النقد الفقهي المعاصر للمفكر محمد شحرور

 

عباس الحسيني

لم تنل دراسات محمد اراگون اهتماما كبيرا على الساحتين، الفقهية والأكاديمية فحسب، بل وتعدى ذلك إلى ميادين التفكير الثقافي، وذلك لما للرجل من إسهامات كبرى في تحديث القراءة المتأخرة للنص الديني ولكل نص مقدس
قبيل الألفية الأولى ظهرت عدة اسماء عربية كبيرة مهدت للتحديث في الخوض في خبايا النص المقدس وإعادة تقييم مجمل الموروث الديني عبر تجلياته التاريخية، كانت آثار المفكر محمد اراكون، التي اثر كتابتها باللغة الفرنسية بمثابة الطريق إلى تشجيع أعلام ومفكرين للخوض في ذات التجربة الكبرى

ولعل اهم مفكر في ميدان النقد وإعادة قراءة النصوص هو المفكر الإسلامي الدكتور محمد شحرور ، وهو يعتبر نتاجا خصبا للحالة العربية ، حيث نشأ في سوريا ودرس الهندسة المدنية في روسيا، وهو تحول إبداعي جاء نتيجة الاحتكاك في البيئة السورية التي مثلت في خمسينيات القرن مزيجا من السعي القومي ورفع شعارات التحرر عبر رمزية عبد الرحمن الكواكبي وجمال الدين الأفغاني ، حتى ظهور السلفيين الجدد والمصححين لقراءات الحديث على غرار ناصر الدين الالباني ، وهناك السعي المحموم لجماعة الإخوان المسلمين المتاثرين بطروحات سيد قطب وحسن البنا

لكن المفكر الدكتور محمد شحرور اثر الخوض في ميدان اللغة، وبالارتكاز على تراث الإمام النادر عبد القاهر الجرجاني وسفره الخالد اسرار البلاغة ودلائل الإعجاز ، وقد نوه محمد شحرور إلى أهمية حكمة ابن كثير في التصدي للنص القراني بقوله: القران يفسر بعضه بعضا فإذا أعياك فعليك بالحديث. وهكذا كانت منهجية محمد شحرور تعتمد الاستدلال على الجذر اللغوي لمصطلحات القران مع شيء من السند الاجتماعي الذي اقتبسه من جهود علم الأنثروبولوجيا ، وطبيعة التحول التطوري للفكر الإنساني وعلاقته بالدين والكتب السماوية

انجز الدكتور محمد شحرور كتابه الأهم الكتاب والقران وأردفه بـ ٣٩ كتابا في الإرث عبر منظومة رياضية ، وفقه المرأة والتبادلات التجارية مع بحثه الأهم في طبيعة السلطة الدينية ونقد آثار المفكر الباكستاني عبد الأعلى المودودي

تكمن أهمية جهود محمد شحرور في اضاءة النص القراني بعمق معرفي وربط المنجز المعرفي الإنساني بالوجود الديني ، وهي سابقة فكرية تاريخيّة لم يسبقه اليها احد، فالنص القراني لدى محمد شحرور شبيه بنظرات المفكر اللبناني الراحل هاني فحص ، عبارة عن منظومة متكاملة من التفاعل الخلاق بين نبوءة النص وبين حضوره الراسخ في حياة الأفراد

حاول محمد شحرور هدم الفجوة بين الإنسان المسلم وبين المنظومة الإسلامية المتزمتة وذلك بإعادة الثقة في الفرد وجعله محور الرسالة الإلهية ، وليس مجرد عينة بشرية في مختبر الفتوى والإنكاسات القومية

جعل محمد شحرور فهم النص القراني حذرا ودقيقا وقابلا للخوض عبر دقة المصطلح وتدبر حقيقة اللسان العربي المبين ، مبينا ان اللغة القرانية إنما تعيد صياغة وقولبة اللغة العربية وربما بقية اللغات العالمية ، لما يكتنز النص القراني من دقة الاستخدام والتنظيم المعجز للمصطلحات مع الأخذ بنظر الاعتبار حكمة النص في قوانين الحياة بين نقل الملكية واحقاق العدل والانتصاف للمرأة والطفل والأسير والمعدم والفقير وجعل النص انسانيا في الفهم والتدبر

الحديث عن جهود الدكتور محمد شحرور وتجربته الفقهية في معيار التحليل والتقييم كما أشار هو نفسه وهو امر قابل للتداول والتغير عملا بقدرات النص القراني وطواعيته ومرونته الزمنية والدلالية