الهروب‭ ‬من‭ ‬المواجهة- كامل عبدالرحيم

‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬يهدرون‭ ‬أعمارهم‭ ‬في‭ ‬حانات‭ ‬منسية،‭ ‬هم‭ ‬يصنعون‭ ‬التأريخ‭. ‬مهلا،‭ ‬هذه‭ ‬ليست‭ ‬حكمة‭ ‬أو‭ ‬مقولة‭ ‬قرأتها‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬ما،‭ ‬بل‭ ‬ولا‭ ‬أعنيها‭ ‬حقا،‭ ‬هي‭ ‬بداية‭ ‬ما‭.‬

كلما‭ ‬رأيت‭ ‬الممثل‭ ‬ليام‭ ‬نيسون،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬الذين‭ ‬أدخل‭ ‬معهم‭ ‬بمنافسة‭ ‬جري‭ ‬في‭ ‬مضمار‭ ‬البقاء،‭ ‬كلما‭ ‬أراه‭ ‬يتخذ‭ ‬مكانا‭ ‬منعزلا‭ ‬في‭ ‬حانة‭ ‬بلا‭ ‬عنوان‭ ‬أرى‭ ‬التأريخ‭ ‬يفيض‭ ‬من‭ ‬كأسه،‭ ‬كأسي‭ ‬القديم‭ ‬الذي‭ ‬ما‭ ‬نفد‭ ‬وكنت‭ ‬أعبؤه‭ ‬بالحكايات‭ ‬والخطط‭ ‬الثورية‭ ‬فأزيده‭ ‬بالدموع‭ ‬والاعترافات،‭ ‬أتمثل‭ ‬قوتي‭ ‬الغاربة‭ ‬تسري‭ ‬وتتجسد‭ ‬وتتجدد‭ ‬في‭ ‬أصلابي‭ ‬فأقول‭ ‬لماذا‭ ‬انطفأت‭ ‬؟‭ ‬وأقرر‭ ‬التوهج،‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬وفي‭ ‬الصباح‭.‬

في‭ ‬الصباح‭ ‬التالي‭ ‬أجدني‭ ‬أنا‭ ‬الحانة‭ ‬المهجورة،‭ ‬بلا‭ ‬جلاس‭ ‬ولا‭ ‬نادل‭ ‬ولا‭ ‬ضوء‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬شراب‭ ‬مترع‭. ‬أصابتني‭ ‬الشيخوخة‭ ‬وصرعتني‭ ‬وهزمتني،‭ ‬لن‭ ‬أستسلم‭.‬

أحيانا،‭ ‬أقول،‭ ‬حسنا‭ ‬فعلت‭ ‬فهذبت‭ ‬نفسك‭ ‬من‭ ‬الحسد‭ ‬والتباغض‭ ‬ومراقبة‭ ‬الآخرين،‭ ‬ومن‭ ‬قال‭ ‬ذلك،‭ ‬أنت‭ ‬حسود‭ ‬وحقود‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى،‭ ‬لكني‭ ‬أروضها،‭ ‬تلك‭ ‬المشاعر‭ ‬المريضة‭ ‬فلا‭ ‬تبدو‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬تظهر‭ ‬إلا‭ ‬كتجاعيد‭ ‬تعصى‭ ‬على‭ ‬المساحيق‭.‬

أفكر‭ ‬أحيانا،‭ ‬لو‭ ‬أني‭ ‬عثرت‭ ‬أو‭ ‬صادفت‭ ‬أبي‭ ‬في‭ ‬حانة‭ ‬كونية‭ ‬نائية‭ ‬على‭ ‬درب‭ ‬التبانة‭ ‬فسيصفعني‭ ‬أولا‭ ‬براشدي‭ ‬قائلا،‭ ‬ماذا‭ ‬فعلت‭ ‬بنفسك‭ ‬يا‭ ‬ولد‭ ‬وثم‭ ‬يربت‭ ‬على‭ ‬كتفي‭ ‬فأنا‭ ‬لم‭ ‬أخرج‭ ‬من‭ ‬جلبابه‭ ‬أو‭ ‬معطفه‭.‬

لي‭ ‬ولدان،‭ ‬حيدر‭ ‬وجعفر،‭ ‬نكمل‭ ‬بعضنا‭ ‬مثل‭ ‬لعبة‭ ‬ميكانو‭ ‬وكل‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬اللعبة‭ ‬يهرب‭ ‬من‭ ‬الأجزاء‭ ‬الأخرى‭ ‬لكنه‭ ‬ينتمي‭ ‬إليها‭ ‬وبالطبع‭ ‬يحبها،‭ ‬يحب‭ ‬تلك‭ ‬الأجزاء‭ ‬الأخرى‭.‬

جعفر‭ ‬أصغر‭ ‬الأولاد‭ ‬وأشد‭ ‬الهاربين‭ ‬بعدا،‭ ‬يتأملني‭ ‬وأتأمله‭ ‬من‭ ‬بعيد‭ ‬بعشق،‭ ‬بيننا‭ ‬قنينة‭ ‬نبيذ‭ ‬في‭ ‬منتصفها‭ ‬أو‭ ‬عبرنا‭ ‬فارتشفنا‭ ‬رقبتها‭ ‬الضيقة،‭ ‬ما‭ ‬يتبقى‭ ‬تنهيدة‭ ‬وفسحة‭ ‬وحرية،‭ ‬نتهاتف‭ ‬فنشتبك‭ ‬حبا‭ ‬وإعجابا،‭ ‬نحاول‭ ‬التطابق‭ ‬فنبتعد،‭ ‬من‭ ‬يهرب‭ ‬من‭ ‬الآخر‭ ‬يا‭ ‬جعفر‭.‬

في‭ ‬مكالمة‭ ‬العيد،‭ ‬كانت‭ ‬الشيخوخة‭ ‬بيننا،‭ ‬أراه‭ ‬يفكر‭ ‬بشيخوختي‭ ‬ويفر‭ ‬منها‭ ‬ولا‭ ‬يعلم‭ ‬جعفر‭ ‬أن‭ ‬التفكير‭ ‬بشيخوخة‭ ‬الآخرين‭ ‬هو‭ ‬شيخوخة‭ ‬مبكرة،‭ ‬لو‭ ‬كنت‭ ‬شابا‭ ‬فما‭ ‬فعلت‭ ‬غير‭ ‬مافعلته‭ ‬حين‭ ‬كنت‭ ‬كذلك،‭ ‬مؤاخاة‭ ‬كل‭ ‬الأشياء‭ ‬وكل‭ ‬الناس‭.‬

جعفر‭ ‬يقيم‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬كوطن‭ ‬بديل‭ ‬وحين‭ ‬حدثته‭ ‬عن‭ ‬عبد‭ ‬الكبير‭ ‬الخطيبي‭ ‬وعبد‭ ‬الله‭ ‬العروي‭ ‬وعبد‭ ‬الفتاح‭ ‬كيليطو‭ ‬وعبد‭ ‬اللطيف‭ ‬اللعبي‭ ‬وكما‭ ‬تلاحظون‭ ‬كلهم‭ ‬عباد‭ ‬لله‭ ‬في‭ ‬تجلياته،‭ ‬لمست‭ ‬استغرابا‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬وصدر‭ ‬مني‭ ‬ما‭ ‬أعجب‭ ‬جعفرا،‭ ‬قلت‭ ‬أن‭ ‬أهل‭ ‬الثغور‭ ‬والتخوم‭ ‬مسؤولون‭ ‬عن‭ ‬صياغة‭ ‬الهوية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ( ‬المتروبول‭ )‬،‭ ‬كان‭ ‬علي‭ ‬أن‭ ‬أشرح‭ ‬أيضا‭ ‬ماذا‭ ‬تعني‭ ‬الثغور‭ ‬والتخوم‭.‬

بغداد‭ ‬كمتروبول‭ ‬إسلامي‭ ‬وعربي‭ ‬تنتفخ‭ ‬بالأفياء‭ ‬والخراج‭ ‬والضرائب‭ ‬والقوة‭ ‬والثروة‭ ‬وككل‭ ‬سلطة‭ ‬تجنح‭ ‬للقمع‭ ‬والإكراه‭ ‬وميكانيزم‭ ‬الصراع‭ ‬يفرز‭ ‬معارضين،‭ ‬ضربت‭ ‬مثلا‭ ‬بالحركة‭ ‬الإسماعيلية‭ ‬والتي‭ ‬نشأت‭ ‬في‭ ‬المتروبول‭ ‬العباسي‭ ‬في‭ ‬أوج‭ ‬قوته،‭ ‬ولما‭ ‬اشتد‭ ‬التضييق‭ ‬هرب‭ ‬الدعاة‭ ‬والولاة‭ ‬الإسماعيليون‭ ‬غربا،‭ ‬صوب‭ ‬سلمية‭ ‬حلب‭ ‬وحماه‭ ‬وغربا‭ ‬بعيدا‭ ‬وأكثر‭ ‬نحو‭ ‬المغرب‭ ‬كملاذ‭ ‬آمن‭ ‬لتأسيس‭ ‬دولتهم‭ ‬الفاطمية،‭ ‬هذا‭ ‬الملاذ‭ ‬الآمن‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يبلور‭ ‬الهوية‭ ‬والهوية‭ ‬تأتي‭ ‬وتأخذ‭ ‬معناها‭ ‬من‭ ‬الأضداد‭ ‬النوعية،‭ ‬أوصلت‭ ‬جعفر‭ ‬إلى‭ ‬نقطة‭ ‬الهباء‭ ‬الراهنة،‭ ‬حين‭ ‬فقدت‭ ‬بغداد‭ ‬وحتى‭ ‬القاهرة‭ ‬كل‭ ‬وعي‭ ‬بمركزيتها‭ ‬وأهميتها‭ ‬وبذاتها،‭ ‬أما‭ ‬الأطراف‭ ‬والتخوم‭ ‬سيكون‭ ‬عليها‭ ‬مثلما‭ ‬يفعل‭ ‬كيليطو،‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬ليلة‭ ‬من‭ ‬ألف‭ ‬ليلة‭ ‬وليلة‭ ‬في‭ ‬السوربون،‭ ‬بلغة‭ ‬الليالي‭ ‬العربية،‭ ‬مرة‭ ‬وبلغة‭ ‬المتروبول‭ ‬الجديد‭ ‬مرات‭.‬

رغم‭ ‬إعجابه،‭ ‬جعفر،‭ ‬قال‭ ‬بأنه‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مهتما‭ ‬جدا‭ ‬بالصراعات‭ ‬والحروب‭ ‬الحالية‭ ‬وأفهمني‭ ‬أو‭ ‬فهمت‭ ‬بعد‭ ‬مشاهدتي‭ ‬لوصلة‭ ‬اليوتيوب‭ ‬التي‭ ‬أرسلها‭ ‬لي،‭ ‬بأنه‭ ‬يهتم‭ ‬بفكرة‭ ‬الخلود،‭ ‬أعطاني‭ ‬بعض‭ ‬رؤوس‭ ‬أقلامه‭ ‬لكني‭ ‬أرجأت‭ ‬الحكم‭ ‬حتى‭ ‬إكمال‭ ‬الوصلة‭.‬

في‭ ‬تلك‭ ‬الوصلة،‭ ‬هناك‭ ‬مركزية‭ ‬أخرى‭ ‬تتهدم‭ ‬وتتهدد،‭ ‬هي‭ ‬مركزية‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكون،‭ ‬يسرد‭ ‬ويقول‭ ‬صاحب‭ ‬الوصلة‭ ‬وهو‭ ‬أصغر‭ ‬عمرا‭ ‬من‭ ‬جعفر‭ ‬بأن‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الكائنات‭ ‬عجزا‭ ‬على‭ ‬البقاء‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬قوته‭ ‬التدمرية‭ ‬لبيئته‭ ‬الحافظة،‭ ‬كان‭ ‬جعفر‭ ‬وكذلك‭ ‬صاحب‭ ‬الوصلة‭ ‬يتحدثان‭ ‬عن‭ ‬قنديل‭ ‬البحر‭ ‬كنوع‭ ‬من‭ ‬الكائنات‭ ‬هو‭ ‬أقدم‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬النوع‭ ‬الإنساني‭ ‬بملايين‭ ‬السنين‭ ‬وقد‭ ‬يبقى‭ ‬بعده‭ ‬بملايين‭ ‬أخرى،‭ ‬لم‭ ‬أفهم‭ ‬وصلة‭ ‬اليوتيوب‭ ‬جيدا‭ ‬وكان‭ ‬علي‭ ‬ترجمتها‭ ‬للعربية،‭ ‬لكن‭ ‬أنواعا‭ ‬كثيرة‭ ‬من‭ ‬الكائنات‭ ‬أو‭ ‬الحيوانات‭( ‬ربما‭ ‬اللافقرية‭ ) ‬تمتلك‭ ‬ميزة‭ ‬تجديد‭ ‬خلاياها،‭ ‬والإنسان‭ ‬بالمناسبة‭ ‬يحاول‭ ‬دراستها‭ ‬ومحاكاتها،‭ ‬بعض‭ ‬أنواع‭ ‬أسماك‭ ‬القرش‭ ‬تعمر‭ ‬ليضعة‭ ‬آلاف‭ ‬من‭ ‬السنين،‭ ‬السلاحف‭ ‬تعيش‭ ‬حتى‭ ‬عمر‭ ‬المئتي‭ ‬سنة،‭ ‬أما‭ ‬قناديل‭ ‬البحر‭ ‬فخالدة،‭ ‬خلايا‭ ‬الإنسان‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬تحاول‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬خريطتها‭ ‬أو‭ ‬مصيدتها‭ ‬الجينية‭ ‬فهي‭ ‬الخلايا‭ ‬السرطانية‭.‬

هل‭ ‬تشيخ‭ ‬الأفكار،‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬فكرت‭ ‬الكتابة‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬البدء‭ ‬لكن‭ ‬جعفر‭ ‬جرفني‭ ‬نحو‭ ‬قناديله،‭ ‬هل‭ ‬تشيخ‭ ‬الأفكار‭ ‬وتتعفن‭ ‬الثورة‭ ‬ويتقاعد‭ ‬الثائر‭ ‬وتذوي‭ ‬وتخبو‭ ‬نيونات‭ ‬الحانات‭ ‬الملونة‭ ‬على‭ ‬الدروب‭ ‬الريفية‭.‬

ها‭ ‬أنا‭ ‬أنجح‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬بالهروب‭ ‬من‭ ‬موضوعي‭ ‬والهروب‭ ‬من‭ ‬المواجهة‭…‬يا‭ ‬للنصر‭.‬