قطار‭ ‬الحياة‭ ‬لا‭ ‬ينتظر‭ ‬مسافراً- د. نزار محمود

كم‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يعيش‭ ‬الانسان‭ ‬مرارة‭ ‬عندما‭ ‬يشعر‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يتمكن‭ ‬من‭ ‬حصاد‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬زرعه‭ ‬والذي‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬وضع‭ ‬عليه‭ ‬آمالاً‭ ‬كبار‭.‬

انه‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬غدر‭ ‬الزمان‭ ‬أو‭ ‬خيانة‭ ‬بشر‭ ‬الاجيال‭ ‬أو‭ ‬سوء‭ ‬تقديره‭ ‬لمعنى‭ ‬الحياة‭!‬

اتذكر‭ ‬جيداً‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬معلماتنا‭ ‬ومعلمينا‭ ‬الذين‭ ‬اخلصوا‭ ‬وما‭ ‬قصروا‭ ‬في‭ ‬تعليمنا‭. ‬كم‭ ‬كان‭ ‬صبرهم‭ ‬معنا،‭ ‬وكم‭ ‬كانوا‭ ‬قد‭ ‬بذلوا‭ ‬من‭ ‬جهود‭ ‬مخلصة‭. ‬يمضي‭ ‬الزمان‭ ‬وتتطور‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬علومها‭ ‬ومعانيها،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬اخلاقياتها،‭ ‬فنرى‭ ‬معلمينا‭ ‬بملابسهم‭ ‬المحتشمة‭ ‬وحتى‭ ‬مشيتهم‭ ‬وانماط‭ ‬تفكيرهم‭ ‬التقليدية‭ ‬قد‭ ‬باتوا‭ “‬دقة‭ ‬قديمة‭”!‬

لم‭ ‬يعد‭ ‬ما‭ ‬كانوا‭ ‬يعلمونا‭ ‬اياه‭ ‬بضاعة‭ ‬نادرة‭ ‬لا‭ ‬يحصل‭ ‬عليها‭ ‬الا‭ ‬من‭ ‬افواههم‭ ‬او‭ ‬حتى‭ ‬شروحاتهم‭ ‬وتمارينهم‭ ‬التعليمية‭. ‬لقد‭ ‬كانت‭ ‬يقف‭ ‬على‭ ‬رأسنا‭ ‬الطير‭ ‬عندما‭ ‬تصعب‭ ‬علينا‭ ‬مسألة‭ ‬أو‭ ‬تغيب‭ ‬عنا‭ ‬معلومة‭  ‬لكي‭ ‬ننتظر‭ ‬حلها‭ ‬أو‭ ‬تفسيرها‭ ‬من‭ ‬معلمنا‭. ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬هو‭ ‬القاموس‭ ‬والمعجم‭ ‬والكتاب‭ ‬واطلس‭ ‬الخرائط‭ ‬وجدول‭ ‬الضرب‭ ‬وكراسة‭ ‬الخط‭ ‬والطبيب‭ ‬الناصح‭ ‬والمربي‭ ‬الفاضل‭ ‬وحلال‭ ‬المعادلات‭ ‬والمشاكل‭.‬

في‭ ‬مقهى‭ ‬عتيق‭ ‬نرى‭ ‬اليوم‭ ‬الاستاذ‭ ‬ابو‭ ‬سليم‭ ‬جالساً‭ ‬يلعب‭ ‬طاولة‭ ‬النرد،‭ ‬يحتسي‭ ‬كأس‭ ‬الشاي،‭ ‬محتسباً‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬جيبه‭ ‬من‭ ‬نقود‭.‬

ينادي‭ ‬على‭ ‬الصبي‭ ‬نادل‭ ‬حانة‭ ‬الشاي،‭ ‬يسأله‭ ‬عن‭ ‬مسألة‭ ‬تخص‭ ‬هاتفه‭ ‬اليدوي،‭ ‬يشكره،‭ ‬يدفع‭ ‬له‭ ‬ثمن‭ ‬الشاي‭ ‬ويمضي‭ ‬عائداً‭ ‬الى‭ ‬مسكنه‭.‬

لقد‭ ‬كانت‭ ‬معاملة‭ ‬التقاعد‭ ‬قد‭ ‬انهكته‭ ‬واضطرته‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬حلقاتها‭ ‬على‭ ‬التوسل‭ ‬والانتظار‭ ‬المر‭ ‬وطلب‭ ‬مساعدة‭ ‬هذا‭ ‬وذاك‭. ‬كم‭ ‬آلمه‭ ‬انه‭ ‬تذكر‭ ‬يوماً‭ ‬ما،‭ ‬انه‭ ‬كان‭ ‬يعلم‭ ‬تلاميذه‭ ‬ويربيهم‭ ‬على‭ ‬الإباء‭ ‬والشجاعة‭!‬

واليوم‭ ‬عليه‭ ‬ان‭ ‬يراجع‭ ‬الاطباء‭ ‬بين‭ ‬الحين‭ ‬والآخر،‭ ‬طبيب‭ ‬السكر‭ ‬والضغط،‭ ‬طبيب‭ ‬السمع‭ ‬وطبيب‭ ‬البصر،‭ ‬طبيب‭ ‬الصدر‭ ‬وطبيب‭ ‬الظهر،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬ينسى‭ ‬كذلك‭ ‬طبيباً‭ ‬آخر‭ ‬بحدثه‭ ‬بستر‭ ‬وخجل‭!!‬

ما‭ ‬يحتاجه‭ ‬هذا‭ ‬المتقاعد‭ ‬كبير‭ ‬السن‭ ‬أربعة‭ ‬أشياء‭:‬

الأول‭: ‬ان‭ ‬يتذكر‭ ‬حسن‭ ‬وطيب‭ ‬ما‭ ‬قدمه‭ ‬في‭ ‬حياته

الثاني‭: ‬ان‭ ‬يمضي‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬ما‭ ‬يستطيع‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬عمل‭ ‬نافع

الثالث‭: ‬ان‭ ‬يتذكر‭ ‬كذلك‭ ‬ان‭ ‬الحياة‭ ‬ليست‭ ‬خالدة‭ ‬لجميع‭ ‬البشر‭.‬

الرابع‭: ‬ان‭ ‬قطار‭ ‬الحياة‭ ‬لا‭ ‬ينتظر‭ ‬مسافراً‭!‬

برلين،‭ ‬26‭.‬08‭.‬2025