
ازدواجية الشرق الأوسط بين الصراعات والإبداع
يعيش الشرق الأوسط اليوم مفارقة تاريخية؛ فهو مسرح للحروب والصراعات، لكنه في الوقت ذاته يعج بالحركة الثقافية والفنية، من المعارض التشكيلية إلى عروض الأزياء الطليعية. ومع ذلك، يغفل الكثيرون عن أن هذه المنطقة نفسها شهدت في أوائل سبعينيات القرن الماضي إنجازًا ثقافيًا وفنيًا متفردًا، سابقًا لعصره: تأسيس دار الأزياء العراقية (دار الأزياء العراقية).
في قلب هذه المؤسسة الرائدة وقفت فريال الكيلدار، المصممة العراقية الشابة ذات الرؤية الطموحة، التي قادت الدار لما يقارب خمسة وثلاثين عامًا، محولة إياها من مجرد دار أزياء إلى ثورة ثقافية وفنية، تنبض بالحياة مستلهمة عمق الإرث الحضاري لبلاد الرافدين والعصور الذهبية للحضارة العربية، عبر إعادة ابتكار الجماليات التاريخية في صياغات معاصرة تمزج بين أصالة الفن وحداثة التعبير.
إحياء الحضارات القديمة عبر الأزياء
لم تكن دار الأزياء العراقية مجرد مكان لتصميم الملابس، بل كانت سردًا بصريًا متكاملًا يروي التاريخ عبر النسيج. تحولت كل قطعة أزياء إلى لوحة فنية تجسد العمق البصري والثقافي لبلاد الرافدين. مستوحية من الفنون السومرية، البابلية، العباسية، والعربية الإسلامية، قدمت الدار تصاميم لم تقتصر على كونها أزياء ترتدى، بل أداءً مسرحيًا ملحميًا مصحوبًا بالموسيقى الأوركسترالية والعروض الراقصة، مما جعل من عروضها تجربة فنية متكاملة.
لم يكن تصميم زي واحد مجرد عملية خياطة، بل كان رحلة إبداعية تستغرق أحيانًا عامًا كاملًا من العمل الدقيق، حيث تندمج الزخرفة بالتطريز، ويتداخل الخط العربي مع الألوان الزاهية لتشكل سيمفونية من الجمال. ومن أبرز التجارب الفنية التي نهضت بها الدار كانت إعادة إحياء مقامات الحريري—التحفة الأدبية العربية في القرن الثاني عشر، والتي اشتهرت بسردها البصري الغني. عبر الأزياء، نجحت الدار في استدعاء هذه السرديات التصويرية، لتؤكد أن الحضارة الإسلامية لم تكن يومًا معادية للفنون البصرية، بل كانت سبّاقة في الإبداع الفني والجمالي، قبل الحداثة الغربية بقرون.

الموضة كأداة مقاومة: الإبتكار في ظل الحصار
في سنوات الحصار الاقتصادي القاسي على العراق، حين كانت الموارد نادرة والإنتاج الفني مهددًا بالاندثار، تحولت دار الأزياء العراقية إلى رمز للإصرار الوطني والابتكار الخلّاق. لجأ المصممون إلى مواد غير تقليدية، مثل أكياس الخيش المستخدمة لتخزين الأرز (“الكواني”)، ليحولوها إلى تحف فنية مطرزة بأساليب راقية. كان هذا العصر بمثابة تحدٍّ للإبداع في مواجهة الحرمان، حيث أثبتت التجربة أن الفن ليس رفاهية مشروطة بالمواد، بل رؤية تتحدى القيود وتصنع الجمال من المستحيل.
جهد جماعي: دور الفنانين العراقيين
لم تكن دار الأزياء العراقية ثمرة عبقرية فردية فقط ، بل كانت عملاً تشارك فيه نخبة من أبرز الفنانين العراقيين، الذين أصبحوا فيما بعد رواد الفن التشكيلي العربي المعاصر. فقد ساهموا في تصميم الزخارف، التطريز، والتكوينات اللونية للأقمشة، مما جعل الدار ليست مجرد منصة للأزياء، بل ظاهرة فنية متكاملة تمزج بين الفن التشكيلي والتصميم النسيجي، في تجربة نادرة أثبتت أن الموضة ليست مجرد صناعة، بل نافذة ثقافية تعكس هوية الشعوب.
الحاجة الملحّة للحفاظ على هذا الإرث
إن شخصيات رائدة مثل فريال الكيلدار، وغيرهم من المبدعين الذين حفّزهم الشغف والرؤية، يستحقون أن يتم توثيق إرثهم وحفظه. إن عملهم شهادة على عصر كانت فيه بغداد منارة للإبداع الفني والفكري، قبل أن تجتاح المنطقة موجات العولمة التي غيّبت الهوية الأصيلة لصالح تقليد أعمى للمنتجات والأفكار الغربية.
من الضروري اليوم توثيق التاريخ الشفوي لهذه التجربة الرائدة، ليس كاسترجاع للماضي فحسب، بل كأداة تعليمية تلهم الأجيال القادمة. إن إدراك كيف كان العراق في مقدمة الإبداع في الفن والهوية والمقاومة الثقافية من خلال الأزياء، سيساعد في إعادة الاعتبار لتاريخه المنسي، واستعادة سرده الحضاري الحقيقي.
دعوة إلى العمل
لم تكن دار الأزياء العراقية مجرد مؤسسة لصناعة الملابس، بل كانت ثورة فنية، مؤسسة ثقافية، وشهادة حية على الإمكانات الإبداعية للعالم العربي. واليوم، آن الأوان لإعادة إحياء هذا الإرث وتوثيقه، لضمان عدم ضياع روح الريادة والإبداع التي ميزت العراق وفنانيه.
على العالم أن يعيد النظر في دار الأزياء العراقية ليس باعتبارها مجرد إنجاز ماضٍ، بل كمصدر إلهام للمستقبل، حيث يمكن للأجيال القادمة أن تستعيد تراثها، وتتجاوز الحدود التقليدية في الإبداع والفن.
























