سمير درويش
الدولة المصرية في موقف لا تحسد عليه الآن فيما يتعلق بطريقة مواجهتها لمظاهرات وشغب أنصار جماعة الإخوان المسلمين؛ وعنف الفصائل الإرهابية المسلحة المرتبطة بها، والتي تتحصن في سيناء وتمد عملياتها النوعية لمساحات أوسع بين المدنيين، وآخرها التفجير الإجرامي الذي طال مديرية أمن المنصورة والبنايات المحيطة بها. ذلك أنها حين ذهبت للقضاء وصدر حكم بالحبس على فتيات 7 الصبح لم تسلم من انتقاد أنصارها أنفسهم باعتبار الحاكم جائرًا ومشددًا، وحين أصدرت قانونًا للتظاهر تعتقد أنه يساعدها على بسط سيطرتها الأمنية جوبه بمعارضة واسعة من كل فئات المجتمع، حتى أن بعض شباب الثوار خرقوا القانون وتعرضوا للمحاكمة والسجن بسببه، وهي حين تواجه المتظاهرين من أنصار الجماعة داخل وخارج الجامعة بقنابل الغاز- وهي مجموعات تستهدف شل الحياة وتعطيل العمل بشكل ظاهر- تسمع من الإعلام كلامًا كثيرًا عن القمع الذي يعود بنا إلى عصر مبارك.. إلخ. حتى أن السؤال الحالَّي الآن هو: كيف تستطيع الحكومة السيطرة على جماعة تمتلك الأنصار والأموال والتنظيم الدولي ومخططاته والأجهزة والدول التي تعاونه حول العالم، دون أن تنتهك الحريات؟
مبدئيًّا لا بد أن نعترف أن هناك انفلاتًا أمنيًّا في مصر أعقب رحيل حسني مبارك في فبراير 2011، بعضه مدبر برعاية جهات كثيرة كانت متنفذة أيام حكمه من رجال شرطة ومخابرات ورجال أعمال، وبعضه يخص امتداد حالة الحراك الثوري وغضب قطاعات واسعة بين الشباب لأن الثورة انحرفت عن مسارها في ظنهم، لكن معظمه ينبع من تكوين الشخصية المصرية ذاتها، تلك التي تنزع إلى خرق النظام وانتهاك القانون كلما واتتها الفرصة، ربما انتقامًا من هرمية الدولة وانتشار المحسوبية والفساد- ليس هذا شأننا الأساسي الآن-، ولم تكن الفرصة مواتية لها كما كانت بعد رحيل مبارك، وقد فشل نظام جماعة الإخوان طوال عام حكمه من بسط سيطرته الأمنية على الشارع المصري، رغم أن رئيسهم وعد بذلك خلال المائة يوم الأولى من حكمه، ورغم أنها تمتلك شبه ميليشات مدربة استعانت بها أحيانًا لحفظ الأمن.
هذا الانفلات موجود ومستمر في ظل نظام ما بعد 30 يونيو، رغم ما يقال عن عودة الشرطة للشارع، والأهم أنه انضاف إليه قوة تخريب متعمد من أنصار جماعة الإخوان، وقوة إرهاب الجماعات العنفية، وهو- الانفلات- بيئة مناسبة لتحرك الإرهابيين بأسلحتهم وسياراتهم المفخخة وأجهزة التحكم عن بعد التي استخدموها في أكثر من مكان: في سيناء ومدن القناة والدلتا، والقاهرة نفسها حين استهدفوا موكب وزير الداخلية نفسه، والانفلات- كذلك- بيئة معرقلة لانتشار قوات الأمن وتأدية عملها بالشكل المطلوب، خاصة أن قطاعات واسعة من المصريين البسطاء لا يحبون رجال الأمن لأسباب تاريخية تتعلق بالأداء الشرطي السيء، الذي لا توجد دلائل على تحسنه بعد هذا الحراك الثوري الحادث منذ سنوات ثلاث. نعود للسؤال: كيف يمكن ضبط الأمن دون الاعتداء على الحريات؟
أنا أتصور أن الخطأ الأكبر لكل الحكومات التي تعاقبت بعد 11 فبراير 2011 وحتى الآن أنها مازالت تعمل بنفس العقلية المباركية، إذ تلجأ إلى الحلول الأمنية لقمع الغاضبين، متسترة بدعاوى مختلفة وفزاعات متنوعة، بدل التصدي بجرأة للملفات الأساسية التي تسبب الاحتقان والغضب بين فئات واسعة من الناس، وبالتالي يؤدي إلى التظاهر والاعتصام والتخريب، وأهم هذه الملفات ملف الفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فمازالت الفجوة شاسعة بين الطبقات بشكل مستفز، بين من يحصلون على وجباتهم من أوربا ومن يحصلون عليها من صناديق القمامة، بين من يحصلون على رواتب وهدايا وامتيازات عينية ومعنوية ضخمة من وظائفهم في الدولة لاسترضائهم وشراء ولائهم، ومن لا يجدون وظائف دنيا تلبي حاجاتهم الأساسية الإنسانية. كان على حكومات تدعي أنها جاءت بعد ثورة وأنها تمثلها، أن تتصدى لهذه الملفات بقوة في محاولة لإنهائها، بدل أن تقمع الغاضبين وتحبسهم بتهم تافهة، الكثير منها ملفق. من شأن هذه الإجراءات- السهلة، إن خلصت النوايا- أن تفصل الإرهابيين عن الغاضبين، الإرهابيين الذين يهدفون إلى التخريب وتعطيل خارطة الطريق بأي ثمن وأية وسيلة ومهما كان أداء الحكومة موفقًّا، والغاضبين الذين لا يعادون الدولة ولا المجتمع، وإنما يعادون السياسات الخاطئة التي تزيد من عزلة وتهميش وتجاهل الفقراء، وتزيد من تقريب والتقرب إلى الأغنياء. ساعتها- فقط- لن تكون القوى الثورية إلى جوار أنصار جماعة الإخوان في الميادين- 25 يناير 2014- يطالبون معًا بإسقاط “حكم العسكر”، رغم التباين الكبير والاختلاف الشاسع بين مفهوم كليهما عن “حكم العسكر” والغايات والأهداف.
من الإنصاف أن نقول إن الأمر ربما لا يكون بهذه السهولة النظرية، إذ إن قوى داخلية وخارجية، وضغوطات كبيرة وصغيرة ومتنوعة تمارس على صانع القرار في هذه اللحظة كي يتخذ هذا المسلك دون غيره، كما أن الحاجة لمنع الانهيار الاقتصادي قد تجعله يهادن هنا، ويقبل هناك ما لا يمكن قبوله في الأحوال العادية. قد يكون هذا صحيحًا وما هو أكبر منه- طبعًا نحن نتكهن في غياب المعلومات والشفافية-، لكن: من قال إن الانتقالات الكبرى سهلة؟ ومن يتوقع من حكومة ثورة- بفرض أنها كذلك- أن تسلك نفس السبل التي سلكتها الحكومات الفاسدة التي ثارت الجماهير ضدها؟ كما أنه من المفترض أن من يقبل تحمُّل المسئولية في ظرف حاد كهذا أن يكون جسورًا ويمتلك في جعبته الحلول غير التقليدية التي تجعله يعبر الأزمة في أسرع وقت وبأقل الخسائر، خاصة أن الخريطة واضحة، واللاعبين مكشوفون ومكشوفة أفعالهم، وأن أنصار جماعة الإخوان يسيرون كالعمي وراء مخططات تنظيمهم الدولي، تلك التي تتبع سياسة حافة الهاوية، إذ إنها فقدت كل شيء، ولا تفكر في الحفاظ على شيء، فتذهب إلى أبعد مما نتوقع. ثم إن هناك تجارب دولية كثيرة- كحالتنا- يمكن الاهتداء بها وتطبيقها بعد فرض أسئلة واقعنا عليها.
ما أقوله إن تفجير مديرية أمن المنصورة ليس الأول ولن يكون الأخير في ظل وضع أمني متدهور بطبيعته، ومظاهر انفلات مجتمعي بائنة، ومخططات داخلية وخارجية تستخدم أنصار جماعة الإخوان والجماعات الإرهابية المسلحة التي تدور في فلكها، لكن الحكومة تتحمل نصيبها من الفشل في ضبط الأمور على مستويين: سياسي وأمني، كلاهما يكمل الآخر ويقويه، من دون ذلك فالدائرة مازالت مفتوحة، وكل الاحتمالات واردة.
























