قراءة في كتاب الشخصية العراقية

 

برلين- د. نزار محمود

 

قبل أيام صدر عن دار ومكتبة الرواق في بغداد كتاب: الشخصية العراقية بين أجواء المقاهي والقصور والمآذن، لفهم العلاقة بين الثقافة والدولة والدين،
لمؤلفه الدكتور لقمان عبدالرحيم فيلي، سفير جمهورية العراق في المانيا.

يتناول الكتاب موضوعة غاية في التعقيد والأهمية في ذات الوقت. انها موضوعة في الفكر السياسي لادارة مجتمع غائر في تاريخ أحداثه وتنوع مكوناته قومياً وعرقياً ودينياً وطائفياً ومناطقياً وثقافياً. إنه العراق مسرح الأحداث ومجتمعه حفيد امبراطوريات وحضارات وأديان متعددة وصاحب انجازات إنسانية بنت عليها البشرية تقدمها في اختراع الكتابة وسن القوانين واقامة العمران والجنائن واسالة الماء وارواء الأرض والابداع في الأداب والفنون الكثيرة. هذه المعطيات كان لا بد لها أن تترك آثارها في عقلية ونفسية وسلوكية العراقي والتي شكلت بالتالي شخصيته المتميزة، المتأثرة بها تارة، والمؤثرة فيها تارة أخرى.
ان الخوض في عرض وتحليل مثل هكذا اشكالية كان لابد لصاحبها من امتلاك الحس السياسي والاجتماعي، من ناحية، والجرأة على مناقشة ذلك بموضوعية وحيادية، ناهيك عن تحاشي التصادم في تحديد مفاهيم مثل القومية والأمة والشعب والشخصية وحتى مفاهيم “العراقية” والدين والثقافة والدولة!

حاول الدكتور لقمان في كتابه الواقع في ما يزيد عن 250 صفحة من الحجم المتوسط وبالتعامل مع عشرات المصادر من عربية وأجنبية القاء الضوء على ثلاث من العوامل المؤثرة على تشكيل الشخصية، وهي: الثقافة والدولة والدين، والتي رمز اليها المؤلف بالمقاهي والقصور والمآذن. ففي مجتمع كالمجتمع العراقي الغني بثقافاته المتعددة والعريقة، وبقصور حكام انظمة دوله المتنوعة على مر التاريخ، وبأديانه الكثيرة الضاربة في القدم، قد عاش تفاوت وتناوب هذه العوامل في صقل الشخصية العراقية المتمثلة بخصوصياتها المعرفية والقيمية والسلوكية والنفسية.

انها رحلة بين طيات تاريخ العراق المعقد وجوانب شخصية مواطنه المتلاطمة بالعلاقة مع تأثيرات المنحدر الاجتماعي والاقتصادي والديني والطائفي والتعلمي اضافة الى الأحداث السياسية والعسكرية والدموية.

وقد اسمح لنفسي، مستسمحاً الصديق الدكتور لقمان، بأن أتحدث عن العامل الاقتصادي، رغم ان الصديق لم يهمل أو يتجاهل ذلك، باعتباره عاملاً قائماً بذاته لا يقل أهمية في تشكيل تلك الشخصية عن العوامل الثلاثة واردة الذكر. فالعراق أرض السواد، وبإعتباره أرض عبور ومسرح أحداث، كان، وبسبب ثرواته كذلك، مطمع كثير من القوى الخارجية عبر التاريخ، وما يزال، وبالتالي مكان استيطان وعيش اقوام كثيرة فيه.

وقد يكون من المفيد كثيراً التركيز على تأثير العوامل على الشخصية العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 على أثر انهيار الخلافة العثمانية التركية خلال الحرب العالمية الأولى واحتلال وانتداب الانجليز لولايات العراق الثلاث وترسيم حدود دولته الحالية. وفي طرح مستفيض لوجهات نظر وتحليلات مستلة أو مستقلة يبحر المؤلف في عرض تأثير العوامل الثلاث التي حددها في بناء الشخصية العراقية متوخياً الموضوعية ووجهة النظر المستخلصة.

يتميز لقمان بتواضعه ودماثة خلقه، وبسعيه الدؤوب في السعي الى الحقيقة بأسلوب باحث يتوسم الموضوعية دون ان تجرفه علاقة انحدار او انتماء سياسي أو اجتماعي أو مصالح شخصية، هكذا عرفته.
لا يتردد الدكتور لقمان في التعريف عن نفسه بانه عراقي وكردي فيلي، ولد وترعرع في بغداد، ومن ثم غادرها الى بريطانيا ليدرس فيها ادارة الاعمال ونظم معلومات ويعيش فيها فترة طويلة لا تخلو من نشاط معارضة سياسية لنظام حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق.

وبعد غزو العراق واسقاط نظامه البعثي تسنى للدكتور لقمان العمل كسفير للعراق في اليابان وفي الولايات المتحدة الامريكية وهو الان يعمل سفيراً للعراق في المانيا. هذه الدول الأربع التي درس وعاش وعمل فيها المؤلف تعد من أكثر دول العالم تقدماً وقوة اقتصادية.
كما أن اثنتين من هذه الدول الأربعة كانتا قد انتصرتا في الحرب العالمية الثانية وهما الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، وأخريتين كانتا قد خسرتا تلك الحرب وهما اليابان وألمانيا.

انني أورد هذه السيرة والخصائص الذاتية للمؤلف لتعين القارىء على فهم ما يريد قوله المؤلف ويعرض من خلاله تجربته الحياتية وتمنياته لشعب العراق ودولته. وهكذا يختتم كتابه: الشخصية العراقية، محاولة في فهم علاقة الثقافة بالدولة والدين وتأثيراتها المتبادلة، بجملة كبيرة من الرؤى والتوصيات التي يراها ضرورية في تعزيز تلك الشخصية ايجابياً لتساهم في تجاوز اختناقات البناء والتنمية والتقدم وتحقق نهضة العراق وازدهار أمته.

في الختام أقول: إن كتاب الشخصية العراقية في فهم العلاقة بين الثقافة والدولة والدين جدير بالقراءة لكل من يعمل في السياسة أو التحليل الاجتماعي، ويبحث عن مقومات نهضة وفق رؤية الكاتب وما بنى عليه استنتاجاته الشخصية من تحليلات تاريخية وسياسية واجتماعية.