إختلاط السياسي بالقضائي في قضية 6 أبريل
سمير درويش
ما نشره موقع “البوابة نيوز”، وما أذاعه الصحفي عبد الرحيم علي في برنامجه على فضائية القاهرة والناس، بخصوص تورط محمد عادل المتحدث الرسمي باسم حركة 6 أبريل في “بيع” معلومات لجهات أجنبية مقابل أموال، يعد خطراً بالفعل، إذ يفتح الباب أمام تساؤلات ضخمة تخص خفايا ما يحدث على الساحة المصرية منذ ما قبل 25 يناير 2011 وحتى الآن، ويعيد تقييم أدوار الأفراد والمؤسسات التي تصدرت العمل “الثوري” طوال هذه المدة، كما أنه يعيد طرح السؤال حول أداء الأجهزة الأمنية السيادية، وحقيقة ما تعلمه، وما تعلنه وما تخفيه، والأسباب التي تستند إليها في اتخاذ هذا الموقف أو ذاك، وعن التوقيتات والأدوار.. إلخ.
بداية.. السؤال حول: لماذا سربت الأجهزة الأمنية تسجيلات وفيديوهات محمد عادل في هذا الوقت وليس قبل ذلك، سؤال وجيه، لكنه ليس السؤال الوحيد ولا المهم، فالمعروف أن لدى كل الأجهزة التي تعمل في جمع المعلومات- في كل دول العالم- الكثير الذي تخفيه، والقليل الذي تعلنه، وفق حسابات دقيقة لا نعلمها ولا يجب أن نعلمها. إنما السؤال الأهم هنا يدور حول تورط عادل وغيره في بيع معلومات سرية، سجلها بنفسه أو حصل عليها بطرق غير مشروعة، لجهات تعمل خارج مصر، أيًّا كانت هذه الجهات أهلية أو حكومية، مقابل مبالغ نقدية، فلو صح ذلك فإن الرجل وضع نفسه في خندق ضيق، وإن لم يكن صحيحًا- وهذا جائز بالطبع- فعليه أن يثبت ذلك باعتبار أنه الطرف الأصيل الذي يملك النصف الآخر من الحقيقة.
في أحد الفيديوهات المسربة- وبينما يتم اقتحام مقار أمن الدولة- اتجه عادل مباشرة إلى أجهزة الكمبيوتر، ونزع “الهارد ديسكات” واستولى عليها لنفسه، بما تحويه من صيد ثمين يهم جهات كثيرة داخلية وخارجية، بدا الأمر مخططًا عكس عشوائية اللحظة التي تم فيها الاقتحام، كما بدا أن الرجل يعلم ماذا يريد. كل هذا لم يكن له قيمة لو أنه أعلن وقتها أو بعدها بقليل عما فعل، وكان معظم الناس سيرونه مشروعًا بعده عملاً ضد جهاز قمعي، لكنه لم يعلن، وتعاقد على بيع المعلومات، حسب ما توضح الوثائق المسربة، مما يلقي بظلال كثيفة من الشك حول دوره هذا، ودور الحركة التي ينتمي إليها، حركة 6 أبريل، التي تلقت عناصرها تدريبات متخصصة على مثل هذه الأشياء في أوربا صربيا.
في قضايا من هذا النوع من الخطأ أن يختلط السياسي بالقضائي، فمن الجرم الحكم على المتهمين وفق خلفيات سياسية تنبني على مواقفهم المعلنة، وإلا سقطت هيبة القضاء، وسقطت الدولة، كما أنه- بالمقابل- لا مجال للحديث- الذي يتردد بالفعل- عن تشويه ثورة يناير ورموزها لمصلحة الفلول تمهيدًا لعودة الحكم العسكري، فهنا تحديد الكثير من العورات التي يمكن رصدها، بعضها يخص موقف الدولة ممن يطلق عليهم مجازًا “شباب الثورة”، ومواقف بعض هؤلاء الشباب في المدد المتباينة التي مرت على مصر في السنوات الثلاث الأخيرة. الثابت أن ملايين المصريين شاركوا في الحراك الثوري وليس مئات أو آلاف عدة، وأن مصطلح “شباب الثورة” ومن ينضوون تحته فيه كثير نظر، إذ عمدت السلطات في مراحلها إلى إبراز أسماء دون أخرى، وإقحام شباب من خارج الميدان للتفاوض معهم، غير أن الطامحين وأصحاب الكفاءة في مخاطبة الإعلام صعدوا سريعًا على حساب آخرين لهم أدوار ربما تكون أكبر، هذه واحدة، والأخرى أن الأوراق والتسجيلات الصوتية والمصورة هي الفاصل هنا، مع ضمان نزاهة القضاة الذين سيتداولونها في المحاكم.
هذا الخلط يعد العلامة الأولى على الغباء السياسي، وهو حادث مع الأسف، فقد أعلنت حركة 6 أبريل التي يرأسها أحمد ماهر وينتمي إليها محمد عادل، أنها تفكر في الرد على الحكم القضائي بحبسهما ثلاث سنوات- ومعها أحمد دومة-، ثم أعلنت أنها ستشارك- جنبًا إلى جنب أنصار جماعة الإخوان المسلمين- في تظاهرات 25 يناير 2014 ضد ما يقولون إنه “حكم العسكر”، وهو رد سياسي على حكم قضائي يستند إلى أدلة وبراهين ومستندات وتسجيلات صوتية.. إلخ، وكان الأولى أن يكون الرد بالأسلوب نفسه: مستندات مقابل مستندات، وبراهين مقابل براهين، هذا غير أن موقف الحركة من تظاهرات يناير 2014 انبنى- كعادة مواقفها- على أشياء صغيرة تخص قادتها، وليس على مواقف سياسية مبدئية تغلب مصلحة الوطن.
عن نفسي أتصور أن الوقت حان لكي تكشف كل الجهات جميع المعلومات التي تمتلكها، وأن يتم بث تفريغ للشرائط المحبوسة لدى الجهات السيادية والخاصة بكاميرات المراقبة في مجمع التحرير والمتحف المصري، وغيرهما من الأماكن الحساسة مثل وزارة الدفاع ووزارة الداخلية ومبنى الإذاعة والتلفزيون بماسبيرو، وأن يتم الإعلان عن مدى قانونية التسجيلات هذه والجهات التي تقف وراءها، بل وعرضها على خبراء إعلام للوقوف على مدى العبث بها، إن كان تم العبث بها بالفعل، فالاستمرار في إخفاء الحقائق أو تزييفها يعني أن روح الحراك الثوري لم تصل بعد إلى الفئة المتحكمة، من أمام أو من وراء الستار، وأن جماعات كثيرة مازالت تتحرك بشكل سيئ وهي آمنة، وأن ما حدث يمكن أن يتكرر، وإن بأشكال أخرى.
























