مقتربات فاحصة في كتاب خان الدراويش لحميد المختار

مقتربات فاحصة في كتاب خان الدراويش لحميد المختار
سلطة المكان.. من شراسة العتمة إلى سماحة الضوء
علي شبيب ورد
لإجرائنا الفاحص هذا، نقترح مدخلا قرائيا، ألا وهو سلطة المكان لأننا وجدنا، أن المكان هو العنصر السردي الأكثر هيمنة على العناصر السردية الأخرى، في معظم نصوص كتابنا الماثل. ومن هذا المدخل، نحاول تلمس باقي العناصر السردية، التي صاغتها لنا الورشة السردية لحميد المختار وذلك عبر جملة مقتربات هي العنوان» البنية العلامية» البنية الدلالية» التقنيات الكتابية» رؤية تأويلية.
العنوان» مقترب أول
يشير التجاور اللغوي لمفردتي العنوان أيقونيا إلى قصدية تقنية من لدن القاص، في إبداء أهمية مركزية لعنصر المكان، والذي يستبطن دلاليا منظومة اجتماعية. ومن هنا سنكون في مواجهة هيكلٍ مكانيٍّ تنتجه مفردة الخان بينما تحيلنا المفردة الثانية الدراويش إلى عائديته الحيواتية. من هنا يفترض بالمتلقي أن يرسم داخل مخيلته، هيكلا علاميا للعنوان المكان ومن ثم يستحضر المناخ الحياتي، لهذا المعلم الاجتماعي، المتخيل قرائيا. كما أن العنوان يؤكد أن خان الدراويش يشكل بؤرة مكانية مركزية، تدور في فلكها كل تمثلات المكان الأخرى في النصوص الماثلة. وهذه العنونة التي تحيلنا إلى مكان تجمع الدراويش، المعروفين بميلهم لطقوس العزلة والتقرب إلى الله، وعمل العزوم والتجليات العرفانية. وعلى هذا فالمكان هنا يتميز عن باقي أمكنة النصوص المغلقة أو المفتوحة، بكونه مغلق ومفتوح في آن. لأنه رغم انغلاقه على مناخ وشعائر اجتماعية محددة، إلاّ أنه منفتح أيضا على فضاءاتٍ علوية، كونه يقيم علاقات تناصية مع مرجعيات معرفية سماوية خارج المحددات الأرضية. والقاص يؤكد أيضا إلى أن بلاده رغم ما تنطوي عليه من أمكنة مغلقة ومعتمة ومانعة للتحرر والانطلاق، فيها من الأماكن أيضا، ما هو منفتح ومضيء على فضاءات أمل للتجلي الروحي والتحرر العقلي. ويمكننا القول أيضا، بان هذا العنوان بالنسبة للقاص، يمثل معادلا رؤيويا، لكل الأمكنة الأخرى، بكل ما تحمله من معاني الانغلاق والحلكة والقمع الجسدي والاحتباس النفسي والوجداني. والعنوان إنما يكشف عن مدى حب القاص لبلاده التي رغم أنها حفلت بالسجون والمصحات والثكنات وجبهات القتال والسواتر وحقول الألغام، لكنها أيضا، لا تخلو من الأماكن المحببة المغلقة والمنفتحة أيضا،أفقيا وعموديا وخاصة خان الدراويش بمناخاته المنتجة للعلاقات الإنسانية والتجليات الصوفية.
البنية العلامية» مقترب ثانٍ
بعد العنوان الرئيسي يواجهنا الإهداء الصريح إلى أخوته شهداء المقابر الجماعية، ثم تتوزع نصوص الكتاب على قسمين، الأول خان الدراويش ويضم 12 نصا، لكنها تتفرع إلى نصوص عدة. فالنص السادس يتوزع إلى 6 نصوص، والسابع إلى 6 نصوص أيضا، والتاسع إلى 6 مقاطع، والعاشر إلى عدة عناوين فرعية، بينما الأخير تفرع إلى 11 قصة قصيرة جدا. وقد تجزّأت القصة العاشرة إلى 3 قصص. أما القسم الثاني طائر الوحشة فقد ضم 15 نصا، يتوزع النص الثالث إلى 7 نصوص، والخامس إلى عدة عناوين فرعية، والثالث عشر إلى جزأين . بالإضافة إلى أنه أنهى كل نص بتاريخ كتابته، لنستنتج أنه كتب في سنوات ما قبل التغيير، حيث الحروب والحصار والفاقة والموت الجماعي.
يكشف لنا التشريح أعلاه، اعتماد القاص على شبكة من العناوين والمتون النصية، التي تتوزع على صفحات الكتاب. وهو بهذا يعرض للمتلقي كتابا سرديا وفق موجهات قراءة، هذه الموجهات من شأنها أن تمنحه فرصة التمتع بفرجة قرائية، فيها وقفات استراحة. وهذه الوقفات يمكن لها أن توفر للمتلقي، فرصة التفكير أو التأمل في النصوص المقروءة آنفا، ومن التهيوء باستحضار ما في مخيلته من خزين معرفي، للشروع بقراءة جديدة. ومن هنا يحقق القاص هدفه المنشود في كسر الملل عند المتلقي، كيما يؤدي إلى تواصله في قراءة كل نصوص الكتاب. ولو تأملنا في متون النصوص، لوجدنا أن بعض العناوين تليها اقتباسات من نصوص مرجعية، بعضها تراثية أو أسطورية أو عرفانية. كما أنه يدخل اسمه في النسيج الكتابي لبعض النصوص، وفيها محاولة منه لتخليد اسمه في هذا الأثر السردي، وهذا ماثل في نصي التهليلات و الدهماء . وعمد القاص أيضا، إلى صيغة كتابة متواليات نصية، تنطوي على عدة نصوص مكملة لبعضها، وكل نص منها منفتح على ما قبله وما بعده. وبهذا نجد أن كتابنا السردي، قد تمفصل إلى نصوص عدة، رسمت لنا بنية علامية ذات ريازة جمالية تستبطن شبكة مسارب دلالية وفق أبنية أفقية وعمودية، مثيرة ومحرضة للتأويل لدى المتلقي. القاص نجح في الإفادة من العتبات أو المرادفات أو المجاورات النصية الداعمة لمتن النص الأصلي، تلك التي أشار إليها جيرار جينيت في كتابه العتبات والتي عرفها د. سعيد يقطين بـ البنية النصية التي تشترك وبنية نصية أصلية في مقام وسياق معينين، وتجاورها محافظة على بنيتها كاملة ومستقلة، وهذه البنية النصية قد تكون شعرا أو نثرا، وقد تنتمي إلى خطابات عديدة، كما أنها قد تأتي هامشا أو تعليقا على مقطع سردي أو حوار وما شابه 2.
البنية الدلالية» مقترب ثالث
كما هو معروف أن البنية العلامية داعمة للبنية الدلالية، بفضل ما تمنحه من فرص محتملة لقراءة منتجة لعدة نصوص تأويلية من لدن المتلقي. وقد تنوعت البنيات الدلالية لنصوص الكتاب، لذا سنتعرض لبعضها، كنماذج يمكن لها أن تفي بالغرض المطلوب من إجرائنا الفاحص هذا. إن في قراءتنا للنصوص ومعرفتنا بسفر كاتبها، ما يفصح إلى أنها ولدت من تجارب حقيقية وقاسية، في المصحات العقلية وردهات الموت والسجون والمحاجر، إضافة إلى أنها استفادت من تجارب إنسانية غاية في الشاعرية والألق الروحي والجسدي، عبر مخاضات الحب حد الموت والموت حبا للوطن والمقدسات…. 3.
في نص الزمن الغابر تنفتح سلطة المكان على أبعاد أفقية، حيث العرض الفضائحي لطفولة السارد المعذبة، جراء الجوع والعوز والأسى. بينما في نص أسطورة قبائل الماء كشف جريء وإشهاري عن حياة التشرد والإهمال لسكان الجنوب. إن هذين النصين ينطويان على موقف متمرد تجاه النظام الشمولي القائم آنذاك، ولعلهما كانا سببا في ما تعرض له الكاتب من مضايقات وعسف تركت سيارتي وسط الشارع الصاخب ونزعت بدلتي الأنيقة وحذائي اللامع وانطلقت بهم راكضين في حمّى هجوم ممتد إلى مسارب الطفولة، نحطم كل شيء في طريقنا،…. .ص15. ولفرط شراسة وقسوة الظروف الضاغطة على حياة الناس آنذاك، وغياب المشاعر الإنسانية، يفقد السارد في نص طبل كل ما يشير إلى آدميته. إذْ يجد نفسه وقد أصبح مجرد شيء لا أكثر، فيتحول إلى طبل أجوف، وذلك عبر حركة سردية مشوقة، لنص غرائبي لا معقول، وخاصة في نهايته الصادمة والمشاكسة بانزياحها الدلالي الواخز. وما ذهبنا إليه هنا، ينطبق على نصوص ذيول و غابة العمة الشوكية و الدخول في المتاهة أيضا.
أن سلطة المكان تنفتح على أبعاد أفقية وعمودية أيضا، عبر التناص مع الموروث الثقافي وبالأخص الصوفي، حيث التواصل الروحي مع الأعالي النورانية، وفق طقوس الرياضات الروحية والعزوم العرفانية. ويتبدى هذا في نصوص خان الدراويش، ومشاورات المجمع الفلكي بنصوصه الستة، وطائر الوحشة بنصوصه السبعة، وسواها من النصوص والتي يتسم معظمها بمناخ سردي يتعالق ومجريات شعائر الدروشة والزهد والوجد والتأمل الصوفي الخالص. والملفت في هذا الكتاب تناوله لموضوع الموت، بوصفه مهيمنا مرعبا على حياة الناس آنذاك. فأغلب النصوص لا تغادر هذا الموضوع، وفي غورنا لنص طائر الوحشة كنموذج لما أشرنا إليه، بنصوصه السبعة التي حملت أسماء سبع ليالٍ هي الرؤيا» الاستهلال» الوفود» الشفعاء» النذور» التعازيم» اليقين والذي تتناول ليلته الأولى حلماً أو رؤيا مرعبةً لشيخ الجامع، والذي داهمه خلال فترة مرضه التي دامت أسبوعا كاملا. لتبدأ الليلة الثانية بإحضار جثة الجندي الشهيد إلى محلة السارد، وتتوالى الليالي حتى الليلة الأخيرة اليقين التي تتضمن مشهد صعود الجثة إلى الأعالي في موكب من نور. وفي هذا انزياح دلالي صوب تخليص الجسد من عتمة وضيق وأغلال سلطة المكان بالتناص مع مرجعيات راسخة توارثتها الذاكرة الجمعية، أو مع نصوص تاريخية وأسطورية أو سواها.
التقنيات الكتابية» مقترب رابع
لقد عمل القاص على الإفادة من مجمل التقنيات الحديثة في الكتابة السردية الآن، والتي من شأنها أن تنشط كفاءة البث في المنظومة الاتصالية للنصوص الماثلة. ويمكن لنا الإشارة الى أهمها، وفق ما يلي
ــ تقف في مقدمة تقنيات هذا الكتاب، هو محاولة الكاتب للتحرر من هيمنة سلطة المكان بالخروج من عتمته وضيقه وقيوده، الى الضوء والرحابة والحرية، وذلك بالحراك عموديا وأفقيا بحثا عن أماكن أو عوالم أو فضاءات جديدة. وهذا يتضح في النصوص المتناصة مع المرجعيات النصية التاريخية والأسطورية والعرفانية. وهذه التقنية تعتمد الإجابة على جملة أسئلة مثل أين هو المكان؟ هل هو حميمي أم غريب؟ صديق أم معادي؟ يسير أم عسير؟ مألوف أم غير مألوف؟ أفقي أم عمودي؟ مفتوح أم مغلق؟ وهكذا.
ــ وعلى هذا فهو بالضرورة، وفق التقنية أعلاه، يعمل على أجراء خرق تقني لأبعاد بنية الزمان الماضي» الحاضر» المستقبل عبر التداخل بين الأزمنة، وفق أربع حركات سردية هي الحذف والوقفة الوصفية والمجمل أو الإيجاز وأخيرا المشهد الحواري . والحركات الثلاث الأولى تكاد تتمثل في مجمل النصوص الماثلة، عدا الأخيرة التي لمسناها في بعض النصوص. وهذه التقنية تعتمد الإجابة على سؤال جوهري هو أي زمان؟ ويمكن لنا تلمس تقانة التلاعب بعنصر الزمن في نص الدخول في المتاهة ونص لعبة الوهم والمصادفة .
ــ المعروف أن الحدث يشكل عنصرا مهما في النص السردي، وتقنية إعادة إنتاج الأحداث تقوم عادة بالإجابة على عدة أسئلة مثل كيف جرى الحدث؟ ولماذا جرى؟ وما احتمالات تداعياته؟ والقاص استخدم في ذلك جملة أساليب للوصول الى أهدافه الاتصالية، في إغواء المتلقي وحثه على التواصل القرائي مع النصوص. ومن أهم أساليبه هو التقاط اللحظة السردية المنتجة للتشويق أو اللذة الاتصالية لدى المتلقي، إذ ليس كل ما يجري في الواقع يصلح للسرد القصصي. والقاص أولى أهمية خاصة للاعتماد على أداة الشرط السحرية لو في رسم أو توصيف تداعيات الأحداث، مع أهمية الانتباه إلى ضرورة تصاعد إيقاع حركة السرد، في معظم النصوص الماثلة. ولم يهمل القاص أيضا عنايته الفائقة، بالنهايات المثيرة والصادمة لنصوصه الماثلة، ونجد هذا في نصوص المراحيم و مقبرة الانكليز و ذئاب . ويتم ذلك عبر البحث عن أجوبة شتى لأسئلة مثل ما هي النهاية؟ وكيف تكون؟ مغلقة أم مفتوحة؟ وما السبيل لجعلها غرائبيةً ومدهشة؟
ــ أجرى القاص بعض التنويعات في آليات مثول السارد والشخصيات الأخرى في النصوص المفحوصة، ولعل السارد العليم هو الأكثر مثولاً وهيمنة على مجمل إيقاعات حركة السرد القصصي للكتاب. كما لمسنا صوت السارد الشخصية في معظم النصوص، عدا نصي الطبل و ذيول إذ يهيمن فيهما صوت السارد الشيء على حركة السرد والفضاء السردي عموما. وقد استخدم القاص في نصوص الكتاب، ثلاثة مظاهر لصوت السارد وهي ضمير المتكلم وضمير المخاطب وضمير الغائب . أما باقي الشخصيات فقد كانت تدور في فلك السارد، وبتمثلات عدة، وربما يتخفى السارد أو يظهر جليا، أو يتقمص بعض الأدوار. وتتجلى هذه التقنية بالإجابة على بعض التساؤلات منها من هي الشخصية؟ وما طبيعة علاقتها بالشخوص والأمكنة والأزمنة والأحداث، وسواها؟.
ــ كذلك عمد القاص الى تقنية تشظية الحكاية، سواء بتجزئة النص الى نصوص أصغر منفتحة على بعضها أو بتجزئة النص الصغير الى مقاطع نصية تتكامل في تتابعها الحكاية. ويهدف هذا الأسلوب الى تشتيت أفق التلقي، وكسر الإيهام لديه، ومنحه فرصة التفكير في تداعيات السرد والتعامل مع النص المقروء بوعي وتقييم جاد، اعتمادا على خزينه المعرفي. ويكاد هذا ينطبق على معظم نصوص الكتاب. وتتضح هذه التقنية إضافة الى الأمثلة السابقة، في نصوص روما مدينة مفقودة بنصوصها الستة، و ليلة السلحفاة و التهليلات بعناوينها الثانوية، و امرأتان ورجل بجزأيها، وزهور تيريزا و زهرة الدانتيلا السوداء وسواها.
ــ وعادة ما يعمد القاص الى تقانة الانفتاح على مجاورات نصية أو إجناسية أخرى سمعية أو بصرية أو سمعية بصرية ومن أهمها الفنون الإذاعية والفنون الأدبية كالشعر والقصة والرواية والمسرح والتلفزيون والسينما، وسواها. وهنا يمكن الإشارة الى نصوص فصول العائلة بأجزائه الستة، و التهليلات و الوصايا و الدهماء و آخر العبيد و وحوش الصالة . ليس عن طريق استدعاء مجتزآت نصية من تلك المجاورات وحسب، بل عمد كذلك إلى محاكاة سياقاتها الفنية بغية تحقيق مناخ بث خصب في عملية الاتصال والتلقي.
ــ وكذلك اعتماد القاص على تقانة التداعي عن طريق الاستمرار في البحث عن كل ما من شأنه أن يفيد في تواصل جريان الأحداث، وذلك عبر محاولة ابتكار او افتراض تطورات محتملة لمجريات السرد القصصي في اغلب النصوص. وكذلك الإفادة من متحف المخيلة لاستذكار صور الأمكنة والشخوص والحوادث التي تحتفظ بها خزائن الأزمنة. والإفادة أيضا من السرد التاريخي، لعرض مجريات الأحداث، وكذلك التناص مع أهم المناطق المضيئة والمتوهجة في الأسفار والمدونات النصية والشفاهية في الموروث الأدبي والتاريخي والأسطوري والديني. ويمكن ملاحظة الإفادة من السرد التاريخي في نص الدهماء تحديدا.
رؤية تأويلية» ملحق استنتاجي
بعد هذه الرحلة الأركيولوجية في عوالم نصوص كتابنا المفحوص، لاستنطاق لقاه السردية، نحاول استنتاج رؤية تأويلية لتجربته السردية في هذا الكتاب. والذي نزعم أنه يستحق أن يكون ممثلا كفوءاً لتجربته الإبداعية. كونه يمثل شهادة حية لمرحلة كارثية عاشها القاص في بلادٍ غالت كثيرا في انصياعها لنزوات حكامها المجبولين بحب نهب العرش وحمايته بأكثر الأساليب دموية، ومن ثم الاستماتة من أجل توريثه لسلالات آل بيتهم على مر العصور. ولكن كيف يتسنى لنا ذلك؟ هل نكتفي بالنصوص الماثلة؟ أم ندعمها بما نعرفه أو ما نسمعه أو ما نقرؤه أو ما وصفه لنا الآخرون عن الكاتب والأشياء وأماكن وقوع الأحداث؟ أو سواها من المعلومات؟ والتي أشار إليها ميشال بوتور بقوله ليس الآخرون، بالنسبة إلينا، ما رأيناه فيهم بأعيننا وحسب، بل هم إلى ذلك ما أخبرونا به عن أنفسهم، أو ما أخبرنا به غيرهم عنهم، وليسوا كذلك أولئك الذين عرفناهم، بل كل الذين ترامت إلينا أخبارهم. وهذا لا ينطبق على الناس وحدهم، بل ينطبق كذلك حتى على الأشياء والأماكن، كالأماكن التي لم أذهب إليها مثلاَ، ولكنها وُصِفتْ لي. 4.
وعلى هذا نخلص إلى أننا نحاول الإفادة من كل ما يخدم سعينا لتتويج إجرائنا الفاحص هذا، برؤية تأولية لورشته السردية المنتجة لهذا الكتاب. فقد قرأنا نصوصا سردية، كان فيها للمكان اليد الضاغطة على باقي عناصر السرد القصصي. ولعل هذا طبيعيا بالقياس للظروف الرهيبة والمأساوية التي مرت بها البلاد إبان العهد الفائت، والتي عملت على تصحير الأرواح والأجساد قبل الأماكن والحوادث والأشياء. فكانت مفردات مثل السلطة والحرب والحصار والجوع والظلمة والموت والسجون والمصحات وافتعال الجنون والخيانة، وسواها من مخرجات الوضع الكارثي. تمثل رموزا مهولة تنتج في تآزرها، شبكة أسر وتقييد لحركة القاص، الذي أبدى مهارة عالية في ابتكار وسائل شتى للتقليل من قدرتها على شل حركته حياتيا وإبداعيا. إن شراسته المكان، لم تمنع القاص من تطويع المفردات لخدمة حركة السرد القصصي. وعلى الرغم من جبروت سلطة العتمة والعقم واليأس، نجح القاص بإعادة إنتاج الواقع، في نصوصه، عبر فرض جبروت آخر، ولكن لسلطة الضوء والخصب والأمل. من خلال استنفار كل طاقات السرد المتاحة، لإنتاج نص يبدد خرس اليأس ببلاغة الأمل، وخرائب العقم بخمائل الخصب، وشراسة العتمة بسماحة الضوء.
إشارات
1 ــ مديح الكتابة والتخييل القدس العربي» العدد 6691 في 14»12»2010.
2 ــ انفتاح النص الروائي ط2 » المركز الثقافي العربي» بيروت2001» ص99
3 ــ مجتزأ من النص المدون في الغلاف الأخير لكتابنا المفحوص خان الدراويش . 4 ــ بحوث في الرواية الجديدة ط2 » منشورات عويدات» بيروت» 1982» ص5.
/5/2012 Issue 4193 – Date 7 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4193 التاريخ 7»5»2012
AZP09