اللا‭ ‬قناعة‭ ‬-محمد زكي ابراهيم

كانت‭ ‬السعادة‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬المتصوفة‭ ‬القدماء‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬القناعة‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬اليد،‭ ‬والاكتفاء‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬موجود‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬والزهد‭ ‬فيما‭ ‬سوى‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬متاع‭ ‬زائل‭. ‬ففي‭ ‬رأيهم،‭ ‬اللهاث‭ ‬وراء‭ ‬المادة‭ ‬والجري‭ ‬خلف‭ ‬الشهوات‭ ‬أمران‭ ‬مكروهان،‭ ‬لا‭ ‬يورثان‭ ‬إلا‭ ‬الحزن‭ ‬والمشقة‭. ‬فلا‭ ‬نفع‭ ‬من‭ ‬عرض‭ ‬زائل،‭ ‬أو‭ ‬متاع‭ ‬زائف،‭ ‬أو‭ ‬دنيا‭ ‬فانية‭ ‬يحرص‭ ‬عليها‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭.‬

‭ ‬تلقف‭ ‬العراقيون‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬منذ‭ ‬قرون‭ ‬بعيدة،‭ ‬واتخذوها‭ ‬وسيلة‭ ‬للعيش‭ ‬بسلام‭. ‬انصرفوا‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬قل،‭ ‬وعن‭ ‬الجمال‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬ندر،‭ ‬وعن‭ ‬الأناقة‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬ستر‭.‬

  ‬رغبوا‭ ‬عن‭ ‬التطلع‭ ‬إلى‭ ‬حياة‭ ‬أفضل،‭ ‬واكتفوا‭ ‬بالفتات،‭ ‬فأصبحت‭ ‬مدنهم‭ ‬في‭ ‬غاية‭ ‬البشاعة،‭ ‬وحياتهم‭ ‬في‭ ‬منتهى‭ ‬السوء‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬كانوا‭ ‬يجدون‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬سعادة‭ ‬وبهجة،‭ ‬ويطلقون‭ ‬عليه‭ ‬بفخر‭ ‬وزهو‭: “‬الزمن‭ ‬الجميل‭”.‬

‭ ‬ومع‭ ‬أن‭ ‬ملايين‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬البلاد‭ ‬لم‭ ‬يجربوا‭ ‬التصوف‭ ‬أو‭ ‬يعتنقوا‭ ‬عقيدته‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬الأيام،‭ ‬إلا‭ ‬أنهم‭ ‬تشربوا‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬حتى‭ ‬باتوا‭ ‬ينصاعون‭ ‬لمقولاتها‭ ‬دون‭ ‬وعي‭.‬

‭ ‬فهم‭ ‬متصوفون‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬ينتظموا‭ ‬في‭ ‬طريقة،‭ ‬أو‭ ‬ينخرطوا‭ ‬في‭ ‬جماعة،‭ ‬أو‭ ‬يرتدوا‭ ‬زي‭ ‬الدراويش‭. ‬وربما‭ ‬ورثوا‭ ‬هذا‭ ‬عن‭ ‬زمن‭ ‬مضى،‭ ‬إذ‭ ‬تلجئ‭ ‬الظروف‭ ‬الناس‭ ‬أحياناً‭ ‬إلى‭ ‬انتهاج‭ ‬طريقة‭ ‬ما‭ ‬على‭ ‬كراهة‭ ‬ونفور‭ ‬منهم‭.‬

‭ ‬لكن‭ ‬العالم‭ ‬يتغير‭ ‬كل‭ ‬يوم،‭ ‬والقناعة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تلائم‭ ‬هذا‭ ‬العصر‭ ‬أو‭ ‬تناسب‭ ‬أذواق‭ ‬أبنائه‭. ‬فمع‭ ‬ما‭ ‬تحقق‭ ‬للبشرية‭ ‬من‭ ‬إنجازات‭ ‬كانت‭ ‬إلى‭ ‬وقت‭ ‬قريب‭ ‬حلماً‭ ‬من‭ ‬الأحلام‭ ‬ومعجزة‭ ‬من‭ ‬المعجزات،‭ ‬فإن‭ ‬الوقوف‭ ‬عندها‭ ‬يعني‭ ‬الركود‭ ‬والتخلف‭ ‬والعجز‭ ‬عن‭ ‬مسايرة‭ ‬العصر‭. ‬اللا‭ ‬قناعة،‭ ‬في‭ ‬جوهرها،‭ ‬تعني‭ ‬الرغبة‭ ‬الدائمة‭ ‬في‭ ‬التغيير،‭ ‬والعمل‭ ‬الجاد‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬التقدم‭.‬

‭ ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬من‭ ‬موارد‭ ‬الطمع،‭ ‬لكنها‭ ‬تسير‭ ‬بالمجتمع‭ ‬نحو‭ ‬الكمال‭. ‬فكل‭ ‬شيء‭ ‬جميل‭ ‬اليوم‭ ‬سيكون‭ ‬ناتئاً‭ ‬غداً،‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مبهر‭ ‬الآن‭ ‬سيصبح‭ ‬باهتاً‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭.‬

‭ ‬ما‭ ‬حققته‭ ‬البشرية‭ ‬من‭ ‬قفزات‭ ‬هائلة‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة‭ ‬عظيم،‭ ‬والمجتمعات‭ ‬العالمية‭ ‬تتسابق‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬نصيب‭ ‬منه،‭ ‬لكنه‭ ‬لن‭ ‬يبقى‭ ‬كذلك‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬قليلة‭. ‬الوقوف‭ ‬عنده‭ ‬أو‭ ‬الاقتصار‭ ‬عليه‭ ‬أمر‭ ‬محزن‭.‬

العزوف‭ ‬عن‭ ‬القناعة‭ ‬يعني‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬إحداث‭ ‬ثورة‭ ‬ثقافية‭ ‬تنقل‭ ‬المجتمع‭ ‬من‭ ‬حال‭ ‬إلى‭ ‬حال،‭ ‬وتمنحه‭ ‬ما‭ ‬يتوق‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬مغريات،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بالحصول‭ ‬على‭ ‬منتجات‭ ‬الحضارة‭ ‬الحديثة،‭ ‬بل‭ ‬بالمشاركة‭ ‬في‭ ‬صنع‭ ‬هذه‭ ‬الحضارة‭ ‬والإسهام‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬الحياة‭. ‬حينما‭ ‬تكون‭ ‬من‭ ‬بناة‭ ‬الواقع‭ ‬وقادة‭ ‬التغيير،‭ ‬سيقف‭ ‬الآخرون‭ ‬لك‭ ‬احتراماً،‭ ‬ولن‭ ‬يجرؤوا‭ ‬على‭ ‬العبث‭ ‬بك‭ ‬كما‭ ‬كانوا‭ ‬يفعلون‭ ‬من‭ ‬قبل‭.‬

الانقلاب‭ ‬على‭ ‬القناعة‭ ‬يعني‭ ‬إحداث‭ ‬تنمية‭ ‬حقيقية‭ ‬تمنح‭ ‬المواطنين‭ ‬حياة‭ ‬جميلة‭ ‬خالية‭ ‬من‭ ‬الهموم‭ ‬والأوجاع،‭ ‬فارغة‭ ‬من‭ ‬الكروب‭ ‬والمنغصات،‭ ‬وتجعل‭ ‬لهم‭ ‬دوراً‭ ‬في‭ ‬صنع‭ ‬التاريخ،‭ ‬مثل‭ ‬أي‭ ‬شعب‭ ‬متقدم‭ ‬آخر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭.‬

‭ ‬أما‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بموقع‭ ‬المتفرج،‭ ‬فليس‭ ‬له‭ ‬ما‭ ‬يبرره‭ ‬سوى‭ ‬التخاذل‭ ‬والتراجع‭ ‬والانكفاء‭ ‬على‭ ‬الذات،‭ ‬وهذا‭ ‬ليس‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬خلق‭ ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬أنيطت‭ ‬به‭ ‬عمارة‭ ‬الأرض‭ ‬وإرساء‭ ‬أسس‭ ‬السلام‭ ‬والمحبة‭ ‬بين‭ ‬العباد‭.‬

‭ ‬لهذا‭ ‬الغرض،‭ ‬فإن‭ ‬الأخذ‭ ‬من‭ ‬الحضارة‭ ‬المادية‭ ‬بطرف‭ ‬ومن‭ ‬المنطلقات‭ ‬الروحية‭ ‬بطرف‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬شروط‭ ‬إحداث‭ ‬توازن‭ ‬عقلي‭ ‬وفكري‭ ‬ووجداني‭. ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬السبيل‭ ‬الأمثل‭ ‬ليغادر‭ ‬بلد‭ ‬من‭ ‬بلدان‭ ‬العالم‭ ‬الثالث،‭ ‬مثل‭ ‬العراق،‭ ‬موقعه‭ ‬السابق‭ ‬إلى‭ ‬الصفوف‭ ‬الأمامية،‭ ‬ويحتل‭ ‬مكانته‭ ‬الطبيعية‭ ‬في‭ ‬الصدارة،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬يفعل‭ ‬في‭ ‬عصور‭ ‬غابرة‭. ‬فيصبح‭ ‬نقطة‭ ‬إشعاع‭ ‬مضيئة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬والعالم‭. ‬وبدون‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬خلاص‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬الفناء‭ ‬أو‭ ‬الذوبان‭ ‬في‭ ‬الأمم‭ ‬الأخرى‭.‬