جذور المواطنة والإصلاح والتّهذيب

جذور المواطنة والإصلاح والتّهذيب

عبد الرزاق عبد الجليل العيسى

حين كنّا طلاباً في المدارس والجامعات العراقيّة  -في عقد السّتينات  والسّبعينات من القرن الماضي – كأن معظم معلمينا ومدرّسينا وأساتذتنا  يحملون لواءً شهيراً يؤمن بأن رسالة التّربية تأتي قبل رسالة  التّعليم،ومبادئهم  التي كانت- ومازالت- موضع إجلال وإكبار  كانت تشير إلى  أن أولوياتهم كانت تبدأ بتهذيب النّفوس قبل تعليم النّصوص،وجلهم كانوا  متمتّعين بأساليب متقنة ومتمرّسة في هذا الشّأن،فمعظمهم نشأ في مجتمع نقي  وفي بيئة عائليّة قويمة تغرس في النّفوس ثقافة حبّ الوطن والولاء والانتماء  له. لذا كان العراقيّ الأصيل لا تغريه ملذّات الدّول العظمى والمتقدّمة  تقنيّاً وثقافيّاً،فنجد وقتذاك كثيراً ممّن أُبتعثوا للدّراسة في الجامعات  الأمريكيّة والأوربيّة  قد عادوا بعد أن أنهوا دراستهم، ولنا أمثلة كثيرة  على ذلك من الأطباء والمهندسين

والاقتصاديين والأكاديميين في شتّى  التّخصّصات . فالوطن كان لديهم أغلى وأعزّ ما في الحياة،ودونه يشعرون في  حياتهم ومعيشتهم بالمذلّة والتشرّد وافتقاد متعة خدمة الوطن وبناء المجتمع  وذكريات الطّفولة والشّباب.

ومن هنا ينبغي أن يكون إيماننا  الوطنيّ عميقاً وواعياً، وعاطفتنا نحو وطننا مخلصة وصادقة،وشعورنا تجاه  أمجاده محلّ اعتزاز،وحديثنا عنه موضع افتخار،وطموحنا أكيد وعميق في أن نراه  قويّاً متماسكاً متقدّماً في شتى المجالات والنّواحي ، ويملك نُظماً  تربويّة وإبداعات علميّة ثقافيّة وملتزماً بالأنظمة وسيادة القانون. ولا  ريب في أنّ حقبة الحروب والقهر خلال فترة الثّمانينيات من القرن غيّرت  الكثير من المفاهيم والقيم والخصال والمبادئ عند شريحة كبيرة من  العراقيّين. ومن أبرز هذه المفاهيم الجديدة  الكريهة الطّارئة هو تزعزع روح  المواطنة، وتصدّع الانتماء وحب الوطن، وظهور ثقافة الرّغبة بتركه والعيش  في منافي بلدان العالم، حتى الفقيرة والمتخلفّة منها.ومن أسوأ مظاهر  التّصدع شيوع ثقافة استباحة الأموال العامة العامّة والخاصة وانتشار شرعنة  السّرقات،ويمكن عدّ فترة الحرب العراقيّة الإيرانيّة (1980-1988م) هي بداية  التّردي ولاسيما بعد احتلال المدن الإيرانيّة  بعد  السّماح لبعض من الجنود  العراقيّين بسرقة محتويات البيوت ،واستباحة الدّوائر والمؤسسات وبيوت  الكويتيين في فترة احتلال الكويت(1990-1991م)،وأخيراً في فترة الحصار  الاقتصاديّ(1991-2003م). نعم كان نظام البعث المباد بارعاً في  صناعة الأزمات الدّاخليّة لإشغال الشّعب بنفسه،فكان يتعمّد عدم توفير مواد  تمسّ حاجته اليوميّة،فعلى سبيل المثال  قام النّظام البعثيّ في فترة زمنيّة  ما بمنع استيراد الكثير من السّلع والبضائع،ومن ضمنها السّجائر وصابون الاستحمام السّائل (الشّامبو) وزيوت الطعام،ولكنه سمح – في الوقت نفسه-  باستيراد مختلف أنواع المشروبات الكحوليّة، وشرّع ثقافة الفرهود،حتى إذا ما  وجد رجاله وأتباعه أيّ ممنوع ما في قوائم الممنوعات الطّويلة  في إحدى  المحلات، وحتى لو كانت قطعة واحدة ، عندها كانوا  ينادون المارة من النّاس  في الطّريق لاستباحة مقتنيات المحل أو المتجر ونهبها على مرأى ومسمع من  صاحبه الذي لا حول له ولا قوة.

ومن آثار تصدّع الانتماء والولاء  للوطن ظهور آفة الرّشوة وشيوعها في معظم دوائر الدّولة وانتشارها حتى في  دوائر القضاء والمؤسسات الأكاديميّة. واليوم بعد زوال الدّكتاتور ورحيل  حياة التّعسف والحروب وانفتاح الأسواق و توفّر فرص العمل والاستثمار وزيادة  الرّواتب وإمكانيّة الحصول على المال الحلال بقيت – للأسف – معظم الظواهر  السّلبيّة على الرّغم من زوال المبررات القاهرة  المستولدة لوجودها في  الماضي ، لذلك يتطلّب الأمر وضع برامج تثقيفيّة مكثّفة لمحاربتها، وحثّ  الجميع على التّعاضد سواء أكانوا مسؤولين كباراً أم صغاراً، ومهما كانت  مناصبهم كي يتقوا الله في هذا الوطن،ويحموه من الآفات والسّلبيات،وأن  يقوموا بأعمالهم الموكلة إليهم بكلّ كفاءة وأمانة وإخلاص وتفانٍ وصدق.

يجب إعادة ثقافة الانتماء إلى الوطن وإفهام النّاس أنّ الوطن قيمة عليا  لا يُساوم عليها ولا يزايد.  وعلينا أن نرضى بالواقع مهما تيسّر منه،وأن  نقتنع به ولاسيما إذا قارناه بما كنّا عليه في التّسعينات من القرن الماضي.

وفي هذا الشّأن أشيرُ إلى الأنظمة والتّعليمات والقرارات  الحكوميّة النّافذة التي حملت أحسن العبارات الفقهيّة والقانونيّة،ولكن  بعضها غير مفعّل بالشّكل المطلوب في ظل غياب التّطبيق العمليّ لمبدأ  العدالة والمساواة الذي هو أساس السّيادة والرّقيّ وتحقيق الذّات والطّريق الأكيد والوحيد للوصول إلى مجتمع مثاليّ قوامه الأخلاق وعنوانه المحبّة والتّسامح والإيثار والصدق .

ويبقى السّؤال قائماً،وهو كيف نهذّب النّفوس ونحن نشهد شرعنة الظّواهر  السّلبيّة التي ترفضها الفطرة السّليمة؟! مثل أنواع الفساد وأشكاله  المختلفة المقيتة، والتّطاول على المال العام، والعنف بشتّى أنواعه،  والرّغبة في التّخريب والغشّ في كلّ شيء، وأخطر أشكاله -دون شكّ- الغشّ في  الامتحانات وتزوير الشّهادات الدّراسية والعلميّة، لذلك كلّه يبدو أنّ  عملية تهذيب النّفوس قضيّة في غاية التّعقيد؛وهي لابدّ أن تبدأ أولاً  باعتماد مبادئ العدالة والمساواة والقصاص ، فالكثير من النّاس ولاسيما المسؤولون منهم والتّربويون و أصحاب الدّرجات العلميّة من التدريسيين لا  يفرّقون بين العدل والمساواة؛إذ إنّ العدل معناه إعطاء كلّ ذي حق حقه،  والمساواة معناها يتركّز في تساوي الحقوق والواجبات بين جميع أفراد  المجتمع. كما أنّ النفس البشرية بفطرتها تطمئن وترضى عندما ترى التّعامل  بهذا المبدأ  متحقّق في الواقع الميدانيّ وليس مجرد كلام مرسل في الفضاء  التّنظيريّ، فهو مبدأ ينبغي ترسيخه عمليّاً  في  شتى الأوساط والمؤسسات  وسائر الأنفس لإعلاء المصلحة العامة ونبذ أنانيّة المصلحة الشّخصية، ويجب  ترسيخ الإيمان في النّفوس بأنّ مفهوم حقوق المواطنة والمساواة والعدالة هي  من المتطلّبات الأساسيّة لاستمرار الدّولة وسيادة النّظام واحترام حقوق  الإنسان في المواطنة  بعيداً عن المزايدات من أجل مواجهه سلوكيات الإقصاء  والفساد والعنف والأخلاقيات غير القويمة. ومتى حقّقنا العدالة الاجتماعية  ولو النّسبية منها على  المستويات المنهجية والنظرية والسلوكية والعملية  كافّة سنشهد هدأة النّفوس واستقرارها بل وضمان عدم انحرافها.

ولاشك في أنّ اعتماد هذه المفاهيم أو تفعيل القوانين في أروقة المؤسّسات  التّربويّة والعلميّة وتطبيقها بتفاصيلها  كاملة على الجميع سواسية  سيمكننا من وضع الحجر الأساس الرّصين في طريق تهذيب النّفوس ، وتحقيق خطوة  عمليّة نحو مجتمع متحضّر يفتخر بمواطنته ، ويسير قدماً  بخطة ثابتة نحو  التنميّة البشرية الشّاملة التي ننشدها ونضحّي من أجلها. وتؤكد التّجارب  العالميّة الحديثة أنّ أولى خطوات الإصلاح  -ليس في مجتمعنا العراقيّ فقط –  بل  في دول العالم  كلّها تبدأ من العناية  بالطّفل تربويّاً وأخلاقيّاً  ومهنيّاً وثقافيّاً كونه الحلقة الأولى واللبنة الأساسيّة والمهمّة في بناء  المجتمع وبداية الطّريق الطّويل  نحو التنميّة البشريّة فيه.

إنّ اليد الأولى التي تمسك بالطّفل بعد العائلة وتقوده هي يدّ المعلم في  مرحلة التّعليم الأساسيّ في رياض الأطفال والابتدائيّة، ويقع على عاتقه رسم  معالم الطّريق التي  سيسلكها الطّفل،وهو المعول عليه في تغذية عقول  الأطفال الذين يتلقّون منه  البرامج والقيم والمفاهيم الأساسيّة في  التّعامل مع المجتمع، ويستدعونها من مخزونها الذّهنيّ عبر حياتهم العلميّة  والعمليّة في فترة الطّفولة وفيما بعدها،وتكون المفتاح للمستقبلات والأوعية  المناسبة التي يجب أن تُغذّى بالمعلومات المناسبة لتؤهّلهم للسّير في  حياتهم  في المراحل القادمة. لذلك نجد في دول العالم المتقدّم يتم اختيار  شريحتين بكلّ دقّة وموضوعيّة عند التّعيين ،وهما شريحتا المعلمين  والممرضين، إذ يشترط لهما مواصفات  وضوابط إضافيّة فضلاً عن الشهّادة  العلميّة والخبرة،ويخضع الرّاغب في العمل فيهما لاختبارات علميّة وتربويّة  ونفسيّة ليست سهلة على الأشخاص الاعتياديين، مثل التّوثّق من المؤهّلات  التّربويّة والسّلوكيّة والخُلقيّة والثقافيّة حتى ضرورة مقبوليّة الشّكل  وحسن هندامه. بل حتى السّؤال عن نظافة السّجل التاريخيّ العائليّ وبعده عن  أشكال الجريمة ،والوقوف عند ما يتمتّع به من الحكمة والسّلوك التّربويّ  الخلاّق بالإضافة للمهنيّة

والعلميّة والتّقنيّة ودرجة ثقافته  وأمانته ورفعة خلقه ونزاهته وعفته.وبهذه المعايير التّربويّة الصّارمة  ينبغي العمل بها،والتمسّك الصّارم بها للنّهوض بالواقع التّربويّ العراقيّ  لاسيما بعد ما مرّ فيه من عقود مظلمة من عسكرة التّعليم وتسيسه  وإنهيار  المنظومة الأخلاقيّة والتّربويّة والتّعليميّة فيه فضلاً عن شيوع المفاهيم  السّلبيّة والقيم  الهابطة المساندة له. وبات من الضّروري التّخطيط  والإعداد لإنتاج معلّم بالمواصفات العالميّة بكلّ دقة وحياديّة وموضوعيّة.

لقد كان ضمن مخطّطاتنا وأهدافنا في جامعة الكوفة في مشروع  التنميّة البشريّة الشّاملة  إصرارنا على استحداث كلية التّربيّة الأساسية  في عام 2009/2010م، للشروع  في إعداد المعلم النّموذجيّ ،وذلك ضمن خطوات  مدروسة ذات أبعاد وأهداف مخطّط لها، لذلك كان اختيارنا لشخص إدارة  هذه  الكلية بمواصفات دقيقة مهنيّاً وعلميّاً وتربويّاً وأخلاقياً،ومن جذور  عائليّة مشهود لها بالعلم والشّرف، وكانت من العناصر النّسائيّة؛اذ كُرّمت  من قبل إحدى المنظّمات العالميّة لاحقاً بوصفها امرأة مثاليّة.

وقد كان  اهتمامنا بالغٌ بالكوادر المساندة إداريّاً وعلميّاً بانتقاء معاونين  ورؤساء أقسام بكلّ دقّة وبالمعايير ذاتها التي تمّ  بها اختيار عميدة  الكلية آنفاً، ليتمّ بعدها  الإعداد لاختيار الهيئة التّدريسيّة الرّصينة  ضمن مواصفات مخطّط لها لتفتح الكلية بقسمين،ثم أُضيف لها فيما بعد قسم رياض  الأطفال.

وبذلك مضت هذه المؤسسة المهمة في طريق تطبيق معايير  جودة المخرجات بالإعداد للمعلم النّموذجيّ بكامل مواصفاته المهنيّة  والأخلاقيّة والتّربويّة والثقافيّة،ولم تقتصر البرامج والإعداد لها على  المناهج الدّراسيّة، بل شملت النّشاطات اللامنهجيّة واللاصفيّة الأسبوعيّة  التي كانت مقترنة بالمسيرة الدّراسيّة،ومرافقة لها. فجاء تأسيس

منتدى  الإثنين الثقافيّ الأسبوعيّ منبراً حرّاً للطّلبة لطرح أفكارهم وكتاباتهم  ومناقشتها فيما بينهم على مرأى ومسمع  إدارة الكلية وكادرها  التّدريسيّ،وبحضوريّ بشكل شخصيّ في معظم الأحيان على سبيل  الاهتمام العميق  بهذا الأمر،والإشراف  المباشر على عملية التّأهيل والإعداد لتلك الكوادر  -معلمي المستقبل- التي طالما أسعدتنا،وبعثت الأمل في نفس كلّ مهتم  بمستقبل  العراق وتنميته وتطوير طاقاته؛إذ تتخلّل تلك الجلسات مهرجانات شعريّة  ومؤتمرات مصغّرة.

ثم كان الطّموح لتأسيس مدرسة أنموذجيّة لتكون  الموقع التّطبيقيّ لطلبة الكلية ومخرجاتها،وقد تمت الموافقة على هذا  التّأسيس،ثم تمّ قبول أول دفعة فيها في هذا العام 2013/2014. وظهرت مؤشرات  جودة وتميز كوادر أوّل دفعة لهذه الكلية- العام الماضي- من خلال فترة  التّطبيق التي مارسوها في مختلف مدارس المحافظات العراقيّة بعد تقيمهم من  قبل إدارات المدارس والمعلمين والطّلبة والمشرفين ومديريات التّربية لما  بدا منهم من أداء متميّز ورصانة علميّة وتربويّة وثقافة عالية ورفعة خلق.  ونطمح مستقبلاً في أن يكون القبول في الكليات التربويّة(الأساسيّة  والتّربية)  ليس ضمن القبول المركزيّ، بل باعتماد آلية القبول المباشر ومن  خلال لجان  بمواصفات ومعايير تعتمد الكفاءة العلميّة والمهنيّة والثقافيّة  العامة والسّلوك التّربويّ والمظهر الخارجيّ ورصانة الأداء وحسن الخلق.إنّ  مسيرة ألف ميل تبدأ بخطوة واحدة، وما هذه إلاّ بداية لطريق طويل وشائك  لإعداد معلم المستقبل  المنشود الذي نأمل أن يكون الرّائد في تهذيب النّفوس  من أجل إعادة الهوية الوطنيّة،وتكوين بنية تحتيّة حقيقيّة  للتنمية  البشريّة،وذلك لا يكون إلاّ عبر رعاية الطّفولة وتطوير أنظمة التّربية  والتّعليم لخدمة للعراق والعراقيّين.

والله من وراء القصد

{ المستشار الثقافي العراقيّ – المملكة الأردنية  الهاشمية

[email protected]