا . والذي درس القانون» الحقوق، وتعلم الطرق الحديثة في التفكير المنطقي والقانوني، وإجادة كتابة اللوائح الدفاعية. ثم اطلع على الفكر الماركسي الجدلي، والتطور الحضاري القائم على الأساس الاقتصادي. من هنا لا يعتبر البعض، ومنهم الباحث الموسوعي والطبيب عادل البكري، صاحب كتاب تاريخ الكوت الصادر سنة 1967 حين كان رئيس صحة لواء الكوت، لا يعتبر كتاب الصوري تاريخيا؛ بسبب الرؤية الاقتصادية للموضوع، واحتواء الكتاب على كثير من المباحث في الري والزراعة وملكية الأراضي وتربية المواشي، فضلا على الملحق المتضمن قانون الاصلاح الزراعي رقم 30 لسنة 1958. حتى أنني لا أستبعد اطلاع الباحث المتميز حنا بطاطو، صاحب كتاب العراق ذي الأجزاء الثلاثة على كتاب الإقطاع في لواء الكوت. ولكنه، مع ذلك، كان الكتاب الأول الذي تعرض لبعض الحوادث الاجتماعية، والتغيرات الادارية، ووثق بعضا من حوادث الحراك السياسي في العقد السادس من القرن العشرين، ورصد المظاهر الانثروبولوجية والاثنية في المحافظة. كذلك فإنه لم يقصر البحث على مدينة الكوت، مركز اللواء، بل تحدث عن كل أقضيته ونواحيه باهتمام متوازن. عرفت هذا الكتاب لأول مرة ـ يبدو أنه كان منسيا بسبب الانتماء الفكري لصاحبه ـ في سنة 2003 حيث توجد منه نسخة في المكتبة العامة في الكوت.. فاتصلت بابنه الوحيد المهندس حيدر للحصول على نسخة من الكتاب. وبعد قراءتي، رأيت أن هذا الكتاب مفيد جدا لأبناء المحافظة وللباحثين، فقمت بتنضيد الكتاب وطباعة عدد محدود منه، بموافقة المهندس حيدر، في السنوات 2007 ـ 2010. فأخرجت منه ما يمكن اعتباره الطبعة الثانية. وفي نهاية عام 2010 علمت من المهندس حيدر أن البعض أعاد طباعة الكتاب، في شارع المتنبي، بطريقة الريزو، وبتغيير اسمه من الإقطاع في لواء الكوت العلمي، الى تاريخ الكوت وعشائرها التجاري. ورغم معرفة المهندس حيدر بأن هذا يعتبر سرقة علمية لكنه لم يتخذ أي إجراء، ليس بسبب صعوبته أو عبثيته وحسب، بل لرغبته في انتشار اسم والده بين القراء. في المرات الثلاث لإنتاج الكتاب، لم يحصل المؤلف على أي مردود، وربما دفع في الحالة الأولى من جيبه. وهذا يؤكد أن البحث والتأليف، في شتى الفنون والآداب، هو مشروع فردي يتعلق نجاحه بقدرات صاحبه، العلمية والشخصية من إرادة وطموح. وفي أغلب الحالات، والصوري مثال حي على هذا، لا يحصل الباحث والمؤلف إلا على ذكرى طيبة، لدى بعض المهتمين. ولم ينل الكتاب اهتمام أحد، بعد مؤلفه، لإعادة إظهاره للناس، إلا محب راهب في عالم الفن والأدب، وتاجر، وإن كانت رغبته الأولى الربح، إلا أنه أخرج للنور ما أوشك أن يدفن في غياهب النسيان.
/5/2012 Issue 4201 – Date 16 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4201 التاريخ 16»5»2012
AZP07























