سيدي‭ ‬الرسول سقاني‭ ‬بكأسه‭ ‬رواني-د. محمد غاني

عنوان‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬مقتطف‭ ‬من‭ ‬قصيدة‭ ‬زجلية‭ ‬صوفية‭ ‬معروفة‭ ‬مشتهرة‭ ‬على‭ ‬ألسنة‭ ‬جميع‭ ‬المغاربة‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المناسبات‭ ‬العائلية،‭ ‬تنشد‭ ‬سواء‭ ‬كقصائد‭ ‬دينية‭ ‬أو‭ ‬طربيات‭ ‬أندلسية‭ ‬على‭ ‬انغام‭ ‬العود،‭ ‬تنسب‭ ‬للولي‭ ‬الصالح‭ ‬الشهير‭ ‬دفين‭ ‬بجعد‭  ‬ابو‭ ‬عبيد‭ ‬الشرقي‭  ‬الذي‭ ‬عاش‭ ‬خلال‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬عشر‭ ‬الميلادي،‭ ‬و‭ ‬الذي‭ ‬جعلني‭ ‬اكتب‭ ‬عن‭ ‬هاته‭ ‬القصيدة‭ ‬هو‭ ‬فهم‭ ‬يتجدد‭ ‬لهذا‭ ‬المعنى‭ ‬حيث‭ ‬كنت‭ ‬اظن‭ ‬ان‭ ‬مضمون‭ ‬هذا‭ ‬البيت‭ ‬يختص‭ ‬به‭ ‬الاكابر‭ ‬من‭ ‬الاولياء‭ ‬و‭ ‬الصالحين‭ ‬الذين‭ ‬تحصل‭ ‬لهم‭ ‬الرؤية‭ ‬النبوية‭ ‬في‭ ‬المنام‭ ‬او‭ ‬انعم‭ ‬الله‭ ‬عليهم‭ ‬بزيارة‭ ‬الحرم‭ ‬النبوي‭ ‬بالشروط‭ ‬الشرعية‭ ‬و‭ ‬سلامة‭ ‬الصدر‭ ‬،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬المسلمين‭ ‬من‭ ‬يوم‭ ‬خلق‭ ‬الله‭ ‬الدنيا‭ ‬و‭ ‬الى‭ ‬يوم‭ ‬القيامة‭ ‬يشربون‭ ‬من‭ ‬ماء‭ ‬زمزمه‭ ‬الروحي‭ ‬و‭ ‬هو‭ ‬ماء‭ ‬محبته‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬و‭ ‬سلم‭ ‬الذي‭ ‬يشعر‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬قلبه‭ ‬كل‭ ‬مسلم‭ ‬و‭ ‬مومن‭ ‬و‭ ‬محسن‭  ‬بالتعبد‭ ‬بمختلف‭ ‬التعبدات‭ ‬الشرعية‭ ‬لانها‭ ‬قنوات‭ ‬الماء‭ ‬الغيبي‭ ‬الذي‭ ‬يسري‭ ‬في‭ ‬القلوب‭ ‬لترتوي‭ ‬ارض‭ ‬التوحيد‭ ‬فتفلح‭ ‬فلاح‭ ‬المومنين‭ ‬فينجون‭ ‬من‭ ‬دار‭ ‬البوار‭.‬

و‭ ‬كلهم‭ ‬من‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬ملتمس‭…‬غرفا‭ ‬من‭ ‬البحر‭ ‬او‭ ‬رشفا‭ ‬من‭ ‬الديم

ارض‭ ‬التوحيد‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬القلب‭ ‬أو‭ ‬طور‭ ‬سيناء‭ ‬القلوب‭ ‬دائما‭ ‬متواجدة‭ ‬لدى‭ ‬كل‭ ‬محب‭ ‬لله‭ ‬تعالى‭ ‬لذلك‭ ‬فعيون‭ ‬الماء‭ ‬الغيبي‭ ‬تنفجر‭ ‬كلما‭ ‬تجلى‭ ‬ربه‭ ‬للجبل‭ ‬فجعله‭ ‬دكا‭ ‬فيخر‭ ‬موسى‭ ‬القلب‭ ‬صعقا‭ ‬من‭ ‬سجدته‭ ‬الابدية،‭ ‬حيث‭ ‬ان‭ ‬سجود‭ ‬القلب‭ ‬خضوعه‭ ‬و‭ ‬هو‭ ‬المطلوب‭ ‬وهو‭ ‬غير‭ ‬سجود‭ ‬الجسد‭ ‬،‭ ‬فإنما‭ ‬يتدرب‭ ‬الجسد‭ ‬على‭ ‬السجود‭ ‬خلال‭ ‬الصلوات‭ ‬ليحقق‭ ‬سجود‭ ‬القلب‭ ‬،‭ ‬كما‭ ‬يتدرب‭ ‬الجسد‭ ‬على‭ ‬الحج‭ ‬لبيت‭ ‬الله‭ ‬الحرام‭ ‬اما‭ ‬بنية‭ ‬الحج‭ ‬او‭ ‬العمرة‭ ‬ليحقق‭ ‬الحج‭ ‬القلبي‭ ‬لله‭ ‬تعالى‭ ‬دائما‭ ‬و‭ ‬ابدا‭ ‬فتعمر‭ ‬اسواق‭ ‬التجارة‭ ‬الروحية‭ ‬مع‭ ‬الله‭ ‬كما‭ ‬يضيف‭ ‬صاحب‭ ‬قصيدة‭ ‬اخرى‭ ‬للعارف‭ ‬بالله‭ ‬عبد‭ ‬الرحمان‭ ‬المجذوب‭  ‬طلع‭ ‬النهار‭ ‬على‭ ‬القمر‭ ‬الى‭ ‬أن‭ ‬يقول‭ : ‬السوق‭ ‬عامر‭ ‬في‭ ‬قلبي‭ ‬و‭ ‬حوانيته‭ ‬قيسارية،‭ ‬فالحج‭ ‬القلبي‭ ‬الدائم‭ ‬تجارة‭ ‬لن‭ ‬تبور‭ ‬و‭ ‬البوار‭ ‬ضد‭ ‬الفلاح‭ . ‬و‭ ‬الفلاح‭ ‬مقصد‭ ‬كل‭ ‬مومن‭ ‬بدليل‭ ‬قد‭ ‬أفلح‭ ‬المومنون‭.‬

ان‭  ‬الفلاح‭ ‬الذي‭ ‬يشير‭ ‬إليه‭ ‬المولى‭ ‬عز‭ ‬وجل‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬الحكيم‭ ‬هو‭ ‬نتيجة‭ ‬حتمية‭ ‬لمن‭ ‬شرب‭ ‬ورد‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬الذي‭ ‬قدمه‭ ‬الرسول‭ ‬الاكرم‭ ‬شرابا‭ ‬مستساغا‭ ‬من‭ ‬عسل‭ ‬مصفى‭ ‬في‭ ‬كأس‭ ‬لذة‭ ‬للشاربين،‭ ‬كأس‭ ‬معنوية‭ ‬لا‭ ‬يشرب‭ ‬من‭ ‬حوضه‭ ‬الشريف‭ ‬صلوات‭ ‬ربي‭ ‬و‭ ‬سلامه‭ ‬عليه‭ ‬غدا‭ ‬يوم‭ ‬القيامة‭ ‬الا‭ ‬لمن‭ ‬سبق‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬شربه‭ ‬من‭ ‬يده‭ ‬المعنوية‭ ‬التى‭ ‬تقدم‭ ‬لنا‭ ‬كؤوسا‭ ‬معنوية‭ ‬كل‭ ‬صلاة‭ ‬و‭ ‬كل‭ ‬تسبيحة‭ ‬و‭ ‬كل‭ ‬تكبيرة‭ ‬و‭ ‬كل‭ ‬تهليلة‭ ‬و‭ ‬كل‭ ‬صلاة‭ ‬على‭ ‬النبي‭ ‬المختار‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ .‬

قال‭ ‬احد‭ ‬العارفين‭ ‬منشدا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المعنى؛

فذقت‭ ‬شهد‭ ‬الرضا‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬صفوكم

والحال‭ ‬رقَّ‭ ‬لـــــــــشامخ‭ ‬الأطواد‭ ‬ِ

وشموس‭ ‬معرفة‭ ‬سرت‭ ‬في‭ ‬هيكلي

فحق‭ ‬يقيني‭ ‬مثــــــــــبتا‭ ‬إشهادي

فحال‭ ‬الأحبة‭ ‬محجب‭ ‬عـــــن‭ ‬منكر

لفيض‭ ‬الإله‭ ‬متوجا‭ ‬ًلــــــــــعبادي

أقصد‭ ‬حماهم‭ ‬طالبا‭ ‬رضــــــــاهم

نفس‭ ‬المعنى‭ ‬تجدد‭ ‬لي‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬مطالع‭ ‬قصائد‭ ‬مماثلة‭ ‬كنت‭ ‬اسمعها‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬المغاربة‭ ‬طول‭ ‬صغري‭ ‬اذكر‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬لا‭ ‬الحصر‭ : ‬قدوم‭ ‬الحبيب‭ ‬تمام‭ ‬السرور‭ ‬وكأس‭ ‬المحبة‭ ‬علينا‭ ‬يدور

فأهلا‭ ‬وسهلا‭ ‬بمن‭ ‬زارنا‭ ‬أمير‭ ‬الملاح‭ ‬وتاج‭ ‬البدور‭.‬

حيث‭ ‬كنت‭ ‬اظن‭ ‬ان‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬بعيد‭ ‬الحصول‭ ‬الا‭ ‬لمن‭ ‬حصل‭ ‬له‭ ‬اجل‭ ‬رواية‭ ‬الرسول‭ ‬في‭ ‬المنام‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬قدومه‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬صلاة‭ ‬عليه‭ ‬حيث‭ ‬يرد‭ ‬علينا‭ ‬السلام‭ ‬كما‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الأحاديث‭ ‬الصحيحة‭ ‬،‭ ‬او‭ ‬قل‭ ‬فهو‭ ‬يقدم‭ ‬الينا‭ ‬حين‭ ‬نكبر‭ ‬كل‭ ‬صلاة‭ ‬لان‭ ‬ماءه‭ ‬الغيبي‭ ‬الذي‭ ‬يتخلل‭ ‬الصلاة‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬ليصل‭ ‬الينا‭ ‬من‭ ‬حوضه‭ ‬الشريف‭ ‬لولا‭ ‬قنوات‭ ‬الشرائع‭ ‬و‭ ‬العبادات‭ ‬المشروعة‭ ‬لذلك‭ ‬كان‭ ‬الحبيب‭ ‬المصطفى‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬و‭ ‬سلم‭ ‬كمعنى‭ ‬باب‭ ‬لكل‭ ‬فتح‭ ‬رباني‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬محب‭ ‬لله‭ ‬تعالى‭ . ‬

لفهم‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬يقول‭ ‬احد‭ ‬العارفين‭ ‬بالله‭ ‬و‭ ‬هو‭ ‬عبد‭ ‬الرحمن‭ ‬المجذوب‭ ‬الذي‭ ‬عاش‭ ‬خلال‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬عشر‭ ‬و‭ ‬دفن‭ ‬بمكناس‭ ‬الخلق‭ ‬نوار‭…‬و‭ ‬انا‭ ‬ارتعت‭ ‬فيهم‭….‬هم‭ ‬الحجب‭ ‬الكبار‭ ‬و‭ ‬المدخل‭ ‬فيهم‭ ‬يشير‭ ‬بذلك‭ ‬إلى‭ ‬معنى‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬الحديث‭ ‬الشريف‭  ‬الذي‭ ‬رواه‭ ‬الإمام‭ ‬أحمد‭ ‬والبخاري‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬المفرد‭ ‬و‭ ‬أبو‭ ‬داود‭ ‬وابن‭ ‬حبان‭ ‬والطيالسي‭ ‬عن‭ ‬أبي‭ ‬هريرة‭ ‬مرفوعا‭: ‬لا‭ ‬يشكر‭ ‬الله‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يشكر‭ ‬الناس‭. ‬وهو‭ ‬حديث‭ ‬صحيح‭ ‬صححه‭ ‬الألباني‭ . ‬ورواه‭ ‬أحمد