الجزائر تستعرض قوتها في ذكرى الاستقلال وماكرون يعترف بقتل الفرنسيين بطلها الوطني

باريس‭ – ‬الجزائر‭ -‬الزمان

بعد‭ ‬ساعات‭ ‬من‭ ‬عودة‭ ‬الرئيس‭ ‬الفرنسي‭ ‬إيمانويل‭ ‬ماكرون‭ ‬من‭ ‬المغرب‭ ‬في‭ ‬زيارة‭ ‬استراتيجية‭ ‬مالت‭ ‬كفتها‭ ‬لصالح‭ ‬الرباط‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الجزائر‭ ‬في‭ ‬ملف‭ ‬الصحراء‭ ‬،‭ ‬اعترف‭ ‬ماكرون‭ ‬الجمعة‭ ‬بأن‭ ‬القيادي‭ ‬في‭ ‬جبهة‭ ‬التحرير‭ ‬الوطني‭ ‬التي‭ ‬قادت‭ ‬حرب‭ ‬التحرير‭ ‬في‭ ‬الجزائر‭ ‬العربي‭ ‬بن‭ ‬مهيدي‭ ‬‮«‬قتله‭ ‬عسكريون‭ ‬فرنسيون‮»‬،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬مناسبة‭ ‬الذكرى‭ ‬السبعين‭ ‬لاندلاع‭ ‬ثورة‭ ‬التحرير‭ ‬الجزائرية‭.‬

وأعلن‭ ‬قصر‭ ‬الإليزيه‭ ‬في‭ ‬بيان‭ ‬أن‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬‮«‬يعترف‭ ‬اليوم‭ ‬بأن‭ ‬العربي‭ ‬بن‭ ‬مهيدي،‭ ‬البطل‭ ‬الوطني‭ ‬للجزائر‭ ‬وأحد‭ ‬قادة‭ ‬جبهة‭ ‬التحرير‭ ‬الوطني‭ ‬الستة‭ ‬الذين‭ ‬أطلقوا‭ ‬ثورة‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬تشرين‭ ‬الثاني‭/‬نوفمبر‭ ‬1954،‭ ‬قتله‭ ‬عسكريون‭ ‬فرنسيون‭ ‬كانوا‭ ‬تحت‭ ‬قيادة‭ ‬الجنرال‭ ‬بول‭ ‬أوساريس‮»‬‭. ‬فيما‭ ‬احيت‭ ‬الجزائر‭ ‬الجمعة‭ ‬باستعراض‭ ‬عسكري‭ ‬الذكرى‭ ‬السبعين‭ ‬لاندلاع‭ ‬حرب‭ ‬الاستقلال‭ ‬عن‭ ‬فرنسا،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬توتر‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬مع‭ ‬القوة‭ ‬الاستعمارية‭ ‬السابقة‭.‬‮ ‬‭ ‬واستمر‭ ‬الاستعراض‭ ‬العسكري‭ ‬ساعتين‭ ‬ونصف‭ ‬ساعة،‭ ‬إحياء‭ ‬لذكرى‭ ‬ليلة‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬تشرين‭ ‬الثاني‭/‬نوفمبر‭ ‬1954‭ ‬التي‭ ‬شنّت‭ ‬خلالها‭ ‬جبهة‭ ‬التحرير‭ ‬الوطني‭ ‬نحو‭ ‬ثلاثين‭ ‬هجوما‭ ‬ضد‭ ‬رموز‭ ‬الوجود‭ ‬الاستعماري،‭ ‬أسفرت‭ ‬عن‭ ‬عشرة‭ ‬قتلى‭. ‬ودخل‭ ‬هذا‭ ‬اليوم‭ ‬تاريخ‭ ‬فرنسا‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬عيد‭ ‬جميع‭ ‬القديسين‭ ‬الأحمر‮»‬‭ ‬وتاريخ‭ ‬الجزائر‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬الثورة‭ ‬المجيدة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬استقلال‭ ‬البلاد‭ ‬عام‭ ‬1962‭. ‬وأودت‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬بمليون‭ ‬ونصف‭ ‬مليون‭ ‬جزائري‭ ‬بحسب‭ ‬الجزائر،‭ ‬و500‭ ‬ألف‭ ‬قتيل‭ ‬بينهم‭ ‬400‭ ‬ألف‭ ‬جزائري‭ ‬بحسب‭ ‬مؤرخين‭ ‬فرنسيين‭.‬

قبل‭ ‬انطلاق‭ ‬العرض‭ ‬الذي‭ ‬حضره‭ ‬رئيسا‭ ‬تونس‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد‭ ‬وموريتانيا‭ ‬محمد‭ ‬ولد‭ ‬الشيخ‭ ‬الغزواني‭ ‬ورئيس‭ ‬المجلس‭ ‬الرئاسي‭ ‬الليبي‭ ‬محمد‭ ‬المنفي،‭ ‬أكد‭ ‬الرئيس‭ ‬الجزائري‭ ‬عبد‭ ‬المجيد‭ ‬تبون‭ ‬أهمية‭ ‬‮«‬المناسبة‭ ‬الوطنية‭ ‬الخالدة،‭ ‬الزاخرة‭ ‬بكل‭ ‬آيات‭ ‬المجد‭ ‬والعز‭ ‬والفخر‮»‬‭.‬‮ ‬

وأضاف‭ ‬أنها‭ ‬‮«‬تثبت‭ ‬أن‭ ‬الجزائر‭ ‬التي‭ ‬انتصرت‭ ‬بالأمس‭ ‬على‭ ‬الاستعمار،‭ ‬تواصل‭ ‬بكل‭ ‬ثقة‭ ‬درب‭ ‬انتصاراتها‭ ‬بفضل‭ ‬أبنائها‭ ‬وبناتها‭ ‬الأوفياء‭ ‬لعهد‭ ‬الشهداء‭ ‬الأبرار‮»‬‭.‬

وتابع‭ ‬تبون‭ ‬‮«‬حرصنا‭ ‬أشد‭ ‬الحرص‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الاستعراض‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬أبعاد‭ ‬ورمزية‭ ‬الذكرى‭ ‬السبعين‭ ‬وفي‭ ‬مستوى‭ ‬تضحيات‭ ‬صانعيها‮»‬‭.‬‮ ‬

لم‭ ‬يشر‭ ‬الرئيس‭ ‬الجزائري‭ ‬إلى‭ ‬المرحلة‭ ‬الجديدة‭ ‬من‭ ‬تأزم‭ ‬العلاقات‭ ‬مع‭ ‬فرنسا،‭ ‬الناجمة‭ ‬عن‭ ‬إعلان‭ ‬باريس‭ ‬نهاية‭ ‬تموز‭/‬يوليو‭ ‬الماضي‭ ‬دعمها‭ ‬خطة‭ ‬المغرب‭ ‬للحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬و»سيادة‮»‬‭ ‬المملكة‭ ‬على‭ ‬الصحراء‭ ‬الغربية‭ ‬المتنازع‭ ‬عليها‭.‬

وكان‭ ‬الجنرال‭ ‬الفرنسي‭  ‬أوساريس،‮ ‬مسؤول‭ ‬المخابرات‭ ‬السابق‭ ‬في‭ ‬الجزائر‭ ‬إبان‭ ‬الاستعمار‭ ‬الفرنسي،‭ ‬اقر‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬العقد‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬الألفية‭ ‬بقتل‭ ‬بن‭ ‬مهيدي،‭ ‬نافيا‭ ‬الرواية‭ ‬الرسمية‭ ‬التي‭ ‬قدمت‭ ‬مقتل‭ ‬القيادي‭ ‬في‭ ‬السجن‭ ‬عام‭ ‬1957‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬انتحار‭. ‬واعترف‭ ‬اوساريس‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬المصالح‭ ‬الخاصة‭ ‬في‭ ‬الجزائر‭ ‬1955‭-‬1957‮»‬‭ ‬الصادر‭ ‬في‭ ‬2001‭ ‬بانه‭ ‬مارس‭ ‬التعذيب‭ ‬خلال‭ ‬حرب‭ ‬تحرير‭ ‬الجزائر،‭ ‬‮«‬بموافقة‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بأمر‮»‬‭ ‬من‭ ‬المسؤولين‭ ‬السياسيين‭.‬

ويأتي‭ ‬اعتراف‭ ‬ماكرون‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬يخيم‭ ‬توتر‭ ‬شديد‭ ‬بين‭ ‬فرنسا‭ ‬والجزائر‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬بعد‭ ‬زيارة‭ ‬دولة‭ ‬قام‭ ‬بها‭ ‬ماكرون‭ ‬للمغرب،‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬أعلنت‭ ‬باريس‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬تموز‭/‬يوليو‭ ‬دعمها‭ ‬لخطة‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬المغربية‭ ‬للصحراء‭ ‬الغربية‭ ‬المتنازع‭ ‬عليها،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تدعم‭ ‬الجزائر‭ ‬جبهة‭ ‬بوليساريو‭ ‬المطالبة‭ ‬باستقلال‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬عن‭ ‬المغرب‭.‬

ولفت‭ ‬قصر‭ ‬الإليزيه‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الاعتراف‭ ‬بعملية‭ ‬القتل‭ ‬هذه‭ ‬يثبت‭ ‬أن‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬الحقيقة‭ ‬التاريخية‭ ‬الذي‭ ‬باشره‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬مع‭ ‬الرئيس‭ (‬الجزائري‭) ‬عبد‭ ‬المجيد‭ ‬تبون‭ ‬سيتواصل‮»‬،‭ ‬مشيرا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هدف‭ ‬ماكرون‭ ‬هو‭ ‬‮«‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬تشكيل‭ ‬ذاكرة‭ ‬هادئة‭ ‬ومتقاسمة‮»‬‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭.‬

وجاء‭ ‬في‭ ‬البيان‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الرئيس‭ ‬يفكر‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬الأجيال‭ ‬الصاعدة‭ ‬إذ‭ ‬يعتبر‭ ‬من‭ ‬واجبه‭ ‬البحث‭ ‬على‭ ‬الدوام‭ ‬عن‭ ‬السبل‭ ‬لمصالحة‭ ‬الذاكرات‭ ‬بين‭ ‬البلدين‮»‬‭.‬

وذكر‭ ‬البيان‭ ‬بأن‭ ‬العربي‭ ‬بن‭ ‬مهيدي‭ ‬المولود‭ ‬عام‭ ‬1923‭ ‬في‭ ‬قرية‭ ‬قريبة‭ ‬من‭ ‬عين‭ ‬مليلة‭ ‬في‭ ‬جبال‭ ‬الأوراس‭ ‬بشمال‭ ‬شرق‭ ‬الجزائر،‭ ‬كان‭ ‬قائد‭ ‬‮«‬منطقة‭ ‬الجزائر‭ ‬العاصمة‭ ‬المستقلة‭ ‬اعتبارا‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬1956‮»‬‭ ‬خلال‭ ‬‮«‬معركة‭ ‬الجزائر‮»‬‭ ‬عام‭ ‬1957‭. ‬وتابع‭ ‬البيان‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬مثلما‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬اعترف‭ ‬الرئيس‭ ‬بالنسبة‭ ‬لموريس‭ ‬أودين‭ ‬وعلي‭ ‬بومنجل،‭ ‬ترافق‭ ‬هذا‭ ‬القمع‭ ‬مع‭ ‬تطبيق‭ ‬نظام‭ ‬خارج‭ ‬مجتمع‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬والمواطن،‭ ‬سمح‭ ‬به‭ ‬التصويت‭ ‬على‭ +‬سلطات‭ ‬خاصة‭+ ‬في‭ ‬البرلمان‮»‬‭.‬

ولفت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التصويت‭ ‬أعطى‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬‮«‬الحكومة‭ ‬صلاحيات‭ ‬مطلقة‭ ‬لإعادة‭ ‬فرض‭ ‬النظام‭ ‬في‭ ‬الجزائر‭ ‬وسمح‭ ‬عام‭ ‬1957‭ ‬بإصدار‭ ‬مرسوم‭ ‬يجيز‭ ‬تفويض‭ ‬مهام‭ ‬الشرطة‭ ‬إلى‭ ‬الجيش‭ … ‬في‭ ‬الجزائر‭ ‬العاصمة‭ ‬أولا،‭ ‬ثم‭ ‬في‭ ‬الجزائر‭ ‬بكاملها‭ ‬‮«‬‭.‬

وضاعف‭ ‬ماكرون‭ ‬المبادرات‭ ‬في‭ ‬ملف‭ ‬الذاكرة،‭ ‬معترفاً‭ ‬بمسؤولية‭ ‬الجيش‭ ‬الفرنسي‭ ‬في‭ ‬مقتل‭ ‬عالم‭ ‬الرياضيات‭ ‬موريس‭ ‬أودين‭ ‬والمحامي‭ ‬الوطني‭ ‬علي‭ ‬بومنجل‭ ‬خلال‭ ‬‮«‬معركة‭ ‬الجزائر‮»‬،‭ ‬ومندّداً‭ ‬بـ»جرائم‭ ‬لا‭ ‬مبرّر‭ ‬لها‮»‬‭ ‬ارتكبها‭ ‬الجيش‭ ‬الفرنسي‭ ‬خلال‭ ‬المذبحة‭ ‬التي‭ ‬تعرّض‭ ‬لها‭ ‬المتظاهرون‭ ‬الجزائريون‭ ‬في‭ ‬باريس‭ ‬في‭ ‬17‭ ‬تشرين‭ ‬الأول‭/‬أكتوبر‭ ‬1961‭.‬

وكرمت‭ ‬الرئاسة‭ ‬الفرنسية‭ ‬في‭ ‬البيان‭ ‬ذكرى‭ ‬بن‭ ‬مهيدي‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬وأذكى‭ ‬قادة‭ ‬جبهة‭ ‬التحرير‭ ‬الوطني،‭ ‬مؤكدة‭ ‬أن‭ ‬‮«‬العسكريين‭ ‬الفرنسيين‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يعرفونه‭ ‬من‭ ‬سمعته‭ ‬كانوا‭ ‬معجبين‭ ‬به‭ ‬لما‭ ‬يتمتع‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬كاريزما‭ ‬وشجاعة‮»‬‭.‬

وعند‭ ‬توقيفه‭ ‬في‭ ‬23‭ ‬شباط‭/‬فبراير،‭ ‬عرض‭ ‬بن‭ ‬مهيدي‭ ‬على‭ ‬الصحافيين‭ ‬محاطا‭ ‬بمظليين‭ ‬فرنسيين،‭ ‬فظهر‭ ‬مكبل‭ ‬اليدين‭ ‬إنما‭ ‬باسما‭ ‬وهادئا‭.‬

وفي‭ ‬5‭ ‬تموز‭/‬يوليو‮ ‬1962‭ ‬حقق‭ ‬الجزائريون‭ ‬مطلبهم‭ ‬بالاستقلال‭ ‬بعد‭ ‬سبع‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬المتواصلة‭ ‬ومليون‭ ‬ونصف‭ ‬مليون‭ ‬‮«‬شهيد‮»‬‭ ‬بحسب‭ ‬الجزائريين،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يتحدث‭ ‬المؤرخون‭ ‬الفرنسيون‭ ‬عن‭ ‬500‭ ‬الف‭ ‬قتيل‭.‬