الإختلافات الوهمية بين فصائل الإسلام السياسي

سمير درويش

لا آخذ على محمل الجد الاختلافات التي يحاول تيار الإسلام السياسي إبرازها بين الإخوان والسلفيين، ويسلطون عليها الضوء دائمًا كحقيقة ثابتة لا تقبل الجدل، تلك التي بدأت في الظهور مع تأييد السلفيين لعبد المنعم أبو الفتوح في الانتخابات الرئاسية ضد مرشح الجماعة، ولن تنتهي بمهاجمة منزل د.ياسر برهامي نائب رئيس الدعوة السلفية في الإسكندرية اعتراضًا على موقف حزب النور المؤيد لدستور (الانقلاب)، مرورًا بالاعتراض على (بعض مواد) الإعلان الدستوري المُشكل الذي صدر في 21 نوفمبر 2012، ومبادرة حزب النور- وقتها- التي اقتربت من موقف جبهة الإنقاذ مما عُدَّ تحديًّا للجماعة، إضافة إلى تقسيم الجماعة حزب النور إلى حزبين، وإقالة ممثله في الرئاسة خالد علم الدين بعد فضحه، والاعتداء أكثر من مرة على نادر بكار طفل الدعوة المدلل، واشتراك ممثل للنور في مشهد إقالة مرسي ووضع خارطة طريق تتعدى فترة حكمه.. إلخ، ذلك أن الممعن في هذه المواقف- الاختلافات يمكنه تسجيل عدة نقاط:

– أن حزب النور ممثل الدعوة السلفية يفكر دائمًا بمنطق بديل جماعة الإخوان في الوثوب إلى السلطة حال تعثرها، باعتباره ممثلاً لفكرة الإسلام السياسي، حيث إن بقاء التيار في السلطة أولوية تعلو على مقتضيات الوطنية نفسها لدى الفريقين، خاصة أن الدعوة السلفية ترى نفسها الأحق بهذه السلطة لاعتبارات كثيرة، منها أنها تمثل الدعوة أفضل من وجهة نظرها، وأنها تمتلك الأغلبية الحقيقية في الشارع المصري، وهو ما يرعب الجماعة ويجعلها تنفق الأموال من أجل تفتيت الدعوة السلفية وإضعافها، كما أنها هي التي ساعدت الإخوان للوصول للحكم كما يقول قادتها، وتشهد على فكرة البديل الجاهز للوثوب هذه الاجتماعات المتواصلة التي يجريها التيار السلفي مع أمريكا، ممثلة في سفيرتها السابقة في القاهرة ومسئولين آخرين في الخارجية، والتنسيق حول قضايا مصرية داخلية مهمة وموقف حزب النور منها، مثل لجنة الخمسين مثلاً وقبلها خارطة الطريق.

– فكرة الأغلبية السلفية في الشارع المصري مشكوك فيها بالوقائع، فقد أعلنت الدعوة تأييد عبد المنعم أبو الفتوح في الانتخابات الرئاسية عام 2012، وكان أبو الفتوح فرس رهان متقدمًا على كل المرشحين بفارق واضح، حيث كان يلتف حوله عدد من “شباب الثورة”، ومثقفون بارزون، وكثيرون ممن يميلون إلى نهج الإسلام السياسي ولا يحبون الجماعة، إذ كان يمثل لهم تحديًا لها، ومع ذلك جاء أبو الفتوح رابعًا في السباق، بينما تصدر مرشح الجماعة بضعف الأصوات التي حصل عليها الفتوح تقريبًا. هذه القراءة تحتمل نتيجتين كلتاهما مر بالنسبة للدعوة السلفية: الأولى أن الحديث عن الأغلبية ليس سوى كلام فارغ، خاصة أن الدعوة حصلت على نصف ما حصلت عليه الجماعة- أيضًا- في الانتخابات البرلمانية التي سبقت الانتخابات الرئاسية. والثانية أن تكون الدعوة أعلنت جهرًا تأييد أبو الفتوح، وصوتت سرًّا لمرشح الجماعة، مما يعني أن الكلام عن الاختلافات في المواقف مجرد لغو.

– تتحرك الدعوة السلفية بفصائلها على الساحة السياسية بشكل براجماتي، كالجماعة تمامًا، بما يخدم مصالحها أولاً وما يصب في خانة تقوية الإسلام السياسي ضد الليبراليين والاشتراكيين من أنصار الدولة المدنية ودعاة فصل الدين عن الدولة، ورفض قيام أحزاب على أساس ديني. من هذه الزاوية يمكن فهم محاولات تقربها من الليبراليين دون أن تتخاصم مع فكر الجماعة ومنهجها وأهدافها العليا، ومنها أيضًا نفهم اتصال قادتها بالفريق أحمد شفيق قبل إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية- وقد شاعت أنباء فوزه بالرئاسة- لترتيب وضعها المستقبلي معه، كما يكون مفهومًا مشاركتها في إجراءات عزل محمد مرسي ووضع خارطة الطريق، وفي لجنة الخمسين كحارسة لمواد الدستور المتعلقة بالعقيدة وهوية الدولة.

أتصور أن ارتفاع وتيرة الخلاف بين الجانبين في الفترة الأخيرة، ووصوله إلى مشاهد احتكاك خفيف، لا يضر، وتسويقه إعلاميًّا على نطاق واسع عبر تصريحات كبار قادة الدعوة السلفية، وما يصاحب ذلك من تأييدهم لمسودة دستور (الانقلاب) ودعوتهم للتصويت بنعم، وقد كانوا يعوقون إتمام كتابته ويضعون العراقيل أمام اللجنة وينسحب ممثلهم أكثر من مرة، أتصور أن كل هذا ما هو إلا تمهيد للانتخابات البرلمانية التي على الأبواب، ومحاولة كسب ود المتعاطفين مع الفكرة الإسلامية من خارج المنتمين لها، في ظل معلومات تفيد بأن حزب النور سيكون النافذة التي يدخل منها قادة الإخوان الانتخابات القادمة، وقد يخرج منه مرشحها المستتر للرئاسة، عبد المنعم أبو الفتوح أو غيره من الخلايا النائمة.

الدعوة السلفية بأشكالها وعناوينها جميعًا دعوة رجعية، تهتم بتطبيق شكل الدين أكثر من اهتمامها بجوهره، وتتطرف في التطبيق إلى أقصى حد، فهي المسئولة عن هدم مقابر الأولياء، وتغطية التماثيل والنحت الفني، وتكفير المفكرين والأدباء وإصدار فتاوى قتلهم كما في حالتي فرج فودة ونجيب محفوظ، وتحريم كل مظاهر الحياة حتى السياسة والديمقراطية باعتبارها منتجًا غربيًّا كافرًا بديلاً للشورى الإسلامية. كما أن نوابها في برلمان 2012 هم الذين تصدوا للهجوم على الثوار وتصويرهم بالبلطجية المأجورين الذين يتظاهرون لقاء أجر ويتعاطون المخدرات ويمارسون الرذيلة، والتحالف مع وزارة الداخلية ضدهم.. كما أن من بين صفوفهم النائب الذي أذَّن تحت قبة البرلمان، والذي أجرى عملية تجميل لأنفه وادعى كذبًا أن مجهولين اعتدوا عليه وسرقوا أمواله، ومــنهم النائب الذي مارس الفحش على الطريق الزراعي.